في وقت يخوض فيه الديمقراطيون في مجلس النواب مواجهة مع رئيسة إدارة الخدمات العامة إميلي مورفي بشأن موعد إطلاع المشرعين على المعلومات الأساسية بشأن الوكالات والأموال الفيدرالية لتسهيل الانتقال الرئاسي المتأخر، وتوجيه ترامب ببدء "البروتوكول الأولي" في عملية الانتقال، كشف الرئيس الأمريكي جو بايدن النقاب عن قائمة الأسماء المختارة من كبار السياسة الخارجية والأمن القومي، بمن فيهم أول امرأة تقود الاستخبارات الأمريكية، وأول مهاجر لاتيني يتولى إدارة وزارة الأمن الداخلي.

وزارة الخارجية

الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن كلف رسميًا أنتوني بلينكن بتولي حقيبة وزارة الخارجية، في قرار سيشكل عودة إلى نهج العمل متعدد الأطراف خلافًا لسياسة سلفه دونالد ترامب الذي يبدو أنه أقر بهزيمته ووافق على بدء الانتقال الرسمي للسلطة إلى الرئيس المنتخب جو بايدن بالقول: "الوكالة الفيدرالية التي تشرف على التسليم يجب أن تفعل ما يجب القيام به"، حتى عندما تعهد بمواصلة الطعن في هزيمته بالانتخابات الرئاسية التي أجريت في الثالث من الشهر الحاليّ.

بلينكن (58 عامًا) هو أحد مستشاري بايدن الرئيسيين في مجال السياسة الخارجية، وكان المسؤول الثاني في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما عندما كان بايدن يشغل في ذلك الوقت منصب نائب الرئيس، كما شغل منصب مساعد مستشار الأمن القومي لأوباما، وشغل بعدها منصب المساعد الأول لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري.

وحسب مصادر أمريكية، شغل بلينكن في التسعينيات عدة مناصب رفيعة المستوى في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، وكذلك في عهد جورج بوش الابن، وفي 2002 عمل في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، واستمر فيها حتى 2008، وبعد ذلك كان ضمن الفريق الانتقالي للرئيس باراك أوباما، ونائبه بايدن في وقتها.

ويتحدث بلينكن الفرنسية بطلاقة، وهو محاور لبق ومن مؤيدي أوروبا وقد ارتاد مدرسة في باريس، حيث كان زوج والدته يمارس مهنة المحاماة.

وجود بلينكن الذي سيتطلب تعيينه موافقة مجلس الشيوخ، قد يساهم في طمأنة حلفاء الولايات المتحدة الذين تعرضوا للتهميش في ظل حكم ترامب، لذلك يبدو أن مهمته الأساسية تتمثل في إذابة جليد العلاقات وقيادة عملية متسارعة الوتيرة لاستبدال النهج السياسي الذي اعتمده ترامب الرافع شعار "أمريكا أولًا"، وسيبدأ مسار إعادة البلاد إلى اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية وإنعاش الاتفاق النووي المبرم مع إيران.

لاتيني يتولى الأمن

بايدن عين أيضًا جيك سوليفان (من مواليد مينيسوتا) أحد أقرب معاونيه مستشارًا للأمن القومي، وخدم سوليفان في أعلى المستويات بمؤسسة السياسة الديمقراطية، كان يعمل في السابق لدى هيلاري كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية ثم مستشارًا للسياسة الخارجية في حملتها الرئاسية لعام 2016، ثم انتقل إلى البيت الأبيض للعمل مع الرئيس باراك أوباما.

جيك سوليفان الذي اختاره بايدن مستشارًا للأمن القومي، ترك بصمة أكبر على السياسة الداخلية خلال الحملة الانتخابية مما ساعده على تصور خطة "إعادة البناء بشكل أفضل" التي كانت شعارًا أساسيًا لرسالته الاقتصادية.

كما اختار الرئيس المنتخب أليخاندرو كايوركاس وزيرًا للأمن الداخلي، وهو أول أمريكي مهاجر من أصول لاتينية (إسباني) وُلد في كوبا ووصل وهو طفل إلى الولايات المتحدة، شغل منصب المسؤول الثاني في وزارة الأمن الداخلي خلال الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما، عندما كان مهندسًا رئيسيًا لبرنامج تأجيل العمل للقادمين إلى الطفولة (DACA) الذي يحمي مئات آلاف المهاجرين الشباب من الترحيل المحتمل.

خلال فترة ولاية أوباما الأولى، كان مايوركاس (60 عامًا) مسؤولًا عن خدمات الجنسية والهجرة الأمريكية وهو المسؤول عن إدارة نظام الهجرة القانوني في البلاد، عرف بحنكته وبحسن إدارته، حيث أشاد المسؤولون الحاليّون والسابقون في وزارة الأمن الداخلي الذين عملوا معه بصفته أحد المحاربين القدامى في الوزارة وعلى دراية بخباياها.

عانت وزارة الأمن الداخلي في عهد ترامب من اضطرابات غير مسبوقة، حيث تداول عليها 5 شخصيات بينهم كيفن مكالينان وكيرستن نيلسن، كما عرفت هزات عدة بفعل الاستقالات وحالة الشغور على مستوى المناصب العليا، لذلك من المتوقع أن تحاول إدارة بايدن تحقيق الاستقرار في الإدارة من خلال توسيع تركيزها إلى خارج دائرة الهجرة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والتهديدات الإلكترونية والاستجابة للوباء.

كونداليزا جديدة

بترشيحه لليندا توماس جرينفيلد كسفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، يمنح بايدن ضابطة سابقة في الخدمة الخارجية وامرأة أمريكية من أصل إفريقي واحدًا من أبرز المناصب الدبلوماسية في الحكومة، وتولت جرينفيلد المعروفة اختصارًا بـ(LTG) سابقًا منصب مساعدة في وزارة الخارجية لشؤون إفريقيا في عهد أوباما أين قادت السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء خلال أحداث عصيبة، مثل تفشي فيروس إيبولا على نطاق واسع في غرب إفريقيا.

السفيرة الجديدة بالأمم المتحدة تمتلك خبرة 35 عامًا من العمل في السلك الدبلوماسي، تقاعدت في 2017 لتنضم إلى شركة Albright Stonebridge الاستشارية كمستشارة أولى تحت قيادة وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت.

توماس جرينفيلد هي أيضًا قائد فريق مراجعة وكالة بايدن في وزارة الخارجية، وهي مجموعة من المستشارين الموثوق بهم الذين يستعدون لإعادة تنظيم الوزارة لإدارة بايدن، قادت جهود تعزيز التنوع في القسم إضافة إلى التغييرات الأخرى التي طال انتظارها.

كيري.. المحارب القديم

وفي مؤشر إلى وفائه بوعد أطلقه خلال الحملة الانتخابية بتسليط الضوء على مخاطر الاحترار العالمي، اختار بايدن وزير الخارجية الأسبق جون كيري موفدًا رئاسيًا خاصًا لشؤون المناخ، كما يكشف اعتماد الرئيس المنتخب على دبلوماسي متمرس ومعروف لدى العديد من قادة العالم، خطته لإعادة دور بلاده في خريطة الفعل السياسي الدولي إضافة إلى تغير الموقف الأمريكي من اتفاقية باريس.

جون كيري هو الذي وقع بنفسه نيابة عن الولايات المتحدة، اتفاقية المناخ التي تم التفاوض عليها في ديسمبر 2015، بصفته كبير الدبلوماسيين لدى باراك أوباما، وهي إحدى الاتفاقيات إلى جانب الاتفاق النووي الإيراني، التي تفاوض بشأنها شخصيًا ثم مزقت ورقاتها على يد دونالد ترامب.

عرف عن كيري أيضًا قيامه بمهام دبلوماسية معقدة بالإضافة إلى المناخ وإيران، فقد تفاوض الأخير مع روسيا بشأن الأسلحة الكيماوية في سوريا، وأرسله باراك أوباما إلى إسلام أباد عام 2011 لمحاولة استرضاء الحليف الباكستاني الغاضب من عدم إبلاغه بالغارة على أسامة بن لادن.

امرأة للاستخبارات

ضمن الفريق الذي أعلن بايدن تعيينه، أسند إدارة الاستخبارات الوطنية لامرأة وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد، ومن المنتظر أن تتولى أفريل هاينز، 51 عامًا، رئاسة الجهاز الذي يتولى التنسيق بين مختلف الوكالات الفدرالية في هذا المجال.

هاينز شغلت منصب نائب كبير المستشارين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ من 2007 إلى 2008، عندما كان بايدن رئيسًا، ثم انضمت إلى وزارة الخارجية كمستشارة قانونية عام 2008، وفي عام 2010 أصبحت نائبة مساعد الرئيس ونائبة مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي في البيت الأبيض.

كما شغلت منصب نائب مدير وكالة المخابرات المركزية من 2013 إلى 2014، وكانت أول امرأة تشغل هذا المنصب، عادت بعدها إلى البيت الأبيض عام 2014 لتصبح نائبة مستشار الأمن القومي.

امرأة للخزانة

ومن المرجح أيضًا أن يُعين الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن الرئيسة السابقة للاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين وزيرة للخزانة، وفق ما أفاد مصدر قريب من فريقه لوسائل إعلام أمريكية.

ويلين التي كانت أول امرأة تتولى رئاسة البنك المركزي الأمريكي بين 2014 و2018 هي أيضًا خبيرة اقتصادية مرموقة، وفي حال صادق مجلس الشيوخ على تعيينها خلفًا لستيفن منوتشن ستصبح أول امرأة في تاريخ الولايات المتحدة تتولى وزارة الخزانة وهو منصب لا يقل أهمية عن وزارة الخارجية.

مرشحة بايدن للخزانة الأمريكية تخرجت في جامعتي براون وييل، اضطرت في مطلع 2018 لمغادرة منصبها على رأس الاحتياطي الفيدرالي بعدما رفض الرئيس الجمهوري دونالد ترامب تمديد ولايتها وعين جيروم باول خلفًا لها، تميزت ولايتها على رأس البنك المركزي التي استمرت أربع سنوات بتحسن سوق العمل وانخفاض أسعار الفائدة إلى مستويات تاريخية.

من جهة أخرى، عين الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، سيدتين في فريق الشؤون التشريعية في البيت الأبيض، هما ريما دودين، من أصول أردنية فلسطينية، وشوانزا غولف، ستشغلان منصبي نائب رئيس الشؤون التشريعية، وبذلك يكون قد بدأ بتنفيذ وعوده بتشكيل إدارة تعبر عن تنوع المجتمع الأمريكي.

وتعمل دودين نائبًا لرئيس الأركان ومديرة طابق لدى السيناتور دك دوربن، كما أنها متطوعة في الفريق الانتقالي لحملة بايدن وهاريس، وفقًا للبيان الإعلامي الصادر عن الهيئة الانتقالية، فيما تمتلك غولف خبرة في "كابيتول هيل" بعد أن عملت مديرة طابق في مجلس النواب تحت قيادة زعيم الأغلبية ستيني هوير، وقد كانت أول امرأة من أصل إفريقي تشغل هذا المنصب.

وستعمل السيدتان تحت قيادة رئيسة الشؤون التشريعية في البيت الأبيض، لويسا تاريل، التي أُعلن تعيينها في هذا المنصب الأسبوع الماضي.

قراءة في التعيينات

يُمكن القول إن اعتماد بايدن على سياسيين متمرسين لهم دراية وخبرة سواء داخليًا في الإدارة أم خارجيًا على مستوى العلاقات الدولية، قد يعكس النهج الذي اختاره وهو في الحقيقة قد يأتي مغايرًا للنهج الذي اعتمده ترامب الذي اختار غالبًا شخصيات غير متمرسة في السياسة تبين لاحقًا أنها غير مناسبة للمنصب وخرجت فجائيًا أو أقيلت بعد عجزها عن الإدارة.

فاختيار بلينكن في منصب المسؤول الأول عن السياسة الخارجية يعود بالأساس إلى رغبة بايدن في وضع مسؤولين راكموا خبرات طويلة في المناصب الحساسة بإدارته، من أجل استعادة سياسة خارجية تمنح الأولوية لإقامة الشراكات والتعاون وتضمن انخراطًا لواشنطن في المتغيرات الجيوإستراتيجية الجديدة، وهو ما يتناقض مع سياسة ترامب وشعارها "أمريكا أولًا".

من المنتظر أن يقود بلينكن جهود واشنطن للعودة إلى الساحة العالمية من خلال إحياء اتفاقات دولية مهمة، مثل اتفاق باريس للمناخ والعودة لرحاب منظمة الصحة العالمية وإحياء الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه ترامب، ومن المرجح كذلك أن يسهر على اتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه الصين.

بالمحصلة، فإن اختيار الرئيس الأمريكي جو بايدن وجوهًا قديمةً برزت في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما وإعادتها إلى الواجهة من جديد، يوحي بأنه سيسير على نهج رئيسه السابق وبعكس سلفه ترامب صاحب شعار "أمريكا أولًا"، كما تحمل التعيينات رسائل أهمها أن بلاده ستعود إلى الساحة الدولية للعب دورها التقليدي من خلال وجود أشخاص ذوي كفاءة خاصة في العلاقات الدولية.