يشعر كل متابع لما يحدث في فرنسا، أن هناك حربًا على الإسلام، حيث يوجد تطرف مؤسسي من الدولة ضد المسلمين ودينهم، وإلا ما سر التشدد ضد الإسلام وأتباعه بحجة العلمانية اللائكية، ودعم الرئاسة للرسوم المسيئة للنبي محمد وإعادة نشرها على جدران أهم المباني الحكومية.

حتى نستطيع الإجابة عن التساؤلات الحائرة للمسلمين، يجب القول إن اللائكية هي بالفعل أشرس نماذج العلمانية في العالم كله وليس في أوروبا فقط، فهي التي تجعل الفوبيا الفرنسية من الإسلام والمسلمين تتصاعد بشكل غير مسبوق، بما يعيد هذه البلاد إلى محاكم تفتيش القرون الوسطى، سيرتها الأولى من المظالم والتوحش ضد الأديان وأهلها، وهي حقيقة يوثقها التاريخ ويعيد الواقع إنتاجها بين وقت وآخر. 

العلمانية الفرنسية.. ما هي؟

العلمانية الفرنسية هي مبدأ دستوري يفصل السلطة السياسية عن المنظمات الدينية، ظاهريًا يؤكد على احترام حرية العبادة بشرط احترام النظام العام، كما ينشد المساوة التامة بين الجميع تمهيدًا للوصول إلى حرية الضمير، ولهذا لا تعترف الدولة رسميًا بأي دين بالأساس.

واللائكية كمصطلح مشتق من اللفظ اللاتيني "laicus" وهو مأخوذ من اللفظ اليوناني "laos" والاستعمال اللاتيني لهذا اللفظ لا يدل على إيمان الشعب بأكمله، وإنما مجموعة بعينها تقف على الجبهة الأخرى من الكهنة أو رجال الدين.

ظهر المصطلح لأول مرة في أوروبا بنهاية القرن الأول الميلادي وأعيد استخدامه في القرون الوسطى بعد أن أضفت الكنيسة على نفسها صبغة القداسة، ولهذا كان هناك حاجة لتمييز العوام من الشعب عن رجال الدين. 

يمكن القول إن الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789، وضعت حدًا لما سُمى بالحق الإلهي، وجعل فرنسا تتمرد على تاريخ طويل كان الغرب يعتبرها الابنة الكبرى للكنيسة، حيث كانت دولة دينية بامتياز، فالكاثوليكية الدين الرسمي والوحيد الذي يضفي الشرعية على الملكية المطلقة للحق الإلهي. 

بداية ضرب سلطة الكنيسة بدأ مع تولي نابليون بونابرت الحكم، وأسس عام 1802 نظامًا عرف باسم الطوائف المعترف بها، حاول من خلاله قبول التعددية الدينية على المستوى النظري، لكن عمليًا سمى هذا القانون الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية والإسرائيلية مؤسسات عامة، ما وضعها تحت سيطرة الدولة.

لكن هذا النظام لم يخف محاولته السيطرة على الدين، فاندلع الصراع من جديد بين الكنيسة الكاثوليكية والجمهورية الصاعدة، واستمر طيلة قرن كامل إلى أن وضُع حد له عام 1905 بموجب قانون فصل الكنائس عن الدولة. 

الصراع التاريخي مع الكنيسة وخبرة فرنسا في تحجيم رجال الدين، جعل باريس تزعم أنها صاحبة حق الامتياز في الحماية التاريخية لحقوق الإنسان في العالم

دخلت البلاد مرحلة جديدة، أُقر فيها دستور مدني ينهي الصراع مع الكنيسة بقسوة مطلقة، حيث جرى تأميم كل ممتلكاتها، وساوت الدولة - رغمًا عن الكنيسة الأم - بين كل المذاهب والأديان، ووضعت حدًا لما كان يسمى بالطوائف المعترف بها.

أسس القانون الجديد الذي عرف أيضًا باسم "قانون تقنين العلمانية" ثوابت القيم الجمهورية لوضع الدين تحت وصاية القيم بدلًا من الدولة، تبع ذلك عملية تفكيك للدين كمؤسسة وتغييب شرعيته الاجتماعية وتعاليمه الأخلاقية بعدما أصبح كل فرد حرًا في اختياره.  

في نقد العلمانية الفرنسية

الصراع التاريخي مع الكنيسة وخبرة فرنسا في تحجيم رجال الدين، جعل باريس تزعم أنها صاحبة حق الامتياز في الحماية التاريخية لحقوق الإنسان في العالم وليس على أرضها فقط، ما يدفعها للتشدد في رفض أي مظهر ديني لأي سبب كان.

ما تروجه العلمانية الفرنسية لا يدعمه التاريخ، ولا حتى أقرب الحلفاء لها في أوروبا الغربية الذين يتهمون فرنسا بالتعصب الديني الذي لا يمكن التوفيق بينه وبين احترام حقوق الإنسان، لا سيما أن العلمانية اللائكية ارتكبت الكثير من الجرائم الموثقة في الضمير العالمي بحق رجال الدين، بداية من تحريم العبادة المسيحية عام 1793، وإعلان الكهنة غير صالحين لأي خدمة مدنية عامة وإغلاق الكنائس والكنيسات اليهودية معها وتحويلها إلى معابد للعقل. 

كما يثبت التاريخ في حق فرنسا اضطهادها للدين باعتقال آلاف الكهنة باسم الثورة وإجبارهم على الفرار إلى المزارع والقلاع والريف والجبال والكهوف والغابات، وبعضهم تحت الضغط والترهيب قبل النفي إلى إنجلترا وإسبانيا وسويسرا وإيطاليا، والبعض الآخر رفض فحكم عليه بالإعدام ونُفذت فيهم الأحكام، وسجن البعض الآخر، لكن في مراحل لاحقة أقيم لهم نصب تذكاري يعرف حتى الآن باسم كهنة الترحيل.  

صورة

هذا التاريخ الدموي للصراع في فرنسا مع الدين ورجاله وانعاكساته على الفلسفة السياسية والاجتماعية، جعل البعض يعتبرها أحد أهم نماذج العداء المؤسسي للحريات الدينية، بعد أن أسست دينًا مدنيًا يحارب كل من يتمسك بالروحانيات، ما أعطى للبلاد سمعة كبريتية في عدم التسامح. 

إشكالية الإسلام

عرف الفرنسيون الإسلام جيدًا منذ غزو الإمبراطورية البيزنطية وتوسع الخلافة الإسلامية في معظم بلدان العالم، لكن بداية تاريخ الإسلام الحقيقي في فرنسا كانت عام 704، وتحديدًا عندما غزا العرب جزيرة كورسيكا التي تقع في جنوب شرق فرنسا الآن ونجاحهم في فتحها، قبل أن تنضم الجزيرة رسميًا إلى الحدود الفرنسية عام 1770، أي بعد 1000 عام من وجود العرب بها. 

تزايدت موجات الهجرة الإسلامية إلى فرنسا في عشرينيات القرن الماضي، وتشكلت الجاليات الأولى للمهاجرين من الجزائر والمغرب وتونس ثم دول جنوب الصحراء الكبرى وتركيا وتمركزوا بنسبة قليلة في المدن الكبيرة وبنسبة أكبر في المناطق الريفية في المرتفعات والوديان. 

ارتفعت وتيرة الهجرة في الستينيات، وزاد معها عدد السكان المسلمين، وفي غياب التعدادات الرسمية للدين، يصعب تحديد عدد أبناء الإسلام في فرنسا، لكن تشير أحدث التقديرات وفقًا لمركز بيو للأبحاث عام 2017 إلى أن أعداد المسلمين تصل إلى نحو 5.7 مليون أو 8.8% من السكان، ولهذا فالإسلام هو الديانة الثانية في البلاد. 

يتنبأ نفس المركز بتزايد عدد المسلمين في فرنسا بحدود عام 2050 إلى نحو 18% من إجمالي عدد السكان، وربما هذا التزايد المستمر هو الذي يطرح إشكالية مواجهة العلمانية الفرنسية للأقلية المسلمة المتنامية التي تملك قناعات مختلفة، وتريد دفع البلاد لتغيير أسس العلمانية، من نموذج يحارب أي وجود للدين في المجال العام إلى تصور آخر يحمي الضمير الفردي لكن يسمح بهامش من الحضور في المجال العام، وهو ما يتم مقاومته حتى الآن.

تحارب فرنسا بقوة أي وجود للمظاهر الإسلامية على نحو يهدد البناء التاريخي على أسس غير دينية، كما تتخوف من فتح المجال العام للإسلام، وتطلق وسائل إعلامها لتحريض النشء على معاداة الدين الصاعد بقوة، حتى رسخت فكرة عدائية له بالفعل، ما انعكس على الشباب الإسلامي في فرنسا. 

تكشف استطلاعات الرأي أن 45% من المسلمين الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا، يعتبرون الإسلام لا يتوافق مع قيم المجتمع الفرنسي، مع أن أعداد المسلمين آخذه في الارتفاع. 

صورة

جينات القمع 

هذه الفوبيا أعادت جينات القمع لفرنسا التي تحولت تدريجيًا إلى بيئة رقابة وقيود على الحريات الأساسية للجميع وليس المسلمون وحدهم، ولم يعد يمر يومًا واحدًا، دون اشتعال حفلات الكراهية في الإعلام وعلى السوشيال ميديا بشأن ارتداء الحجاب أو ممارسات شعائر الإسلام بشكل علني، ما أدى إلى تصاعد هجمات الكراهية ضد المسلمين بنسبة 54% في عام 2019. 

 

اشتعلت الروح العدائية في كل ربوع فرنسا ضد الإسلام، وانعكس ذلك مباشرة على التراجع المهين للبلاد في مجال حقوق الإنسان وخاصة الحريات الدينية، إذ تؤدي هذه السياسة المتطرفة إلى تعريض مستقبل ملايين المسلمين في فرنسا للخطر، لا سيما الذين يصرون على التقيد بتعاليم دينهم ووصاياه. 

أصبح يمثل حماية الدولة ومؤسساتها للحق في التجديف ـ الإساءة للأديان ـ عقبة أمام الاندماج الذي ينادون به، وكلما تصاعد رد فعل المسلمين نصرة لدينهم، يتزايد في المقابل تعرض الإسلام ونبيه والقرآن لإهانة شديدة.

الإصرار على المواجهة

خلال الآونة الأخيرة، زادت الأغلبية اليمينية في مجلس الشيوخ الفرنسي، وهؤلاء وضعوا الإسلام أول أهدافهم، بطرح مشروع قانون دستوري يهدف إلى ضمان تفوق قوانين الجمهورية في مواجهة الأصل العرقي أو الدين.

بموجب القانون الجديد، لا يمكن لأي فرد أو أي مجموعة التحجج بالأصل العرقي أو الدين للإعفاء من احترام القواعد العامة، حيث تطالب المادة الثانية تحديدًا الأحزاب والجماعات السياسية باحترام "العلمانية". 

ومع أن الترويج اليميني للقانون ينصب على مواجهة تيارات الإسلام السياسي، إلا أن بنود القانون فضفاضة ولا يمكن تطبيقها على مسلم دون الآخر، لا سيما أنه سيواجه الحجاب العادي بشكل رسمي وسيحظره تمامًا من الظهور في المجال العام، فضلًا عن إلزام المسلمين بتناول لحم الخنزير في المدارس وعدم ارتداء البوركيني على المسابح والشواطئ. 

يناظر شباب المسلمين الجميع بتجويد وتنظير فلسفي يعلو على من يريد محاصرتهم، فالإسلام لا يمنعهم أبدًا من التلاقي مع أي أفكار أخرى

الهوس الديني لفرنسا قادها إلى هوس من نوع آخر، وهو حكر الحديث في السياسة للمهاجرين على فرنسا ومصالحها، فأي آراء سياسية ولو على حسابات السوشيال ميديا يبديها أي شخص تكون مؤيدة لبلده الأصلي، سيعني ذلك فورًا تقييد حقه في الحصول على الجنسية الفرنسية.

يعتبر أصحاب هذه النظرة أن الحديث في شؤون البلد الأصلي، يبرهن على عدم ولائه لبلده الجديد، وكأن المطلوب انسلاخه تمامًا وإعادة هندسة ذاكرته ونسيان كل شيء حدث له في الماضي وتأميم مشاعره الإنسانية، ويصبح السؤال: كيف يمكن أن يكون مثل هذا الوضع ممكنًا في ديمقراطية تروج فرنسا أنها نموذج يحتذى به للعالم كله؟!

موقف المسلمين

حتى الآن لا يزال المسلمون الفرنسيون أو الذين لم يحصلوا على الجنسية بعد، الأكثر تحفظًا على العلمانية في البلاد حتى من الكاثوليك المسيحيين الذين لا يشعرون بارتياح أيضًا مع التضييق على حريتهم الدينية. 

تشير استطلاعات الرأي إلى أن التطرف الفرنسي يزيد المسلمين قوةً في المطالبة بفتح المجال العام وخاصة الشباب صغير السن من 15 إلى 24 عامًا وهؤلاء ولدوا وسط أحضان اللائكية، لكنهم أذهلوا الجميع بالإجابة عن أسئلة هدفت لمعرفة حدود استجابتهم للإجراءات الجديدة لإعادة التذكير بالقيم العلمانية، وأكدوا أن تعاليم الشريعة الإسلامية أهم بالنسبة لهم من قيم الجمهورية.

يناظر شباب المسلمين الجميع بتجويد وتنظير فلسفي يعلو على من يريد محاصرتهم، فالإسلام لا يمنعهم أبدًا من التلاقي مع أي أفكار أخرى، ولهذا أكدوا لكل متطرف يريد حبسهم داخل حدود دينه المدني ـ العلمانية ـ أن قيم الجمهورية الحقيقية هي التي تضمن حريتهم لا سيما حرية العبادة وليس العكس، وبالتالي الدعوة إلى الاستنارة يجب أن تكون موجهة أولًا لمن يفرض القيود وليس من ستفرض عليه.