شكلت إيران العنوان الأبرز للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث شهدت ثلاثة تحولات رئيسية خلال هذه الفترة، تمثلت الأولى بالانسحاب من الاتفاق النووي، أما الثانية في بدء سياسة الضغط القصوى، والثالثة بمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وفي كل هذه التحولات كانت إدارة ترامب تطمح لإخضاع إيران بأي صورة، لكن على ما يبدو ما زالت إيران تمتلك الكثير من الصبر والوقت، لعدم الخضوع لإدارة ترامب في أيامه الأخيرة.

وعلى الرغم من سعي إدارة ترامب خلال الأيام المقبلة لفرض موجة جديدة من العقوبات التي تهدف إلى الضغط على إيران اقتصاديًا، لكن وبكل المقاييس، يبدو أن هذه الجهود متعثرة حتى الآن، فالناقلات النفطية الإيرانية التي وصلت إلى فنزويلا في الأسابيع الأخيرة هي جزء من أسطول سفن ينقل الآن بهدوء مليون برميل من النفط والغاز الإيراني يوميًا إلى العملاء المتحمسين من الشرق الأوسط إلى أمريكا الجنوبية إلى آسيا، بما في ذلك الصين، دون إجراءات إعاقية تذكر من الولايات المتحدة.

حيث إن الزيادة الحاليّة في صادرات النفط الإيرانية، تمثل زيادة بأكثر من عشرة أضعاف منذ أبريل الماضي، وتأتي هذه الزيادة لتؤشر بوضوح كبير لضعف سياسة الضغط القصوى التي فرضتها إدارة ترامب منذ انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني في 8 من مايو/أيار 2018، وما زاد من حدة الضعف هذه، هي ازدراء الكثير من الدول، بما فيها الصين، من نزعة ترامب الأحادية تجاه إيران، وحتى في الوقت الذي سعت فيه إدارة ترامب للحد من أنشطة إيران النووية، فإن الكثير من المصادر الاستخبارية تحدثت عن نجاح إيران في توسيع مخزونها من اليورانيوم المخصب خلال المرحلة الماضية.

لذلك، فمن المتوقع أن يواجه الرئيس المنتخب جو بايدن أزمة كبيرة في التعاطي مع الملف الإيراني مستقبلًا، خصوصًا أن المشكلة الكبيرة التي سيواجهها هي في كيفية إعادة ترميم العلاقة مع الحلفاء وتوحيد الجهود معهم ضد إيران من جديد، إذ أشرت النزعة الأحادية لسياسة ترامب حيال إيران، في ابتعاد أغلب الحلفاء عن الولايات المتحدة، ما يعطي مؤشرًا واضحًا على أن سياسات إدارة ترامب حيال إيران عزلت الولايات المتحدة، وليس إيران، والدليل بقاء النظام السياسي في إيران حتى اللحظة على قيد الحياة.

وفي ذات الوقت أيضًا، فإن إمكانية اتجاه إدارة بايدن لتقليل حدة العقوبات على إيران، قد يمنحها مزيدًا من الوقت للتعامل مع تحدياتها الاقتصادية الكبيرة، دون أن تخسر خطوة واحدة في برنامجها النووي، إذ أشار تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب قد تضخم إلى ما يقرب من 8000 رطل، أي أكثر من 12 ضعفًا من الحد الذي حدده الاتفاق النووي في 2 من أبريل/نيسان 2015، ويحاجج الإيرانيون في ذلك، بأن الولايات المتحدة هي من انسحبت من الاتفاق النووي وليس إيران، ومن ثم فإن إيران من حقها أن ترفع نسبة التخصيب في مفاعلاتها النووية.

شكلت العلاقة مع روسيا والصين خلال الفترة الماضية، المظلة الإستراتيجية التي تحركت من خلالها إيران لمواجهة الضغوط الأمريكية

فنزويلا والممر الإيراني الخفي

تخضع كل من إيران وفنزويلا لعقوبات اقتصادية أمريكية، إذ عملت إدارة ترامب على مصادرة بعض شحنات النفط الخاصة بالبلدين خلال الفترة الماضية، وحذرت الكثير من الدول من التعامل معهما، إلا أن إيران في المقابل وظفت هذه الضغوط، بالإطار الذي يخدمها سياسيًا واقتصاديًا، فإيران وفنزويلا شريكان تجاريان منذ فترة طويلة، إذ تعتمد فنزويلا، وهي نفسها منتج للنفط، على إيران في المنتجات النفطية المكررة مثل البنزين، وفي مقابل ذلك، تعتمد إيران على فنزويلا كقاعدة للانطلاق نحو دول أمريكا اللاتينية الأخرى، وتأسيس العديد من شبكات التجسس التي تعمل ضد الولايات المتحدة، فضلًا عن شبكات تجارة المخدرات وغسيل الأموال. 

ومع ذلك، على الرغم من أهمية حركة الناقلات النفطية بين إيران وفنزويلا، فهي جانب واحد من التجارة غير المشروعة التي نمت من حيث الحجم والتعقيد خلال العام الماضي، كما أنه من الصعب الحصول على أرقام موثوقة عن صناعة النفط الإيرانية، لكن العديد من المحللين المستقلين قدروا أن طهران صدرت في المتوسط ​​1.2 مليون برميل من النفط يوميًا في سبتمبر وأكتوبر الماضيين، وهذا أقل من نصف كمية النفط التي كانت طهران تبيعها عام 2018، لكنها أعلى بشكل كبير من 70 ألف برميل تم الإبلاغ عنها في أبريل/نيسان الماضي، عندما كانت إيران تتعامل في وقت واحد مع عقوبات إدارة ترامب ووباء فيروس كورونا المدمر.

روسيا والصين والعمق السياسي الإيراني

شكلت العلاقة مع روسيا والصين خلال الفترة الماضية، المظلة الإستراتيجية التي تحركت من خلالها إيران لمواجهة الضغوط الأمريكية خلال فترة إدارة ترامب، سواء على مستوى السياسة الأمريكية المباشرة أم على مستوى التفاعلات داخل مجلس الأمن الدولي، وهو ما برز واضحًا في الموقف الروسي والصيني الأخير حيال الوقوف بوجه الإجراءات الأمريكية الهادفة لتمديد حظر الأسلحة على إيران.

وفي مقابل ذلك قدمت إيران خدمات إستراتيجية لروسيا والصين، سواء في سوريا عبر خدمة الإستراتيجية العسكرية الروسية أم عبر تفعيل الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد مع الصين، ومن هذا المنطلق تنظر إيران إلى أن هذه العلاقة وفرت هامش مناورة سياسية لها حيال الولايات المتحدة، وهو ما قد يشهد مزيدًا من التوثيق والتشابك خلال الفترة المقبلة.

فعلى الرغم من إعلان إيران تحررها من حظر تصدير الأسلحة في 29 من أكتوبر/تشرين الأول 2020، الذي كان مفروضًا عليها بموجب الاتفاق النووي الموقع في 2 من أبريل/نيسان 2015، فإنها لن تجد سبيلًا لاستيراد الأسلحة من خارج المظلة الروسية والصينية، وذلك بفعل التشديد الأمريكي عليها، ومن هذا المنطلق ينظر المسؤولون الإيرانيون، وتحديدًا القادة في الحرس الثوري، أنه في مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ستكون خيارات إيران محدودة، إما الاعتماد على النفس وإما إقامة علاقة وثيقة مع روسيا والصين.

إن البيئة الخارجية التي أصبحت محيطة بالنظام الإيراني، أصابها الكثير من التغيير بفعل السياسات الأمريكية خلال الفترة الماضية

خشية إيران من تفعيل عملية السلام مع "إسرائيل"

تمحورت الرؤية الأمريكية خلال ولاية ترامب حول تغيير السلوك الإيراني في الشرق الأوسط، وفي هذا الإطار، شكلت عملية البدء في تفعيل عملية السلام العربي مع "إسرائيل"، مقدمة مهمة لتحشيد الجهود حيال سلوك إيران، فالنقطة المهمة في مسارات السلام العربي الإسرائيلي، هو جعلها الأساس لتطبيع العلاقات الأمنية مع "إسرائيل"، بالشكل الذي يحجم من تدخلات إيران في المنطقة العربية، ويقطع أوصال أحزمتها الجغرافية في الشرق الأوسط، فيما يعرف اليوم بالهلال الشيعي.

إن نجاح الولايات المتحدة في توسيع مسارات الضغط على إيران، قد تؤدي بالنهاية إلى تحييد إيران عن محيطها الإقليمي، خصوصًا إذا تمخضت اتفاقات السلام العربية مع "إسرائيل" عن دخول "إسرائيل" في شراكات أمنية موسعة مع دول الخليج العربية، ومن ثم اكتساب ميزة التقرب من الحدود الجغرافية لإيران، وهو ما يجعل الأمن القومي الإيراني خاضعًا للتهديد المباشر، وما يزيد من حدة الوضع بالنسبة لإيران، انضمام دول عربية أخرى لعملية السلام كالسودان، ما يجعلها تواجه موقفًا صعبًا في المستقبل.

إذ تتمثل الخشية الإيرانية في أن تؤدي اتفاقات السلام مع "إسرائيل" اليوم، إلى تحجيم تأثيرها على حركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة، واللتين تمثلان اليد الطولى لإيران حيال "إسرائيل" بعد تطبيع السودان، لما كان يمثله من ممر لنقل الأسلحة والدعم الإيراني لغزة، فضلًا عن الضغوط التي قد يتعرض لها حزب الله في لبنان، في حال تحولت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، نحو مفاوضات سلام أوسع، عندها ستكون إيران في وضع إقليمي حرج للغاية، وتحديدًا في حال دعم إدارة بايدن لعملية السلام العربي مع "إسرائيل".

إن البيئة الخارجية التي أصبحت محيطة بالنظام الإيراني، أصابها الكثير من التغيير بفعل السياسات الأمريكية خلال الفترة الماضية، كما أن هذا المحيط بدا اليوم غير مواتي في كثير من تحولاته الإستراتيجية للسياسة الإيرانية، وهي كلها حسابات ومقاربات سيأخذها صانع القرار الإيراني في الحسبان، في أثناء التعامل مع الإدارة الأمريكية المقبلة.