وافقت المغرب و"إسرائيل" على إقامة علاقة دبلوماسية كاملة بينهما، في نفس الوقت أعلنت فيه الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء ودعم مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع القائم منذ أربعة عقود ونصف.  

صفقة "مقايضة" ثلاثية 

لعل الصفقة التي اقترحها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مطلع العام الجاري قد تمت بالفعل، وما هي إلا "صفقة مقايضة" اشترطت تطبيع المغرب علاقاته مع الكيان العبري، فيما يقوم نتنياهو بإقناع إدراة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعم الموقف المغربي في قضية الصحراء.

اعتبارًا من اليوم، تعترف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على كامل أراضي الصحراء الغربية، حسب ما تضمنه إعلان اعتراف الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، فإن قيام دولة صحراوية مستقلة ليس خيارًا واقعيًا لحل النزاع وأن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن.

على طرف النقيض، اعتبرت جبهة البوليساريو أن الموقف المعلن عنه من طرف ترامب يشكل "خرقًا سافرًا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، ويعرقل مجهودات المجتمع الدولي الرامية لإيجاد حل سلمي للنزاع".  بينما كشفت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن موقفها لن يتغير حيال قضية الصحراء بعد قرار دونالد ترامب، إذ لازال غوتيريش يرى أنه زال بالإمكان التوصل إلى حل على أساس قرارات مجلس الأمن الدولي. 

اتفاق ضعيف لا يرقى إلى معاهدة 

هذا الاتفاق لا يرقى إلى مستوى معاهدة أو صيغة قانونية ملزمة يقرّها مجلس الشيوخ في الكونغرس، حسب محمد الشرقاوي، الباحث المغربي وأستاذ تسوية النزاعات الدولية بواشنطن، يحوز هذا الإعلان الرئاسي الذي وقعه ترامب دلالة ضعيفة من الناحية القانونية والسياسية في السياق الأمريكي لسهولة إلغائه. وأشار الباحث في تدوينة عممها على صفحته بفيسبوك إلى وجود منطقة رمادية تنتابها الضبابية في تأويل الموقف المغربي بقبول إعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الدار البيضاء، وبدء حركة الطائرات بين الدار البيضاء وتل أبيب، لافتًا إلى أن الإعلام الأمريكي وأيضًا الإسرائيلي هرولا معًا إلى اعتبار هذا الأمر تطبيعا كاملًا على غرار التطبيع الإماراتي الإسرائيلي.

قريبًا ستفتح الولايات المتحدة قنصلية عامة لها بمدينة الداخلة (جنوبي المغرب)، وفق ما أعلن عنه وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، معتبرًا اعتراف أمريكا بالسيادة المغربية على الصحراء تحولًا تاريخيًا في مسار القضية، بعدما حث البيت الأبيض طرفي النزاع على الانخراط في مناقشات دون تأخير، باستخدام خطة الحكم الذاتي المغربية كإطار وحيد للتفاوض على حل مقبول للطرفين. 

إلى حدود عام 2000 كان لدى الرباط مكتب اتصال مع تل أبيب، أقيم منذ تسعينات القرن الماضي، لكنه أغلق احتجاجًا على السياسة الإسرائيلية في التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وإعلان الحكومة الإسرائيلية وقف عملية السلام. 

التطورات الأخيرة بين المغرب وإسرائيل "ليست تطبيعًا" برأي وزير خارجية المغرب، الذي اعتبر أن بعض القرارات التي تطلبت إعادة الاتصال مع "إسرائيل" لا تعد تطبيعًا، نافيًا بشكل تام "صفقة المقايضة"، أي أن الاعتراف الأمريكي بالسيادة على الصحراء لم يتم مقابل إعادة العلاقات مع "إسرائيل"، على الرغم من أن أنهما كانا حدثان متزامنان.

سلام دافئ أم خطيئة سياسية؟

العاهل المغربي محمد السادس اتصل شاكر دونالد ترامب على اعترافه بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية معتبرًا أنه "موقف تاريخي" و"دعم صريح ومطلق"، وحول استئناف العلاقات مع "إسرائيل"، قال العاهل المغربي في البيان الصادر عن الديوان الملكي إن المملكة عازمة على "تسهيل الرحلات الجوية المباشرة لنقل اليهود من أصل مغربي والسياح الإسرائيليين من وإلى المغرب".

كما أجرى العاهل المغربي محمد السادس اتصالًا هاتفًا مع الرئيس الفلسطيني عباس أبو مازن وأطلعه على توجه بلاده لاستئناف العلاقات الديبلوماسية مع "إسرائيل"، وأبرز الملك أن "المغرب مع حل الدولتين، وأن المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي هي السبيل الوحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع"  مشيرًا إلى أن بلادها "تضع دائما القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبدًا، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة.. وسيواصل انخراطه البناء من أجل إقرار سلام عادل ودائم بمنطقة الشرق الأوسط." 

أبو مازن بدا مرحبًا بقرار المغرب، مؤكدًا أن السلام من حق الجميع، وأن من حق "إسرائيل" العيش بسلام مع كل دول العالم. وهو موقف لا يختلف عما صرح به بينيامين نيتنياهو، ووصف هذا الاتفاق بـ"التاريخي" وقد شكر العاهل المغربي على العلاقات الحارة بين البلدين، إذ سيسود سلام دافئ بينهما.

 

لكن حركة حماس سارعت إلى اعتبار قرار تطبيع العلاقات بين المغرب ودولة الاحتلال "خطيئة سياسية، لا تخدم القضية الفلسطينية"، وأكد المتحدث باسم الحركة أن التطبيع يشجع الاحتلال على استمرار تنكره لحقوق الشعب الفلسطيني ولا يخدم بالمطلق قضيته العادلة ولا القضايا الوطنية للدول المُطبعة، لأن الاحتلال الاسرائيلي، كما ترى حماس، يستغل كل حالات التطبيع لزيادة شراسة سياسته العدوانية ضد شعبنا الفلسطيني وتوسيع تغوله الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية.

تزكية

ولا تحتاج قضية الصحراء إلى أي تزكية لا من الصهاينة أو الأمريكان لتؤكد مغربيتها، حسب مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، مؤكدة موقف الشعب المغربي الرافض مطلقا لكل أشكال التطبيع الصهيوني كيفما كان مستواها، وكيفما كانت طبيعتها وأيا كانت مبرراتها، كما  تستنكر المجموعة  هذه الهرولة نحو التطبيع، والذي لا يمكن القبول بغطاء الصحراء لتسويق موقف التطبيع الخياني كما يحاول عبثًا وزير الخارجية المغربي ادعاء ذلك وتبريره. 

أما حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الائتلاف الحكومي، لم يعلن بعد عن موقف بعد استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، إلا أنه في وقت سابق أي مباشرة بعد إعلان الإمارات تطبيع العلاقات، رفض بشكل قاطع كامل أشكال التطبيع مع الكيان العبري، وهو وقف ثمنته حماس حيث لا يساير الانهيار المعيب لبعض الأنظمة العربية التي تهرول نحو الاحتلال. 

آنذاك قال الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة  سعد الدين العثماني بعبارة صريحة إن التطبيع "يقدم دافعًا للاحتلال لزيادة انتهاكاته بحق الشعب الفلسطيني وحقوقه"، لكنه لم يدل بدلوه إلى حدود الآن، فيما يتعلق بمقايضة الاعتراف الأمريكي بالصحراء مقابل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، علما أن المغرب يعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية شأنها كشأن مغربية الصحراء الغربية.