ولي العهد السعودي

وقّع عدد من المعارضين والنشطاء السعوديين بالخارج على وثيقة إصلاحية للأوضاع الحقوقية والسياسية في المملكة، تزامنًا مع انعقاد قمة مجموعة العشرين الافتراضية التي تستضيفها السعودية خلال اليوم والغد، بمشاركة عدد من قادة الدول والكيانات الاقتصادية.

الوثيقة سلمها عدد من المعارضين - نيابة عن النشطاء المؤيدين لها - لسفارات بلادهم في بعض الدول الغربية دون المغامرة بالدخول خشية ملاقاة مصير الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي الذي قتل داخل قنصلية بلاده في العاصمة التركية إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

المعارض السعودي عبد الله العودة، نشر عبر حسابه الرسمي على "تويتر"، صورًا وهو يحمل الوثيقة أمام مقر سفارة بلاده في واشنطن، وقال إنه سلمها من على الباب دون دخول مبنى السفارة، كذلك الناشط عبد العزيز المؤيد الذي سلم تلك الرؤية إلى سفارة المملكة في دبلن، عاصمة أيرلندا.

وتقدم هذه الوثيقة "رؤية شعبية أساسية للإصلاح في المملكة العربية السعودية، تتمركز حول حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية كأهم منطلقات الإصلاح. وبمناسبة تسلم المملكة العربية السعودية رئاسة مجموعة العشرين لعام 2020"، انطلاقًا من قاعدة "أنه لا يمكن تحقيق أهداف مجموعة العشرين الأساسية المتمثلة في استقرار الاقتصاد الكلي والتنمية المستدامة وتمكين المرأة وتنمية رأس المال البشري وازدهار التجارة والاستثمار، من دون المشاركة الحقيقية للمجتمع السعودي في كل محاور هذا العمل".

ليس هذا الحراك هو الأول من نوعه للمعارضة السعودية في الخارج، إذ سبقته خطوات أخرى عززت من تأثير وقوة مثل هذا الكيان الذي بدأ يقف على أرض صلبة خلال الآونة الأخيرة في ظل سياسة البطش والتنكيل التي يتبعها ولي العهد محمد بن سلمان، مع كل من يغرد خارج السرب.

ووقع على تلك الرؤية 19 ناشطًا وأكاديميًا ومفكرًا سعوديًا بارزًا، أبرزهم: هالة الدوسري وأميمة النجار وعبد الله العودة ويحيى عسيري وعبد الله الجريوي وعلياء الهذلول ولينا الهذلول وعلي عسيري ومضاوي الرشيد وعمر بن عبد العزيز الزهراني وصفاء الأحمد وسعيد الزهراني ومحمد العتيبي ورشا وهبي.

وتواجه المملكة منذ ولاية ابن سلمان موجات متتالية من الانتقادات والضغوط بسبب سجلها المشين في مجال حقوق الإنسان، سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي، إلا أن الدفع بهذه الوثيقة تزامنًا مع قمة العشرين يضع الرياض في موقف حرج للغاية لا سيما أن الشعارات التي ترفعها القمة لا تخرج كثيرًا عن المطالب المدرجة في الوثيقة، الأمر الذي يكشف ازدواجية السياسة السعودية وتناقضاتها.

13 مطلبًا حقوقيًا

الوثيقة تعتبر مبادرة من ناشطين وناشطات وأكاديميين وأكاديميات ومثقفين ومثقفات سعوديين وسعوديات، وقد بنيت على عددٍ من مطالبات الإصلاح المقدمة في السابق من رواد المجتمع المدني السعودي الذين تعرضوا بسبب نشاطهم للقمع والسجن والملاحقة من السلطات.

معدوها يعتبرون أنها "رؤية شعبية خالصة ومُستمدة من قيمنا كمدافعين ومدافعات عن حقوق الإنسان لإبراز مطالب المجتمع السعودي والدفع قُدُمًا بالمزيد من الحقوق والحريات"، مطالبين بالوفاء بوعود الإصلاح التي تضمنتها رؤية السعودية 2030 رغم ما عليها من تحفظات وعلامات استفهام.

واستعرضت الوثيقة 13 مطلبًا حقوقيًا يجب على النظام السعودي تحقيقهم من أجل الحصول على الشرعية السياسية على الصعيدين المحلي والدولي، أولها: الإفراج فورًا ومن دون قيد أو شرط عن جميع المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان وغيرهم من سجناء الرأي، وضمان عودتهم لحياتهم وأعمالهم الطبيعية من غير قيود بعد الإفراج عنهم.

حيث يرى الموقعون على الوثيقة أنه لا يجوز اعتبار نشطاء الرأي وحقوق الإنسان وأساتذة الجامعات والصحفيين ورجال الدين أعداء للوطن كما يروج البعض وتعزف لجان الذباب الإلكتروني ليل نهار، لافتين إلى أنه لا بد من إعادة النظر في توصيف هؤلاء كشركاء لبناء بلادهم وليس معاول هدم لها.

أما المطلب الثاني فهو "احترام الحق في حرية التعبير" الذي يعد ركيزةً أساسيةً لقدرة الفرد على تحقيق إمكاناته الكاملة، وتقييم الأداء الحكومي والمساعدة في صياغة السياسات والقوانين، حيث صعَّدت سلطات المملكة من قمعها للحق في حرية التعبير، بما في ذلك قمع أشكال التعبير عبر الإنترنت.

كذلك "احترام الحق في حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها وحرية التجمع السلمي" حتى يتسنى للمدافعين عن حقوق الإنسان تكوين جمعيات في المملكة، إذ لا يتماشى القانون الحاليّ - أي نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية - مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

تسعى تلك الرؤية الشعبية المنبثقة عن تجارب شخصية من الموقعين عليها إلى تحقيق عدد من الأهداف بالتزامن مع استضافة قمة العشرين وسط دعوات من منظمات حقوقية دولية وأعضاء بالكونغرس الأمريكي إلى مقاطعتها

ثم يأتي "حماية حقوق المرأة" كأحد أبرز المطالب المقدمة، فبينما خطت المملكة خطوات تنظيرية قانونية نحو الانتصار لحقوق المرأة من خلال بعض الإصلاحات الشكلية، إلا أنها في الجهة الأخرى تمارس سياسة البطش والتنكيل بالمدافعات عن حقوق المرأة، هذا بجانب استمرارية بعض القوانين التي تنتهك حقوق المرأة في الداخل التي يجب إعادة النظر فيها.

هذا بخلاف المطالب الأخرى وهي: ضمان حرية الاعتقاد ومكافحة التمييز الديني بكل أشكاله وضمان العدالة في القوانين والنظام العدلي وحلّ ملف الاعتقال التعسفي وإنهاء التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة التي تزري بالكرامة الإنسانية وإلغاء عقوبة الإعدام وضمان احترام حقوق العمال والعاملات الأجانب وحقوق "البدون" وضمان الحق في المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، وأخيرًا ضمان الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في التدخلات الخارجية.

3 أهداف

تسعى تلك الرؤية الشعبية المنبثقة عن تجارب شخصية من الموقعين عليها إلى تحقيق عدد من الأهداف بالتزامن مع استضافة قمة العشرين وسط دعوات من منظمات حقوقية دولية وأعضاء بالكونغرس الأمريكي إلى مقاطعتها، احتجاجًا على انتهاكات المملكة لحقوق الإنسان وحربها في اليمن.

وأول الأهداف التي يتطلع المعارضون لتحقيقها من خلال حراكهم هذا "تعزيز تطلعات الشعب بتحقق الحريات الأساسية وإضفاء الشرعية عليها، بما في ذلك القدرة على العيش بأمان"، إذ إن مسألة الحريات تعد الهدف والمحور الأساسي لأي تحرك معارض.

كما تسعى الرؤية المقدمة إلى استفادة السلطات السعودية منها "كمشروع حقيقي للإصلاح، لإشراك المجتمع الذي تدعي محاولة إشراكه عندما تدعو القوى الأجنبية للتعاون معها لإنشاء مجتمع مُصلح وشامل تدعي أنها تسعى وراءه عند محاولة إغراء القوى الغربية للقيام بأعمال تجارية في المملكة".

أما الهدف الثالث فيتمثل في الجهة المقدم لها تلك الرؤية، وهم صناع القرار في المملكة، بجانب مؤسسات المجتمع المدني في محاولة لمعرفة ما الذي يجب فعله وكيفية تقييم ادعاءات السلطات بنيتها للإصلاح، ومراقبة الخطوات العملية لتفعيل الشعارات المرفوعة بين الحين والآخر التي تناقض الواقع شكلًا ومضمونًا.

لا شك أن الوثيقة وما سبقها من تحركات أخرى نجحت في الكشف عن الوجه القبيح لولي العهد وسياساته الطائشة التي قزمت دور المملكة ووضعتها في مرمى الانتقادات الدولية

استمرار الحراك

الوثيقة المقدمة لسفارات السعودية بالعواصم الغربية رغم ما تحمله من كثير من الدلالات وما تبعثه من رسائل في هذا الوقت الحساس الذي تمر به المملكة، فإنها لم تكن التحرك الأول للكيان المعارض خارجيًا الذي يتسع حجمه شيئًا فشيئًا بفضل سياسات ولي العهد، حيث سبقتها خطوات وتحركات عملية كان لها تأثيرها القوي في الأوساط الحقوقية الدولية.

ففي سبتمبر الماضي أعلن المعارضون عن تدشين أول حزب سياسي معارض خارج المملكة، تحت اسم "التجمع الوطني" ليكون نواةً أوليةً لتأسيس مسار ديمقراطي لآلية الحكم في السعودية، يجنبها الانزلاق إلى مزيد من الاضطرابات العنيفة.

وقد سبق تلك الخطوة تدشين بعض الشخصيات السياسية والأكاديمية السعودية في الخارج، من بينهم أعضاء في أسرة آل سعود حركة معارضة في أوروبا، في مارس 2019، تهدف إلى تغيير نظام الحكم في المملكة، وذلك وفق ما نقلته صحيفة "ذا إندبندنت" البريطانية عن الأمير المنفي في ألمانيا خالد بن فرحان آل سعود، مؤسس تلك الحركة، بشأن رغبته في أن يرى ملكية دستورية في السعودية، من خلال انتخاب رئيس الحكومة وأن يتم اختيار الوزراء من الشعب.

كانت البداية الأولى لهذا الحراك في سبتمبر 2017 حين دشن معارضون سعوديون تجمعًا هو الأول من نوعه تحت اسم حركة "مواطنون بلا قيود"، وكان هدفه آنذاك لملمة شتات المعارضين لنظام آل سعود بالخارج، وعُقد أول مؤتمر لتلك الحركة في 29 من الشهر في العاصمة الأيرلندية دبلن، وشارك فيه عدد من البرلمانيين الأيرلنديين المدافعين عن الحريات، وكان ذلك ردًا على حملة الاعتقالات التي شهدتها السعودية خلال تلك الفترة ضد كل من يغرد خارج السرب سواء كان ذلك بالمعارضة أم الصمت عن التأييد.

لا شك أن الوثيقة وما سبقها من تحركات أخرى نجحت في الكشف عن الوجه القبيح لولي العهد وسياساته الطائشة التي قزمت دور المملكة ووضعتها في مرمى الانتقادات الدولية، لتسقط معها كل الادعاءات والشعارات التي روج لها الأمير وذبابه الإلكتروني واستقر في يقين الجميع أنها ضجيج بلا طحين، للاستهلاك المحلي فقط.