مصير مجهول لملايين الموظفين المصريين

أحدث قانون فصل الموظفين بغير الطرق التأديبية، الذي أقره مجلس النواب المصري (البرلمان) مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، حالة من الجدل والانتقادات الحادة بسبب ما يتضمنه من بنود فضفاضة وغير واضحة وتحمل الكثير من التأويل، الأمر الذي أثار مخاوف الملايين من موظفي القطاع العام في البلاد.

القانون الجديد بصيغته الحاليّة يتيح للدولة فصل موظفي الخدمة العامة بقرار مباشر دون إجراء تحقيقات داخلية أو اللجوء للمحاكمة التأديبية، فقط تقارير مقدمة من المديرين في المصالح والهيئات بشأن الموظفين كفيلة بأن تطيح بهم إلى الشارع.

وحددت لوائح هذا القانون شروطًا عامة واسعة التأويل، لفصل الموظف بغير الطرق التأديبية التقليدية، منها إدراجه على قوائم الإرهابيين أو فقدانه للثقة والاعتبار، بجانب تسببه في حدوث أضرار جسيمة بالإنتاج، أو يفقد أسباب الصلاحية للوظيفة، أو يمس بأمن الدولة وسلامتها.

ورغم التحفظات التي أبداها خبراء حقوقيون وقانونيون بشأن ما يحمله هذا القانون من مخاطر، من الواضح أن الحكومة تسابق الزمن لأجل إدخاله حيز التنفيذ في تحرك أثار الشبهات والكثير من الشكوك عن الدوافع الحقيقية له بعيدًا عن الأهداف العامة التي تسعى السلطات بشقيها، التشريعية والتفيذية، للترويج لها، التي تتخذ من أمن البلاد واستقرارها بوابة لتمرير كل المشروعات التي تخالف القانون ومواثيق حقوق الإنسان.

بدء إجراءات الفحص

بحسب صحيفة "الوطن" المحلية المصرية الداعمة لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي فإنه يجري حاليًّا فحص بعض موظفي الدولة في عدد من الجهات التابعة للجهاز الإداري، في عدد من المحافظات، استنادًا إلى التعديلات التي أقرها البرلمان على مشروع القانون رقم 10 لسنة 1972.

إجراءات الفحص تستهدف وفق ما نقلت الصحيفة عن مصادرها الخاصة "استبعاد الموظفين الذين يثبت انتماؤهم للجماعات المتطرفة والإرهابية، أو تبني مواقف وآراء معلنة من شأنها التحريض على العنف أو الفتنة أو الفوضى" وذلك استنادًا إلى تقارير رقابية من مديري العمل.

ورغم أن القانون يعمم على جميع موظفي الدولة، فإن التركيز سينصب في المقام الأول على الذين يتصدون للتعامل مع عدد كبير من المواطنين في المجالات كافة، أبرزهم موظفي العمل الدعوي من أئمة وخطباء وعاملين بالمساجد، لنفوذهم الكبير في نفوس المصلين ومرتادي دور العبادة، بجانب المعلمين وأعضاء هيئات التدريس بالجامعات، لما لهم من تأثير على الطلبة والشباب.

بعيدًا عن إقرار تلك التعديلات من عدمها فقد لجأت بعض الوزارات والهيئات الإدارية بالدولة إلى القيام بعملية إقصاء ذاتي لكل الشخصيات المعارضة في توجهاتها لسياسات النظام

ووفق المذكرة المقدمة للبرلمان بهدف إجراء التعديلات على القانون سالف الذكر (رقم 10 لسنة 1972) فإن الهدف من تلك التعديلات "تجفيف منابع الفكر المتطرف في الجهاز الإداري للدولة"، لذلك فقد ارتأى المشروع "الفصل بغير الطريق التأديبي المشار إليه، ليسري على العاملين بكل مواقع العمل والإنتاج التي تملك الدولة توجيهها، إما لكون الدولة هي المالكة لها أو المساهم الرئيسي وصاحب القرار فيها باسم شركات القطاع العام وشركات قطاع الأعمال العام، وإما لكون تلك المواقع فضلًا عن تبعيتها للدولة ذات أثر عميق في تشكيل الوعي العام وتوجيه أفكار الشباب والنشء، مثل المؤسسات الجامعية والتعليمية التابعة للدولة".

المادة 1 بالبند هـ من القانون الجديد أقرت مبدأ فصل الموظفين المدرجين على قوائم الإرهابيين بغير الطريق التأديبي، كونها ترى أن "إدراج الشخص على قوائم الإرهابيين بقرار من السلطات القضائية وفقًا للقانون المشار إليه، يقتضي بحكم اللزوم خطورته على أمن الدولة وسلامتها، ويستوجب تخليص المؤسسات التابعة للدولة منه طيلة فترة الإدراج".

إرهاصات التطبيق

بعيدًا عن إقرار تلك التعديلات من عدمها، فقد لجأت بعض الوزارات والهيئات الإدارية بالدولة إلى القيام بعملية إقصاء ذاتي لكل الشخصيات المعارضة في توجهاتها لسياسات النظام، وبات الفصل أو النقل أو التعرض لعقوبات وجزاءات مستمرة أحد إستراتيجيات التطهير من العناصر التي تغرد خارج السرب.

وزارة الأوقاف وعلى رأسها الوزير مختار جمعة، كانت على رأس وزارات الحكومة تطبيقًا لهذا المبدأ، فمنذ توليه الوزارة وإنجازاته لا تتعدى الإطاحة بكل العناصر المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أو الجماعات الإسلامية الأخرى التي لا تتفق مع أجندة السلطات الحاكمة.

ودومًا ما كان يتفاخر الوزير المقرب من السيسي، القابع في وزارته رغم وقائع الفساد المتورط فيها وحملات الانتقادات الموجهة له، بتنقية الوزارة وكل مساجد الدولة وإداراتها من الموظفين المتعاطفين مع الجماعة أو الذين لا يدافعون عن النظام الحاليّ بكل حماسة وقوة، فبسببه تم تشريد مئات الأسر بعد أن زُج بعائلهم الوحيد في الشارع دون وظيفة.

وبعد أيام قليلة من إقرار البرلمان لقانون الفصل أصدرت الوزارة قرارًا بإنهاء خدمة الشيخ السلفي أحمد جلال عبد الله، إمام وخطيب بمديرية أوقاف الدقهلية، دون إخباره بأي مبررات لتلك الخطوة التي فوجئ بها الشيخ، وبأنه ما عاد له أي علاقة بالأوقاف ولا المساجد التابعة لها.

وفي بيان صادر عن الوزارة قالت فيه: "أنهت الإدارة العامة للموارد البشرية بديوان عام وزارة الأوقاف خدمة أحمد جلال عبد الله، إمام وخطيب بمديرية أوقاف الدقهلية، وذلك طبقًا لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ولائحته التنفيذية"، فيما كشف مصدر بالمكتب الفني للوزير أن السبب في هذا القرار أن "الشيخ أحمد جلال خالف تعليمات وزارة الأوقاف بمنع المشاركة في أي محافل تدريس أو ندوات دون إذن الوزارة، كذلك تمنع الوزارة أي انتماءات سياسية وترفض أي تعامل مع تلك الجماعة الإرهابية".

مقصلة الحكومة لمخالفي التعليمات السياسية لم تتوقف عند حاجز الشيخ جلال في الأوقاف وفقط، ففي وقت سابق كشفت وزارة التربية والتعليم عن فصل 1070 معلمًا بدعوى الانتماء لجماعات إرهابية، مضيفةً أنها تعد قوائم أخرى للمفصولين لتنقية المدارس من الأفكار المتطرفة، على حد قولها.

القانون يفتقد مبدأ التدرج في العقاب قبل الفصل، ويعتمد في العقاب على أسباب خارج مهام وشروط الوظيفة ذاتها، بالإضافة إلى أن بعض الموظفين قد يُحذفون من قوائم الإرهابيين في وقت لاحق، لكنهم لن يتمكنوا من العودة إلى وظائفهم، إلا بعد إجراءات تُقاضي الجهة الإدارية

ثلاثية الولاء والتصفية والصندوق

بداية يشير بعض الحقوقيين إلى أن القانون الجديد مخالف للدستور بصورة واضحة، وهو ما أشار إليه المحامي والناشط الحقوقي، نجاد البرعي، الذي قال: "قانون الفصل الجديد يخالف الدستور، وإصداره من البرلمان يعد خطأ كبيرًا يضر بالبناء القانوني للدولة".

البرعي أضاف أن هذا القانون "يفتقد مبدأ التدرج في العقاب قبل الفصل، ويعتمد في العقاب على أسباب خارج مهام وشروط الوظيفة ذاتها، بالإضافة إلى أن بعض الموظفين قد يُحذفون من قوائم الإرهابيين في وقت لاحق، لكنهم لن يتمكنوا من العودة إلى وظائفهم، إلا بعد إجراءات تُقاضي الجهة الإدارية"، بحسب تصريحاته لـ"بي بي سي عربي".

وتحقق تلك التعديلات العديد من الأهداف السياسية والاقتصادية لنظام السيسي الذي يسعى لتحقيقها خلال السنوات الماضية غير أن القانون والدستور طالما كانا الحائل الأكبر أمامها، أما اليوم وبعد إضفاء الصفة التشريعية عليها بات الأمر ممهدًا نحو السير قدمًا لترجمتها.

الهدف الأول يتعلق بالتخلص من المعارضة داخل الجهاز الإداري للدولة بصفة عامة أو المنتمين لجماعة الإخوان وكل التيارات الإسلامية بصورة خاصة، وهو المخطط الذي كان يراود السلطات الأمنية منذ الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، الرئيس الراحل محمد مرسي.

الهدف الثاني يتعلق بضمان الولاء التام للنظام الحاليّ من جميع موظفي الجهاز الإداري واستعدادهم لتنفيذ أي مهمة أو عمل يطلب منهم في أي وقت، خوفًا من التعرض للفصل أو العقوبات القاسية

وزير القوى العاملة المصري السابق، كمال أبو عيطة، يرى أن هذا القانون "يقتل الأمان الوظيفي" الذي عُرفت به وظائف الأجهزة الحكومية، مضيفًا "يهدف إلى التنكيل بالموظفين ذوي الآراء السياسية المعارضة للحكومة، كما أنه يهدف لخفض عدد موظفي الجهاز الإداري للدولة المصرية الذين أصبحوا عبئًا كبيرًا في نظر بعض المسؤولين".

وعن التوظيف السلبي للقانون يرى الوزير السابق أن بعض المديرين الفاسدين قد يستخدمون تلك التعديلات لتحقيق أغراضهم الشخصية في الإطاحة بالموظفين الذين لا يروقونهم، مؤكدًا أن القانون المصري يحاسب كل من يتورط في أي جريمة أيًا كان مكانته في البلاد متسائلًا: "فلماذا ندع قانونًا جديدًا لفصل الموظفين يفتح بابًا لاتهام الدولة؟".

أما الهدف الثاني فيتعلق بضمان الولاء التام للنظام الحاليّ من جميع الموظفين في الجهاز الإداري، واستعدادهم لتنفيذ أي مهمة أو عمل يطلب منهم في أي وقت، خوفًا من التعرض للفصل أو العقوبات القاسية، ولعل هذا ما يفسر ظاهرة أن معظم المشاركين في الماراثونات الانتخابية من الموظفين، سواء قطاع عام أم خاص.

وثالث الأهداف اقتصادي بحت، ويتعلق بالرضوخ لإملاءات صندوق النقد الدولي المعنية بتقليص أعداد العاملين بالقطاع الحكومي كأحد شروط الموافقة على منح مصر القروض التي حصلت عليها في السابق، وهو البند الذي تضمنته خطة الحكومة الإصلاحية المقدمة للصندوق قبل 3 أعوام.

يذكر أن عدد الموظفين العاملين في الجهاز الحكومي المصري تجاوز 6.5 مليون موظف، يكبدون الدولة 300 مليار جنيه رواتب سنوية، وهو الأمر الذي كان مثار جدل لدى الحكومة في وضع السياسات الجديدة للتعامل مع المرحلة القادمة التي تستند في المقام الأول إلى تقليل النفقات وتصفير الدعم والبحث عن آفاق جديدة للدخل بعيدًا عن خزانة الدولة.

حالة من القلق تخيم على أرجاء الملايين من موظفي القطاع العام مع بدء تنفيذ القانون الجديد، وبين الرضوخ للإملاءات ومخاوف الابتزاز الوظيفي والمادي أحيانًا، وتصفية الحسابات الشخصية والسياسية، يحبس الجميع أنفاسه في انتظار مصيره الذي بات معلقًا بقرارات فوقية لا علاقة لها بالكفاءة الوظيفية أو المستوى المهني.