تقفل سنة 2020 في لبنان على تساؤلات لا حصر لها. عام حافل بالأحداث والتقلبات بدأت منذ العام المنصرم مع التراجع الدراماتيكي للواقع الاقتصادي الذي أدى لانفجار احتجاجات 17 تشرين وما تلاها من مظاهرات وانهيار في سعر صرف الليرة لم يلجم حتى الساعة، وانفجار شبه نووي دمر العاصمة وقتل ما يزيد عن 200 شخص وآلاف الجرحى والمشردين. إضافة إلى استقالة رئيسي حكومة وعدد من النواب.

ولكن مع انكفاء الثوار عن الساحات ولا مبالاة السلطة السياسية بالانهيار الاقتصادي والنقدي المتسارع الذي كان آخره تخفيض الدعم عن الطحين والتلويح برفع الدعم عن المحروقات، كان السؤال كيف السبيل إلى التغيير؟ وهل ستترجم هذه التراكمات بتغيير سياسي يطيح بالطبقة السياسية الحالية في انتخابات مقبلة؟

التغيير الحقيقي.. انتخابي

يختلف النظام اللبناني عن جيرانه بأن الطبقة السياسية بأحزابها الأساسية الحاكمة تستمد شرعيتها من الانتخابات، عليه فإن المظاهرات والاعتراضات الشعبية إن لم تنعكس بتغيير في الانتخابات فإن قيمتها ستكون معدومة في ظل شبه إجماع دولي على التعامل مع النظام القائم المنتخب من الشعب مهما كان، كما أوضح الرئيس الفرنسي في زياراته المختلفة إلى لبنان.

دعى البعض لانتخابات نيابية مبكرة لإيمانه بتغير موازين القوى في البلاد، بينما شككت أطراف عديدة بذلك إيمانا منها بأن حسابات الانتخابات لدى المواطنين ستعود لتتأثر بالشحن الطائفي المعتاد يوم الانتخابات فتنتخب "ابن الطائفة"، المدافع عن حقوقها والذي سيحميها من أي "تمدد" معادي. ناهيك عن حاجة المواطنين دائمًا إلى الخدمات الزبائنية التي اعتاد اللبنانين أن يطلبوها من أذرع القوى السياسية في المناطق.

انتخابات الجامعات.. انطلاقة واعدة

بين هذا وذاك أتت انتخابات الجامعات بنتائج ساحقة لمجموعات المستقلين والنوادي العلمانية. فعلى سبيل المثال في الجامعة اللبنانية الأمريكية (LAU) فاز المستقلون بجميع المقاعد التي ترشحوا عنها وحصلوا على أكثر من 50% من الأصوات. تلت هذه الانتخابات انتخابات الجامعة الأمركية في بيروت (AUB)، التي لم تختلف نتائجها ففاز النادي العلماني بـ9 من أصل 19 مقعدًا، بينما حصد مستقلون باقي المقاعد، ولتكتمل الصورة بنتائج انتخابات الجامعة اليسوعية التي فاز فيها النادي العلماني بـ41 مقعدًا و5 كليات أخرى بالتزكية كما فاز المستقلين بـ20 مقعدًا.

النتائج تؤكد أن مزاج الشباب اللبناني قد انحرف عن الأحزاب الذي اعتاد التصويت لها

هذه النتائج المزلزلة أتت مصاحبة لانكفاء أغلب الأحزاب عن الترشح في كثير من الكليات في مختلف الجامعات كان أهمها غياب أحزاب السلطة تمامًا عن الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB). 

هذه النتائج تؤكد أن مزاج الشباب اللبناني قد انحرف عن الأحزاب الذي اعتاد التصويت لها، وأن كل من راهن أن تحركات 17 تشرين لن يكون لها انعكاسات سياسية، أو ترجمة انتخابية، قد أخطأ. عليه، سيتصاعد خطر الانتخابات النيابية على الأحزاب التقليدية كما ستتصاعد وتيرة معارضة أي مطالبة بانتخابات مبكرة، لا بل بدأنا نسمع عن احتمال تأجيل هذه الانتخابات المقررة بعد أقل من سنتين.

عقبات محتملة بين الانتخابات الجامعية والنيابية

هذا التغيير الذي انطلق من الساحات وترجم إلى الجامعات وأرعب مختلف الأحزاب، يواجهه عقبات كثيرة. أولها على الرغم من أهمية انتخابات الجامعات الا أن هذه الفئة الجامعية ممنوعة من المشاركة في الانتخابات النيابية لأن غالبيتها دون الـ21 سنة بعدما استماتت السلطة السياسية في عرقلة قانون خفض سن الاقتراع من 21 إلى 18 سنة. القانون الذي يسمح للشباب، الذي لم يأطّر بعد في تركيبة لبنان الزبائنية والطائفية، أن ينتخب، وهو أمر كان يخشاه السياسيين اللبنانيين من سنوات.

ثانيًا، أن هؤلاء الشباب النخبويين بغالبيتهم يواجهون مصير الهجرة عند تخرجهم ما يجعلهم ينسحبون تدريجيًا من الحياة السياسية اللبنانية. ثالثًا، أن الحزب الذي حقق الفوز الأكبر في انتخابات الجامعات المذكورة هو من لون واحد إلا وهو الحزب العلماني ما يسهل التصويب عليه في الانتخابات النيابية خاصة لحساسية قسم كبير من اللبنانية تجاه العلمانية.

رابعًا، أن عينة الجامعات التي أجريت فيها الانتخابات هي من طبقة اجتماعية متوسطة وفوق المتوسطة فهل تغيير المزاج الملحوظ في هذه الجامعات ينسحب على الطبقات الأخرى؟ أم هل هو كاف لإحداث تغيير مؤثر؟ 

خطوات مهمة على طريق نقل التجربة الطلابية إلى النيابية

عليه، فعلى المعارضيين اللبنانيين في حال أرادوا قلب المعادلة اللبنانية حقيقة" عبر الانتخابات النيابية، أن يبنوا على تحركات الشارع وانتخابات الجامعات ولكن أيضا عليهم أن يطوروا التجربة من عدة جوانب لتلافي العقبات المحتملة. عليهم ابتداء أن يستمروا بالمطالبة والضغط بكل الوسائل لخفض سن الاقتراع وعدم تأجيل الانتخابات النيابية. إضافة إلى بناء خطط وحملات في بلدان الاغتراب لحث اللبنانيين في الخارج على المشاركة في الانتخابات اللبنانية، علمًا بأنه أصبح بإمكان المغترب اللبناني الانتخاب من بلد إقامته.

تبقى حوالي السنتين للانتخابات القادمة وعلى الرغم من الضغوط الخارجية والداخلية التي ستؤثر ليس فقط على الانتخابات بل على العقد الاجتماعي اللبناني

 دعم المغتربين يعتبر ممرًا إلزاميًا ليس فقط من ناحية عدد الأصوات ولكن أيضًا لتأمين دعم مالي للمعارضين في وجه الأحزاب التقليدية التي تتقن فن جمع الأموال من داخل الدولة وخارجها، هذه الأموال التي تعتبر في غاية الضرورة للانتقال من مجال الجامعة المحصور إلى كامل الأراضي اللبنانية. 

إضافة، إلى أن ما ميّز أحزاب السلطة اللبنانية في العقود السابقة هو تنوعها واختلافها ما سمح لها باستقطاب لبنانيين من كافة المشارب الفكرية على الرغم من اختفاء هذه الاختلافات بعد الانتخابات عند حضور المصالح النفعية. عليه فإن التنوع أيضًا بين أحزاب المعارضة واختلاف أفكارها ضرورة لجذب أكبر عدد من اللبنانيين لكي لا يبقى لمعارض أي ذريعة للعودة لانتخاب الأحزاب بحجة أن البديل لا يتناسب مع أفكاره أو معتقداته أو رؤاه. هذا التنوع بالأحزاب المعارضة يوفر عدة بدلاء لم تتلطخ أيديهم بدماء وأموال اللبنيانين، ما ينوع البدلاء ويسقط حجة البعض بعدم الاقتناع بالبديل. عليه يصبح إنشاء أحزاب مختلفة الأفكار أمرًا يغني المعارضة والحياة السياسية ولا يضعفها طالمًا أن هذه الأحزاب تحت سقف القانون ومساءلة الناس.

أخيرًا، إن فورة عداء السلطة اللبنانية التي تكسب الأحزاب الناشئة دفعة انتخابية قد لا تدوم. فإذن على هذه الأحزاب الاعتماد على برامج وخطط تحقق التنمية وتجذب الناس على المدى الطويل لكي لا تفشل بعد نجاحها في الانتخابات. وعندها لن تنفعها معارضتها بل ستحشر في بوتقة أحزاب السلطة الفاشلة.

تبقى حوالي السنتين للانتخابات القادمة وعلى الرغم من الضغوط الخارجية والداخلية التي ستؤثر ليس فقط على الانتخابات بل على العقد الاجتماعي اللبناني، فإن على المعارضة أن تبني على ما فات من إنجازات وأن تتلافى أخطاء أحزاب السلطة وأن تطور من نفسها وتتنوع وأن تعتمد على برامج لا هبات عاطفية فقط. عندها يمكن بناء حياة سياسية متكاملة خارج الطبقة السياسية الحالية. ولكن هل ستسحق المعادلات الاقليمية والدولية محاولات الاصلاح الداخلي؟ وهل يكون النظام أقوى من الأحزاب الناشئة فيطوعها كما طوّع من قبلها؟