الفنان المصري محمد رمضان رفقة الإسرائيلي عومير آدام

أثارت صور ظهر فيها الفنان المصري محمد رمضان، الذي يلقب نفسه بـ"نبمر ون" (رقم واحد) إلى جوار عدد من الفنانيين والرياضيين الإسرائيليين خلال حفل خاص في دبي حالة من الجدل واسع النطاق، داخل مصر وخارجها، وسط غضب شعبي كبير ضد الفنان الذي فقد كثيرًا من جماهيريته بعد ساعات قليلة من نشر تلك الصور.

البداية كانت في 21 من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حين نشر المطبع الإماراتي المعروف "حمد المزروعي" صورة على حسابه على "تويتر" ظهر فيها رمضان واضعًا ذراعه حول عنق الفنان الإسرائيلي عومير آدام مع ابتسامة تعلو وجوه الثلاثة، مرفقة بتعليق نصه "أشهر فنان في مصر مع أشهر فنان في إسرائيل، دبي تجمعنا"، كان ذلك ضمن احتفال تطبيعي بأحد فنادق دبي، يندرج تحت مظاهر الاحتفال بتوقيع اتفاق السلام بين الإمارات و"إسرائيل" الموقع منتصف سبتمبر/أيلول الماضي في العاصمة الأمريكية واشنطن.

الصورة أحدثت ضجة كبيرة على منصات السوشيال ميديا ما دفع المزروعي لحذفها، غير أن الصفحة الرسمية باللغة العربية لحكومة الاحتلال الإسرائيلية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أعادت نشر الصورة ذاتها مرفقة بتعليق مقتضب  "الفن دوما يجمعنا..النجم المصري محمد رمضان مع المطرب الإسرائيلي عومير آدام في دبي".

ومما زاد من حدة الجدل أن بعض المسؤولين والشخصيات العامة الإسرائيلية احتفت بالصورة بعدما أعادت نشرها، على رأسهم الناطق بالعربية باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، الذي دوَّن عليها "ما أجمل الفن والموسيقى والسلام! الفنان المصري القدير محمد رمضان مع الفنان الإسرائيلي المتألق عومير آدام في دبي".

الأمر لم يقتصر على آدام وفقط، إذ نُشرت صورة ثانية للفنان المصري إلى جوار لاعب كرة القدم الإسرائيلي ضياء سبع، وثالثة إلى جوار رائد الإعمال الإسرائيلي إيلاد تسلا، وهو ما زاد حدة الاحتقان الشعبي ضد رمضان الذي خرج للتعقيب على تلك الصور وأنه لم يكن يعرف هوية ولا جنسية من صور معهم، لكن تبريراته يبدو أنها لم تقنع الشارع المصري الغاضب.

وعلى منصات السوشيال ميديا هبت عاصفة شعبية للهجوم على الفنان المقرب من دوائر صنع القرار في مصر، وأحد المستعان بهم لترسيخ أركان نظام الثالث من يوليو 2013، وتحت وسوم "الشعب المصري" و"محمد رمضان صهيوني" و"الرجالة لما تحب تتصور" و"التطبيع خيانة" عبّر آلاف المصريين عن غضبهم تجاه الفنان الشهير، مطالبين بمحاكمته واتخاذ الإجراءات الرادعة ضده حتى يكون عبرة لكل من تسول له نفسه الهرولة للتطبيع مع الكيان المحتل.

الضجة الشعبية التي أحدثتها تلك الصور وإن كانت لم تقدم جديدًا بشأن رفض الشارع المصري للتطبيع، إلا أنها حملت رسالة صادمة لدولة الاحتلال التي فشلت في تمرير التطبيع الشعبي رغم مرور أكثر من 40 عامًا على اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين القاهرة وتل أبيب، وفي الوقت ذاته وضعت نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي - المهرول وأذرعه الإعلامية نحو التقارب غير المسبوق مع حكومة بنيامين نتنياهو - في مأزق كبير.

 

وقف وتحقيق ومقاطعة

بداية الأمر تباينت ردود الفعل بين مؤيد ومعارض، فيما انبرت بعض وسائل الإعلام المؤيدة للنظام لاستدعاء صور قديمة لتطبيع مماثل مع بعض الفنانيين والرياضيين، في محاولة لتمرير الأمر وكأنه شيء عادي لا يستحق كل هذه الزوبعة، غير أن قوة رد الفعل الشعبي قلبت الموازين.

الساعات الأربع والعشرين الأولى لنشر الصورة لم تجد صداها لدى الكيانات النقابية الفنية والثقافية والإعلامية، التي تلكأت في اتخاذ رد الفعل المناسب، مستندة في ذلك إلى اعتذار قدمه الفنان وتبرير ما حدث بأنه لم يكن يعرف جنسية الإسرائيليين.. لكن الشارع واصل هبته، فكان لا بد من رد فعل يتماشى مع المزاج الشعبي.

وبعد نشر الصور بيومين، أي في الـ23 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ أعلنت نقابة المهن التمثيلية في مصر وقف رمضان عن العمل، بشكل نهائي، إلى حين مثوله للتحقيق في الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول المقبل، فيما تم وقف أحد الأعمال الدرامية التي كان يجهز لها، وهو العمل الذي تنتجه شركة "سيرنجي" التابعة للمخابرات المصرية، التي احتكرت أعمال الفنان طيلة السنوات الماضية.

كتب هذا الغضب الشعبي، لمجرد نشر صورة لفنان مصري مع آخر إسرائيلي، شهادة وفاة شعبية، لاتفاق التطبيع الموقع بين القاهرة وتل أبيب عام 1979، معلنًا دخول معاهدة كامب ديفيد ثلاجة الموتى عمليًا

النقابة في بيانها أكدت دعمها الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، والتزامها بالموقف الجمعي للفنانين المصريين الرافض لأي تقارب مع دولة الاحتلال لحين عودة الحقوق الفلسطينية كاملة، مشيرة إلى أن "هناك فرقًا كبيرًا بين المعاهدات الرسمية التي تلتزم بها الحكومات العربية، والموقف الشعبي والثقافي والفني من قضية التطبيع".

نقابة الصحفيين المصرية كان لها هي الأخرى رد فعل قوي، وإن جاء متأخرًا نسبيًا، حيث أصدر المجلس برئاسة نقيب الصحفيين، ضياء رشوان، بيانًا أكدوا فيه رفضهم للتطبيع، وقرروا مقاطعة أخبار رمضان، وعدم نشر صوره في أي صحيفة مصرية تابعة للنقابة.

موقف النقابة جاء استجابة لرد الفعل القوي، ومطالبة العشرات من الصحفيين أعضاء الجمعية العمومية للنقابة باتخاذ موقف وطني عروبي من الكيان الذي يعبر عن رأي الصحفيين المصريين، ورغم اتهام البعض للبيان بـ"الضعيف"، فإنه يعد نقطة تحول تعكس قوة رأي الشارع.

ومن الميادين النقابية إلى ساحات القضاء، حيث حددت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة عقد أولى جلساتها في 19 من ديسمبر/كانون الأول، لمحاكمة الفنان المصري، بناء على دعوى تقدَّم بها المحامي المصري طارق محمود، بعد نشر الصور مباشرة.

سلام في ثلاجة الموتى

كتب هذا الغضب الشعبي، لمجرد نشر صورة لفنان مصري مع آخر إسرائيلي، شهادة وفاة شعبية، لاتفاق التطبيع الموقع بين القاهرة وتل أبيب عام 1979، معلنًا دخول معاهدة كامب ديفيد ثلاجة الموتى عمليًا، رغم المليارات والجهود التي أنفقت لبث الحياة فيها بين الحين والآخر.

تاريخيًا.. هناك حالة رفض شعبي واضحة وملموسة للتطبيع مع دولة الاحتلال، منذ الساعات الأولى لزيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس المحتلة، ورغم تأكيد الرئيس المصري آنذاك أن اتفاق السلام إنما جاء لوقف نزيف دماء المصريين بعد حروب كان آخرها انتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973 على "إسرائيل"، فإن ذلك لم يلق قبولًا لدى الشارع الغاضب.

وليس هناك أدل على الرفض الشعبي للتطبيع من أن أحد أسباب اغتيال السادات في أكتوبر/تشرين الأول 1981 كانت معاهدة السلام التي وقعها، وفق ما جاء في اعترافات خالد الإسلامبولي المتهم الأول بقتل الرئيس الراحل، لتدخل العلاقة بين البلدين بعدها نفقًا مزدوجًا، تطبيع رسمي ظاهري ورفض شعبي كامل.

وعلى مدار أكثر من أربعين عامًا منذ توقيع كامب ديفيد يعاني السلام المزعوم بين البلدين موتًا إكلينيكًا على المستوى الشعبي، حيث تشكلت لجان غير رسمية لمقاومة التطبيع في الهيئات كافة، وفرضت النقابات المهنية والنوعية حظرًا لأي نشاط يحمل صيغة التقارب مع تل أبيب، فضلًا عن الإنتاج الفني والثقافي الذي جسد "إسرائيل" كأخطر عدو يهدد البلاد.

رغم الجهود المبذولة من نظام السيسي وأذرعه الإعلامية لتمييع فكرة العداء لـ"إسرائيل" عبر اختلاق أرضية مشتركة للتقارب، فإن كل هذا سرعان ما انهار فجأة أمام حالة الرفض الشعبي الواضحة

في تقريره الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2013 وصف معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى مسار تطبيع العلاقات المصرية الإسرائيلية بعد أكثر من 30 عامًا على توقيع كامب ديفيد بـ"السلام البارد"، مستعرضًا العديد من الشواهد التي تكشف فشل تمرير مشروع التطبيع الشعبي فيما سار التطبيع الرسمي على خطى متباعدة في ظل رفض الشارع.

ومن المؤشرات التي استعرضها التقرير عدم قدرة الصحفيين الإسرائيليين على الحصول على تأشيرات دخول إلى مصر، ولا يسافر الصحفيون المصريون إلى "إسرائيل" بسبب حظر مفروض من نقابتهم، هذا بجانب عرقلة كل الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، عسكريًا واقتصاديًا، بما في ذلك الاتفاق الذي وُقّع عام 2005 لتصدير الغاز الطبيعي المصري إلى "إسرائيل"، حيث تعرض خط الأنابيب للتخريب 14 مرةً من بدو سيناء.

السيسي وبنيامين نتنياهو

نظام السيسي في مأزق

الضجة الشعبية الحاليّة لم تقتصر فقط على رفض التطبيع الفني، بل كل أشكال التطبيع والتقارب مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما يضع نظام السيسي في مأزق شعبي كبير، لا سيما في ظل حالة الحميمية التي تحياها العلاقات بين القاهرة والاحتلال في الآونة الأخيرة.

حرص الرئيس المصري منذ قدومه على مغازلة تل أبيب عبر تصريحات أكد فيها على عمق العلاقات ودفئها، وبذله لكل الجهود للدفاع عن أمن "إسرائيل" من خلال منع أي استهداف لها من الأراضي السيناوية الحدودية، تعززت بلقاءت جمعته ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في الولايات المتحدة.

وقد دفعت تلك العلاقات القوية بين البلدين إلى حمل الإعلام العبري لواء الدفاع عن الرئيس المصري ضد أي انتقادات، داخل مصر وخارجها، بعما بات يمثل قيمة كبيرة لدى الشارع الإسرائيلي الذي يرى فيه فرصة سانحة لتحقيق الأمان لدولة الاحتلال بجانب دعمه الكبير لصفقة القرن التي تحمل في مضمونها "طعنًا للقضية الفلسطينية".

أزمة صور رمضان زادت من الوضعية الحرجة لنظام السيسي خاصة بعد دعمه الكامل وترحيبه باتفاقيات التطبيع الموقعة بين الإمارات والبحرين مع "إسرائيل"، التي كان له دور كبير فيها بجانب المملكة العربية السعودية، الأمر الذي تم تصديره على أنه أحد عرابي التطبيع في المنطقة.

ورغم الجهود المبذولة من نظام السيسي وأذرعه الإعلامية لتمييع فكرة العداء لـ"إسرائيل" عبر اختلاق أرضية مشتركة للتقارب، فإن كل هذا سرعان ما انهار فجأة أمام حالة الرفض الشعبي الواضحة لمجرد التقاط صور لفنان مصري مع آخر إسرائيلي، ليثبت الشعب المصري أن القضية الفلسطينية لا تزال قضيته الأم رغم محاولات التشويه الممنهج، وأن "إسرائيل" في الوجدان العربي تمثّل العدو مهما تعددت مساحيق التجميل.

وتجدر الإشارة إلى أن رمضان ليس الأول من نوعه الذي يتورط في هذا الفخ، كونه يسير على درب طويل، يمتد منذ ثمانينيات القرن الماضي، برعاية النظام الحاكم في مصر، وهو الطريق ذاته الذي سار عليه كثيرون مثل مكرم محمد أحمد وأسامة الغزالي حرب وعلي سالم.

وفي الأخير فإن ما فعله الفنان المصري رغم تجريمه لا يساوي شيئًا، قياسًا بما فعله مثلًا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ومعه ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، لخدمة التطبيع، ومن ثم فمن يريد أن يرجم رمضان على سقطته فعليه أن يحتفظ ببعض الحصى بيديه لعرابي التطبيع الأساسيين، وما أكثرهم.