خلال زيارة محمد بن زايد لإثيوبيا

حين اندلعت المعارك والمواجهات المسلحة بين الجيش الإثيوبي و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في الإقليم، في 4 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ، استبشر المصريون خيرًا كون هذه الحرب ربما تقوض جهود أديس أبابا في استكمال مشروع بناء سد النهضة الذي يهدد أمن مصر المائي.

وبينما كان الشارع المصري يتابع عن كثب تفاصيل تلك المعركة والخسائر التي تتكبدها الحكومة الإثيوبية، كان السودان يستضيف مناورات عسكرية مشتركة مع الجيش المصري، وعلى رأس الرسائل التي حملتها ردع أديس أبابا بسبب تعنتها في مفاوضات السد التي تدخل عامها العاشر دون أي إنجاز ملموس في ظل اقتراب موعد بنائه ودخوله حيز التنفيذ بحسب التصريحات الإثيوبية.

وفي خضم الحرب المشتعلة في إثيوبيا والرسائل العسكرية المصرية من السودان، برزت على السطح اتهامات موجهة للإمارات بتقديم الدعم العسكري للحكومة الإثيوبية، واستخدام قاعدتها العسكرية في إريتريا المجاورة في ذلك الدعم، وفق ما جاء على لسان مصادر رسمية في الإقليم.

المتحدث باسم جبهة تحرير إقليم تيغراي، جيتاتشو رضا، قال في تصريح له منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، إن أبوظبي دعمت حكومة آبي أحمد بالطائرات المسيرة في حربها على الإقليم، مؤكدًا أن القاعدة الإماراتية العسكرية في عصب الإريترية كانت منصة إطلاق تلك الطائرات، وهو ما أدى في النهاية إلى تغليب كفة الجيش على حساب الجبهة الشعبية.

لم يكن هذا الدعم هو الأول من نوعه بالنسبة للإمارات تجاه الحكومة الإثيوبية، الذي انتقل من دعم اقتصادي بداية الأمر إلى سياسي مؤخرًا وصولًا إلى الدعم العسكري حاليًّا، الأمر الذي دفع خبراء مصريين للتساؤل عن سياسة أبو ظبي تجاه حليفتها القاهرة، ولماذا تخلى أبناء زايد عن نظام حليفهم المصري عبد الفتاح السيسي؟

تنسيق متكامل

في مارس 2019 ألمح رئيس الوزراء الإثيوبي إلى دعم دول شرق أوسطية لموقف بلاده من قضية مياه نهر النيل بعدما كانت تلك الدول داعمة لموقف القاهرة من ذات القضية، إلا أنه لم يكشف النقاب عن هوية تلك البلدان ولا مظاهر التغير في مواقفها.

غير أن الأيام التالية لتلك التصريحات حملت العديد من المؤشرات عن التقارب الملحوظ في العلاقات الإثيوبية الإماراتية التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، في إطار سياسة أبوظبي الجديدة لإعادة تموضعها في منطقة القرن الإفريقي الإستراتيجية، الأمر الذي دفع الكثيرين للحديث عن أن الإمارات هي المقصودة من حديث آبي أحمد.

وتحدثت العديد من وسائل الإعلام خلال الآونة الأخيرة عن تقديم الإمارات دعمًا سخيًا، ماديًا وعسكريًا، للحكومة الإثيوبية لمواجهة التحديات التي تواجهها، مكنها ذلك من تعزيز قدراتها التسليحية، حيث حصلت على منظومة "بانتسير إس 1" الروسية المتطورة للدفاع الجوي، التي من المتوقع استخدامها في حماية "سد النهضة" من أي تهديد خارجي، خاصة بعد تردد أنباء عن احتمالية لجوء القاهرة للخيار العسكري حال تعثر المفاوضات.

قدمت أبوظبي لأديس أبابا في 2018 مساعدات تصل لـ3 مليارات دولار، مليار دولار كوديعة في البنك المركزي الإثيوبي، وملياري دولار على هيئة استثمارات متنوعة

أبناء زايد استطاعوا خلال الآونة الأخيرة ضخ استثمارات هائلة في السوق الإثيوبية، كان لها الفضل في نجاح آبي أحمد في التصدي لحملات استهدافه سياسيًا بعدما تراجعت الأحوال المعيشية في البلاد، الأمر الذي صعد الاحتقان الشعبي ضده.

وتشير الإحصاءات إلى أن إجمالي عدد المشروعات الإماراتية في إثيوبيا تجاوز 92 مشروعًا منها 33 مشروعًا قائمًا، إلى جانب 23 مشروعًا قيد الإنشاء، فيما تتركز معظم تلك الاستثمارات في مجال الصناعة بإجمالي 37 مشروعًا، تليها الزراعة بـ21 مشروعًا، بخلاف العقارات والإنشاءات والتعدين، كما حصلت 36 شركة إماراتية على التراخيص اللازمة للعمل في البلد الإفريقي.

وبخلاف تلك المشروعات قدمت أبوظبي لأديس أبابا في 2018 (ذروة التوتر بين القاهرة وأديس أبابا) مساعدات تصل لـ3 مليارات دولار، مليار دولار كوديعة في البنك المركزي الإثيوبي، وملياري دولار على هيئة استثمارات متنوعة، وفق بيانات رسمية.

لغة المصالح تنتصر

تضع أبوظبي نصب أعينها في رسمها لخريطة توجهاتها الخارجية مصالحها العليا فوق أي اعتبارات أخرى، فالتقارب مع إثيوبيا يأتي في ظل التغيرات التي انتابت موازين القوى في إفريقيا، إذ بات لبعض الدول ثقل وحضور سياسي ونفوذ قاري سحب البساط من تحت كيانات أخرى.

بزوغ نجم أديس أبابا كإحدى القوى المؤثرة في القارة، سواء على المستوى السياسي كونها العاصمة التي تحتضن مقر الاتحاد الإفريقي، فضلًا عن علاقاتها الجيدة مع القوى القارية ذات الثقل الكبير، أم على المستوى الإستراتيجي لما تتمتع به من موقع جغرافي متميز في منطقة طالما أسالت لعاب الإماراتيين، كان دافعًا قويًا لأبناء زايد لإسراع خطى التقارب معهم بعيدًا عن أي حسابات أخرى.

تجد أبوظبي في علاقاتها القوية مع أديس أبابا فرصة لتعزيز دورها في القرن الإفريقي، بوابتها الرئيسية للسيطرة على طرق الملاحة في مضيق باب المندب القريب من ميناء عصب الإريتري، وبعيدًا عن مبرراتها في تعزيز هذا النفوذ، فإن أجندتها التوسعية تتجاوز تلك الشعارات.

أبعاد الدور الإماراتي المثير للريبة في القرن الإفريقي ينطلق في الأساس من رغبة أبناء زايد في توسيع نفوذهم السياسي في تلك المنطقة الحساسة للأمن الخليجي والمطلة على ممر مائي حيوي (البحر الأحمر) للتجارة العالمية، بجانب المكاسب الاقتصادية المتعلقة بما سُمي بالاقتصاد الأزرق (البيئة البحرية)، والسيطرة من خلال شركة موانئ دبي على إدارة الموانئ في القرن الإفريقي وخليج عدن.

الحضور التركي والقطري القوي في إفريقيا كان عاملًا بارزًا في إسراع مخطط الإمارات لتعزيز النفوذ في هذه المنطقة الإستراتيجية، هذا بخلاف تقاطع المساعي الإماراتية مع إستراتيجية إدارة دونالد ترامب تجاه القارة في وقف التمدد الصيني والروسي إفريقيًا، حيث تحولت أبوظبي إلى أحد أدوات ترامب لتعزيز المصالح الأمريكية في القارة الإفريقية.

تواصل أبو ظبي سياستها التقليدية في تعزيز نفوذها ولو على حساب حلفائها وجيرانها ومرتكزاتها الوطنية التاريخية

تخلٍ عن الحلفاء

ميكافيللية أبوظبي وتغليبها لمصالحها الخاصة على حساب المصالح بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى وضعتها في موقف حرج أمام حلفائها في المنطقة، فالانخراط في وحل الحرب الأهلية في إثيوبيا وتدخلها المباشر عبر دعم الحكومة ضد الجبهة الشعبية لتحرير الإقليم يضعف بالطبع موقف القاهرة الذي تراقب عن كثب تداعيات تلك الحرب التي ربما تطيح بحكومة آبي أحمد وتأتي بأخرى أكثر مرونة في التعاطي مع ملف السد.

وكثيرًا ما كان يتساءل الشارع المصري عن عدم استخدام الإمارات لنفوذها وعلاقاتها القوية بنظام آبي أحمد في الضغط عليه لأجل تحسين موقف القاهرة في مسار المفاوضات، لكن الأمور تكشفت شيئًا فشيئًا عن رغبة إماراتية في تجنب الدخول في هذا المعترك، كونها تريد مسك العصا من المنتصف، محافظة على علاقات جيدة مع الخصمين، القاهرة وأديس أبابا، بما يحقق مصالحها في الشرق الأوسط وعمق القارة الإفريقية على حد سواء.

التأثير السلبي للدعم العسكري الإماراتي لإثيوبيا لا ينحصر على الحليف المصري فقط، فهناك السعودية كذلك التي رعت اتفاق السلام الموقع بين أسمرا وأديس أبابا عام 2018 بجدة، الذي بات مهددًا حال استمرار الوضع على ما هو عليه، ما يهدد التجربة الفيدرالية التي نجحت الرياض في لعب دور الوساطة بها، ما ينعكس سلبًا على الحضور السعودي في تلك المنطقة.

وهكذا تواصل أبوظبي سياستها التقليدية في تعزيز نفوذها ولو على حساب حلفائها وجيرانها ومرتكزاتها الوطنية التاريخية، إذ بات من الواضح أن النفوذ السياسي الذي راكمته بشق الأنفس في إثيوبيا، بعد وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء، لن تضحي به بسهولة حتى لو كان ذلك على حساب القاهرة على وجه التحديد.