دعوة بعض المكونات السياسية في تونس إلى تشكيل جبهة موحدة تضم الرئيس قيس سعيد والاتحاد العام التونسي للشغل، تأتي في وقت تمر فيه تونس بأزمة على كل الأصعدة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لكنها تتزامن أيضًا مع مشاريع إقليمية ومحلية تسعى لمواجهة تكتلات الإسلام السياسي في تونس (النهضة) وحلفاء الحزب، غير أن ردود الفعل على هذه الدعوة تركزت على وجه الخصوص حول موقف الرئيس سعيد منها وإمكانية الانخراط فيها، وكذلك بشأن مبادرة اتحاد الشغل وفرص نجاحها.

جبهة سياسية

الأمين العام لحركة الشعب (16 نائبًا)، زهير المغزاوي كان أول من أعلن لوسائل إعلام محلية أن "رئيس الجمهورية قيس سعيد قد يقود جبهة وطنية تضم التيار الديمقراطي وحركة الشعب واتحاد الشغل في مواجهة الإسلام السياسي وحلفائه"، مبينًا أنهم يشتركون في نقاط لا خلاف عليها، وأن حزبه عقد لقاءً مع الرئيس لتقييم وضع تونس بعد مرور 10 سنوات على الثورة، ووقع الاتفاق خلاله على عقد اجتماعات أخرى، مضيفًا أنه تم تنظيم لقاءات كذلك مع اتحاد الشغل الذي سيقدم مبادرة خاصة به إلى سعيد.

ما جاء على لسان المغزاوي أكدته النائبة عن الكتلة الديمقراطية (22 نائبًا)، ليلى الحداد، بأن التوجه لإحداث جبهة وطنية يأتي في إطار الوضع المالي الصعب والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، مشيرةً إلى أن تدخل رئيس الجمهورية سيكون في إطار بسط الأمن القومي العام من خلال إيجاد حلول لإخراج تونس من هذا المأزق الاقتصادي الاجتماعي وبحث الحلول الجدية.

النائبة أوضحت أيضًا في تصريحات إعلامية أن هذه الجبهة لها تصور إصلاحي، وهي مشروع جدي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، داعية جميع القوى الاجتماعية والمدنية والأحزاب السياسية إلى الانخراط في هذا المشروع ليكون حوارًا شاملًا بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.

ورقة قرطاج

يبدو أن الأحزاب السياسية تُحاول ممارسة ضغوطها من أجل الذهاب في مسار الحوار الوطني السياسي والاقتصادي، والدفع إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية أو تعديل وزاري جزئي على فريق المشيشي وإحداث تغييرات في خريطة الأحزاب المشاركة فيها، ما يعني العودة إلى المربع الأول حين اشترط التيار الديمقراطي وحركة الشعب المشاركة في الحكم مقابل إقصاء حزب قلب تونس.

دعوات بعض الأحزاب التونسية إلى تشكيل جبهة سياسية وتقديم قيس سعيد راعيًا لها يمكن قراءتها وفق ما يلي:

  • الجبهة السياسية المراد تشكيلها هدفها الأساسي تكوين حزام للرئيس قيس سعيد.
  • استعمال ورقة قيس سعيد والاستثمار في شخص الرئيس في معركة الأحزاب داخل البرلمان.
  • التمترس تحت جلباب الرئيس والغاية تحجيم دور حركة النهضة وإقصاء قلب تونس.
  • تعميق الهوة والصراع بين قصر قرطاج (سعيد) والبرلمان (راشد الغنوشي).
  • إحراج المشيشي المدعوم من النهضة وقلب تونس والترويج لفشله في قيادة البلاد (اختاره سعيد يُعاقبه سعيد).

في مقابل ذلك، من المرجح أن لا يكتفي الرئيس بدور النرد على طاولة الدومينو، خاصة أن الدعوات والمبادرات تتقاطع مع مشروعه المتمثل في تغيير النظام السياسي في تونس، وهو ما أكدته تصريحاته الأخير عقب لقائه برئيس الحكومة التي دعا فيها إلى "إيجاد تصور جديد لحل القضايا الحقيقية للشعب التونسي، وهي قضايا اقتصادية واجتماعية في المقام الأول"، ما اعتبره كثيرون بداية تمهيد ساكن قرطاج لمبادرة الحوار الاجتماعي والاقتصادي التي ينوي تقديمها مع حركة الشعب والاتحاد العام التونسي للشغل.

 

ضد الدستور

أولى ردود الفعل على إمكانية قيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد لجبهة وطنية تضم التيار الديمقراطي وحركة الشعب والاتحاد العام التونسي للشغل، جاءت على لسان الأمين العالم للحزب الجمهوري عصام الشابي الذي اعتبر في تدوينة على حسابه بموقع فيسبوك، أن دعوة بعض الأحزاب إلى إقامة جبهة سياسية تحت قيادة رئيس الجمهورية وبمشاركة اتحاد الشغل، هي دعوة لا تستقيم بكل المقاييس، مضيفًا "اتحاد الشغل بعد أن حرره الزعيم الحبيب عاشور من قيود الجبهة القومية باستقالته من الديوان السياسي للحزب الدستوري، استعاد مكانته الطبيعية كصرح اجتماعي تقدمي وخيمة سياسية وطنية لا يمكن أن يعود إلى مربع القيود السياسية ولو كانت تحت يافطات براقة".

السياسي التونسي أوضح أن الدستور يمنع رئيس الدولة من تحمل أي مسؤوليات حزبية حتى يتفرغ لمهامه كرئيس لكل التونسيين، قائلًا: "لا أخال أن الدستور يجيز له تزعم جبهة سياسية في تعارض مع نصه وروحه".

من جانبه، أشار المحلل السياسي هشام الحاجي في تصريح لـ"نون بوست" إلى أنه "لا شك أن الملاحظة الموضوعية تبرز وجود أزمة سياسية حقيقية في تونس لعل من أهم مظاهرها ضعف الحوار بين القوى السياسية الفاعلة وأيضًا وجود تصدع في علاقة أهم المؤسسات السياسية (الرئاسة والحكومة والبرلمان) وهذا يمثل مدعاة للانشغال"، مؤكدًا أن "رئاسة الجمهورية مدعوة في حالات مماثلة للتصرف بطريقة أخرى بعيدًا عن منطق تطوير الانقسام والاستعداد قبل الأوان للمواعيد الانتخابية لأن مؤسسة الرئاسة تمثل من الناحية الرمزية الإطار الجامع لكل التونسيين والتونسيات".

وتابع الحاجي قوله: "أعتقد أن رئيس الجمهورية قيس سعيد لن يتورط في الانزياح بمؤسسة الرئاسة عن دورها الطبيعي ولن يقحمها بشكل علني ومعلوم في صراع سياسي قد يزيد الوضع تعقيدًا بل قد يكون أقرب إلى لعب دور متقدم في الدعوة إلى حوار وطني للخروج من الأزمة السياسية التي تعيشها تونس وإلى رعاية هذا الحوار".

موقف النهضة

على الطرف المقابل، فإن حركة النهضة تقف على الربوة لمراقبة المشهد وتطوراته، حيث لم يُعلق قادتها على دعوات تأسيس جبهة سياسية ولا مبادرة اتحاد الشغل في انتظار ما ستُفرزه اللقاءات المارثونية بين الأحزاب وسعيد.

في تصريح لـ"نون بوست" أوضح المحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي، أنه لا يعتقد بأن ما يجري حاليًّا هو جبهة بالمعنى العميق من أجل تغيير النظام السياسي، لكن في المقابل هناك حرص من حركة الشعب على كسب ثقة الرئيس قيس السعيد والتعامل معه قصد استقطابه لصالحه من أجل تطويق رغبة الغنوشي في أن يكون البرلمان هو الإطار الوحيد لتنظيم الحوار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تم بدعوة من أطراف عديدة.

وأكد الجورشي أن هذه الدعوة تأتي من ناحية لتحجيم حركة النهضة وتضييق المجال السياسي أمامها، ومن ناحية ثانية لإعطاء ثقل أكبر لرئيس الجمهورية خاصة في مواجهة التحالف القائم بين النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة ورئيس الحكومة هشام المشيشي.

أما فيما يخص موقف النهضة من المبادرات، يؤكد المحلل التونسي أنه في حال كانت المخرجات تصب في غير صالح الحركة وتصورها للمرحلة القادمة، فستعترض بأشكال متعددة تراها مناسبة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أنها لا تريد أي مواجهة شاملة مع رئيس الجمهورية وتتجنب دخول أي صراع سياسي وميداني مع اتحاد الشغل، ولذلك فإنها ستعتمد على جرد ما ستجنيه وما ستخسره في أي خطوة ستقدم عليها، متابعًا القول: "أتوقع إذًا أن الأمر سيذهب في اتجاه حوار وطني حقيقي، فإن النهضة لن تعترض وستشارك فيه وستحاول أن تؤثر في مجرياته من الداخل".

مبادرة الاتحاد

يحاول القائمون على المنظمة الشغيلة النأي بالاتحاد عن المعارك السياسية التي تعيشها تونس خاصة في الأشهر القليلة الماضية والوقوف على مسافة بين الأحزاب في ظل تحالفات جديدة قطعت مع الشرط الإيديولجي والمنطق الثوري، وهو ما أوضحه تأكيد الأمين العام للمنظمة نور الدين الطبوبي بأن الاتحاد غير معني بجهود تأسيس جبهة وطنية، وإشارته إلى أن مبادرتهم طُرحت فقط على الرئيس قيس سعيد وبعض الأطياف السياسية وهي خطة لإنقاذ البلاد من الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المتازم الحاليّ حتى لا تسوء الأوضاع".

وبحسب اتحاد الشغل، فإن المبادرة الموجهة إلى رئيس الجمهورية قيس التي شارك في رسم خطوطها العريضة عدد من الخبراء والمختصين والنقابيين، تتضمن مقترحات وتشخيصًا للوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي سيتكون في صيغة حوار مغاير للحوار الوطني الذي تم تنظيمه عام 2013، رغم أن الهدف سيكون مشابهًا وهو التباحث في سبل إنقاذ البلاد وإخراجها من الأزمات التي تتخبط فيها على جميع المستويات.

المنظمة على لسان أمينها العام نور الدين الطبوبي، أكدت أن اتحاد الشغل والمنظمات الوطنية (الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين) لن تلعب دورًا قياديًا في الحوار الوطني على غرار الحوار الذي أجري في 2014، مشيرة إلى أن في تونس مؤسسات منتخبة ورئيس الجمهورية قادر على لعب هذا الدور بما أنه شخصية جامعة"، وأن المبادرة سيتم التعمق فيها قبل تقديمها لقيس سعيد.

بين قرطاج وباردو

مبادرة الاتحاد تهدف في الظاهر إلى إرساء حوار وطني في إطار الخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة، وتتضمن مقترحات بشأن نظام الحكم وطبيعته في المرحلة القادمة والبنود العريضة لتنقيح القانون، إضافة إلى مقترحات عن الإصلاحات الكبرى وخاصة إصلاح المؤسسات العمومية ومراجعة منظومة الدعم وإرساء حوار له علاقة بالاحتجاجات الاجتماعية والمشاكل التنموية في الجهات، لكنها في المقابل تتقاطع مع دعوات تأسيس جبهة سياسية في الأهداف والتوقيت وكذلك مع مشروع سعيد السياسي المؤجل إلى حين.

هذا التقاطع الواضح، قد يُعسر ميلاد مبادرة تحظى بقبول وانخراط واسع من الفاعلين السياسيين نظرًا للعراقيل والتعطيلات المتمثلة في الجهة الحاضنة، فاتحاد الشغل اقترح أن يكون قيس سعيد راعيًا لاعتبارات عديدة منها الشرعية الانتخابية والشعبية التي يحظى بها، وهي نقطة التقاء مع أحزاب دعت لتأسيس جبهة سياسية، فيما يصر رئيس البرلمان راشد الغنوشي أن يكون مجلس النواب هو الحاضنة الأساسية لأي مبادرة باعتباره المؤسسة الجامعة للفعاليات السياسة باختلافها.

من جهة أخرى، فإن رعاية المبادرة ليست العائق الوحيد، فاتحاد الشغل صاحب الاقتراح تربطه علاقات متوترة بعض الشيء مع حركة النهضة وائتلاف الكرامة، ما يعني أن الحساسيات والخلافات ستظهر في اللحظة الأولى لإعلانها، كما سيكون حياد المنظمة الشغيلة موضع اختبار وسيُعرف حينها مدى تقاطع مبادرته مع دعوات الجبهة الوطنية ومشروع سعيد من عدمه.

بالمحصلة، تعيش تونس أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة وغير مسبوقة زادها ارتباك وغموض الخطاب الرسمي منذ صعود قيس سعيد إلى مؤسسة الرئاسة وطأة، الأمر الذي ساهم في تعقيد الوضع وخلق مزيد من التوتر، وبالتالي فإن البلد الذي يُعاني من هشاشة الانتقال الديمقراطي، يحتاج حقيقة إلى حوار وطني شامل على قاعدة التعايش السلمي والهدنة المستدامة من أجل إعادة ترتيب الأولويات وتعديل البوصلة وإعادة دفة المركب السياسي خدمة لمتطلبات الثورة واستحقاقاتها المتمثلة في الكرامة والعدالة الاجتماعية، لكن الأهم من ذلك أن لا يكون الحوار جولة لمباراة دومينو جديدة غايتها الأساسية ترتيب مواقع الفائزين والخاسرين.