في ظل موجة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي التي اجتاحت المنطقة العربية خلال الفترة الحاليّة، أعلنت السلطة الوطنية من خلال وزير الهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية حسين الشيخ مساء الثلاثاء 17 من نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" سيعود إلى ما كان عليه قبل 19 من مايو/أيار.

وقال الشيخ في تصريحه: "على ضوء الاتصالات الدولية التي قام بها الرئيس محمود عباس بشأن التزام "إسرائيل" بالاتفاقيات الموقعة معها واستنادًا إلى ما وردنا من رسائل رسمية مكتوبة وشفوية بما يؤكد التزام "إسرائيل" بذلك، فإنه سوف يتم إعادة مسار العلاقة مع "إسرائيل" كما كان عليه الحال قبل 19 من مايو/أيار 2020".

 

جاء هذا القرار بعدما كانت السلطة قد أعلنت وقف هذا التنسيق رسميًا كنوع من الاحتجاج على الخطة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط، التي كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الستار عنها في يناير/كانون الثاني، وأعطت "إسرائيل" الصلاحية لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية لها.

وعلى الرغم من تبعات هذا القرار السلبية على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، أبرزها العجز الكبير في ميزانية السلطة الفلسطينية التي أصبحت تكافح أيضًا لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد، ولم تعد قادرة على سداد أجور الموظفين العموميين لديها، مكتفية بدفع أنصاف تلك الرواتب، كان له ميزة تكمن في توحد الصف الفلسطيني والفصائل الفلسطينية واتفاقهم على موقف واحد والبدء في السير نحو المصالحة بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحكومة حماس في قطاع غزة، الأمر الذي أعطى جرعة أمل للشعب الفلسطيني الذي عانى من الانقسام طيلة العشر سنوات الماضية.

لكن هذا القرار المفاجئ من السلطة الفلسطينية أثار موجة من الإحباط نحو سير عملية المصالحة، والغضب والرفض بين الفصائل وصفوف الشعب الفلسطيني الذين اعتبروه ضربةً وطعنة مؤلمة للشعب وانقلابًا على القرار الذي جاء كرد فعل على الخطة الأمريكية التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية المعروفة إعلاميًا بـ"صفقة القرن".

لم تقف المفاجأة عن هذا الحد، بل أكد مسؤول فلسطيني، مساء الأربعاء، أن السلطة قررت إعادة السفيرين إلى الإمارات والبحرين بعد استدعائهما مؤخرًا، احتجاجًا على قرارهما توقيع اتفاق تطبيع كامل مع "إسرائيل" حسبما نقلت رويترز، ليكون ذلك مخالفًا للموقف الحاد الذي أعلنته السلطة خلال الأسابيع الماضية ضد الإمارات والبحرين، والتف الشعب الفلسطيني حوله.

موقف الفصائل الفلسطينية.. استنكار واسع

أدانت حركة حماس قرار السلطة الفلسطينية وقالت في بيان صحفي لها، إن هذا القرار يمثل طعنة للجهود الوطنية نحو بناء شراكة وطنية وإستراتيجية نضالية لمواجهة الاحتلال والضم والتطبيع وصفقة القرن، ويأتي في ظل الإعلان عن آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية في مدينة القدس المحتلة.

وأوضحت الحركة أن السلطة الفلسطينية بهذا القرار تعطي المبرر لمعسكر التطبيع العربي الذي ما فتئت تدينه وترفضه، وطالبت السلطة بالتراجع الفوري عن قرارها وترك المراهنة على بايدن وغيره، وأكدت أن الطريقة الوحيدة لطرد الاحتلال تتمثل بتحقيق وحدة وطنية حقيقية مبنية على برنامج وطني شامل ينطلق من إستراتيجية المواجهة مع الاحتلال.

فيما أدانت حركة الجهاد الإسلامي هذا الإعلان بأشد العبارات مثل عودة العلاقات المحرمة والمجرمة بين السلطة في رام الله والاحتلال الإسرائيلي، وأكدت الحركة في بيان لها، أن قرار عودة مسار العلاقة مع الاحتلال الاسرائيلي يمثل انقلابًا على كل مساعي الشراكة الوطنية وتحالفًا مع الاحتلال بدلًا من التحالف الوطني، وهو خروج على مقررات الإجماع الوطني ومخرجات اجتماع الأمناء العامين للفصائل وتعطيل لجهود تحقيق المصالحة الداخلية. 

وتوافق موقف الجهاد مع حماس في أن علاقة السلطة مع الاحتلال تعني تأييد وتشجيع التطبيع الخياني الذي أجمعت القوى على رفضه والتصدي له، كما أن "استمرار الرهان الخاسر على الولايات المتحدة والرهان على مسيرة الاستسلام التي أودت بقضيتنا إلى المهالك وشجعت على تحالف بعض الأنظمة العربية العميلة مع الاحتلال، يفتح الطريق أمام تمرير مؤامرات تصفية القضية الفلسطينية".

لم يختلف الحال عن الجبهة الديمقراطية التي اعتبرت أيضًا أن قرار العودة إلى العلاقات مع دولة الاحتلال هو انقلاب على القرار القيادي

أما الجبهة الشعبية فقد اعتبرت في بيان لها، أن إعلان السلطة إعادة العلاقات مع دولة الاحتلال كما كانت عليها، نسفٌ لقرارات المجلسين الوطني والمركزي بالتحلّل من الاتفاقيات الموقعة معها، ولنتائج اجتماع الأمناء العامين الذي عُقد، أخيرًا، في بيروت، وتفجير لجهود المصالحة التي أجمعت القوى على أن أهم متطلباتها تكمن في الأساس السياسي النقيض لاتفاقات أوسلو.

ودعت الجبهة الشعبية جميع القوى والنقابات ومنظمات المجتمع وقطاعات الشعب الفلسطيني للتصدي لقرار السلطة ولسياسة التفرّد التي تُدير الظهر للمؤسسات الوطنية ولموقف القوى السياسية والمجتمعية التي أجمعت على ضرورة اشتقاق مسار سياسي كفاحي بعيدًا عن الاتفاقيات الموقعة، ويُعيد للصراع طابعه مع العدو ويفتح على مقاومته بكل الوسائل والأشكال، وإقرار الشراكة سبيلًا في إدارة الصراع معه".

لم يختلف الحال عن الجبهة الديمقراطية التي اعتبرت أيضًا أن قرار العودة إلى العلاقات مع دولة الاحتلال هو انقلاب على القرار القيادي في مايو/أيار الماضي الذي قضى بالتحلل من الاتفاقات والتفاهمات مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، فضلًا عن كونه انتهاكًا لقرارات المجلس الوطني في دورته الأخيرة، وذلك لأن هذا القرار صدر بشكل منفرد دون العودة إلى الإطار القيادي الذي اتخذ قرار 19/5، ودون العودة إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبما يخالف اتجاهات العمل ومخرجات اجتماع الأمناء العامين بين بيروت ورام الله في 3 من سبتمبر/أيلول الماضي.

التنسيق الأمني في الصحافة الإسرائيلية

أبدت الصحف العبرية اهتمامًا ملحوظًا بإعلان السلطة الفلسطينية عودة العلاقات والتنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، بشأن أهمية هذه الخطوة وأسبابها.

وصفت صحيفة "يديعوت أحرنوت" هذه الخطوة بالـ"صحيحة"، وقالت: "رغم أنه لا يوجد تنسيق أمني بين "إسرائيل" والسلطة، ولم تقع أي مصيبة فعلية، فإن محافل الأمن الإسرائيلية لم تقبل هذا الوضع، حتى جاءت أمس بشرى استئناف التنسيق، وهذا الأمر ينبغي الترحيب به".

فيما كشفت الصحيفة عن سبب هذا القرار، وهو أن ممثلًا للدول المانحة التقى، أخيرًا، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وعرض عليه تقديم مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية مقابل عودتها للتنسيق الأمني مع دولة الاحتلال.

أما صحيفة "هآرتس" فقد أكدت أن فوز المرشح الديمقراطي بايدن "أعطى ثماره الأولى، فقيادة السلطة استغلت استبدال الإدارة المتوقع، لتبرير خطوة كانت مطلوبة منذ زمن، وهي استئناف التنسيق الأمني مع "إسرائيل"".

يتضح من إجماع الصحف العبرية أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت السلطة الفلسطينية هي السبب الرئيسي لإعلان هذا القرار المفاجئ

وذكرت أيضًا أن "السلطة توقفت عن تسلم أموال المقاصة للضرائب التي جبتها "إسرائيل" لصالحها، وهو مبلغ تراكم ليصل إلى نحو 2.5 مليار شيكل، ردًا على قرار "إسرائيل" منع تحويل دعم مالي للأسرى الفلسطينيين"، علمًا بأن إيرادات المقاصة، هي ضرائب تجبيها "إسرائيل" نيابة عن وزارة المالية الفلسطينية، على السلع الواردة للأخيرة من الخارج، تقتطع منها تل أبيب 3% بدل جباية.

كما أكدت الصحيفة أن "السلطة الفلسطينية هي التي دفعت معظم الثمن، فالأموال التي رفضت تسلمها هي بحاجة إليها في زمن الأزمة الاقتصادية الشديدة التي تمر بها، وقطع التنسيق المدني قاد لاستئناف العلاقة المباشرة بين مئات آلاف سكان الضفة والإدارة المدنية الإسرائيلية بصورة اعتبرت نوعًا من الاعتراف بالاحتلال".

فيما رأت صحيفة "إسرائيل اليوم" أن هناك ثلاثة أسباب دفعت السلطة لإعلان عودة التسيق الأمني مع الاحتلال وهي: فوز بايدن برئاسة الولايات المتحدة والأزمة الاقتصادية الحادة التي ضربت السلطة الفلسطينية، إضافة إلى الخوف من جهود المصالحة بين السلطة وحماس.

ويتضح من إجماع الصحف العبرية أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت السلطة الفلسطينية هي السبب الرئيسي لإعلان هذا القرار المفاجئ من السلطة.