ناشطون يتظاهرون في مدينة تورينو بإيطاليا، في 25 كانون الثاني/ يناير، لإحياء الذكرى الرابعة لاختفاء ومقتل جوليو ريجيني.

ناشطون يتظاهرون في مدينة تورينو بإيطاليا، في 25 كانون الثاني/ يناير، لإحياء الذكرى الرابعة لاختفاء ومقتل جوليو ريجيني.

ترجمة وتحرير: نون بوست

قال ممثلو الادعاء الإيطاليين هذا الأسبوع في أعقاب تحقيق معقّد دام خمس سنوات، إنه من المحتمل أن يُحاكم أربعة من ضباط الأمن المصريين، بما فيهم جنرال سابق، غيابيا في إيطاليا بتهمة تعذيب وقتل جوليو ريجيني.

المدعي العام في روما، ميشيل بريستيبينو، قال إنهم جمعوا أدلة وشهادات "قاطعة ومهمة" أثبتت التهمة على الضباط، على الرغم من امتناع القاهرة عن تقديم المساعدة. وعلى الرغم من أنه سيكون أمام المتهمين المصريين عدة أسابيع فقط للرد على لائحة الاتهام، الأمر الذي لا يعدّ مرجحا نظرا لأن القاهرة رفضت تزويد القضاء الإيطالي بعناوينهم، إلا أنه من الممكن ألا يمنع روما من تنفيذ الإجراءات اللازمة غيابيا، وذلك على حد تعبير ممثلي الادعاء لمجلس النواب. من جهتها، قالت والدة الضحية باولا ريجيني: "لن يوقفنا أي شيء. لقد تحولت معركتنا الأسرية إلى معركة من أجل حقوق الإنسان في مصر. يعدّ جوليو بمثابة انعكاس للانتهاكات التي تُرتكب في مصر بشكل يوم".

تعذيب وحشي

كان ريجيني، وهو طالب في جامعة كامبريدج ويبلغ من العمر 28 سنة، متواجدا في مصر لإجراء أبحاث عن النقابات العمالية، ولكنه اختفى في 25 كانون الثاني/ يناير سنة 2016، في الذكرى الخامسة للانتفاضة المصرية التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك. 

عُثر على جثة ريجيني بعد أسبوع في حفرة، حيث كان شبه عار، مع وجود كسور في العظام وحروق وكدمات في جميع أنحاء جسده. وكانت الجثة مشوّهة بدرجة كبيرة لدرجة أن والدته قالت في وقت لاحق إنها لم تتعرف عليه إلا من "طرف أنفه". ويعتقد المدعون العامون أن ريجيني كان يُشتبه في كونه جاسوسا ومات بعد أيام من التعذيب.

يُذكر أن والدا ريجيني طلبا مرارا وتكرارا من الحكومة الإيطالية سحب السفير من القاهرة ووقف مبيعات الأسلحة إلى مصر، ردا على رفض القاهرة التعاون. في المقابل، قالت محامية العائلة، أليساندرا باليريني، إن وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو لم يستجب لطلباتهم، حيث صرحوا قائلين: "لقد تحدثنا مع الوزير آخر مرة قبل سنة، حيث وعد بأن العواقب المترتبة عن امتناع مصر عن التعاون ستكون وخيمة. في المقابل، لم يحدث شيء منذ ذلك الحين".

تدرك الحكومة الإيطالية جيدا أن روما وحدها غير قادرة على الضغط على القاهرة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان

على عكس ذلك، زادت إيطاليا من مبيعات الأسلحة إلى مصر خلال السنوات الأخيرة. ففي سنة 2018، بلغت قيمة الأسلحة الإيطالية التي اشترتها مصر 77 مليون دولار، وهي أعلى من القيمة المسجلة في السنوات الخمس السابقة. وخلال هذه السنة، تفاوضت مصر على صفقة لشراء سفينتين حربيتين عسكريتين إيطاليتين من طراز "فرقاطة" بقيمة 1.3 مليار دولار تقريبا.

من غير المحتمل أن تُخاطر الحكومة الإيطالية بتعريض علاقتها بالقيادة المصرية للخطر، والتي لا تنطوي على مبيعات الأسلحة فحسب، وإنما أيضا على إدارة موارد الطاقة الرئيسية قبالة السواحل المصرية، فضلا عن السيطرة على تدفقات المهاجرين. كما تعد إيطاليا من بين أكبر الشركاء التجاريين لمصر، وتدير شركة "إيني" الإيطالية العملاقة لاستكشاف واستخراج النفط والغاز في حقل "ظهر" الذي يعد أكبر حقل للغاز في مصر.

المصالح الاقتصادية

تدرك الحكومة الإيطالية جيدا أن روما وحدها غير قادرة على الضغط على القاهرة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان دون تعريض مصالحها الاقتصادية في مصر للخطر. وفي غياب موقف أوروبي وغربي مشترك، لا تعدّ روما مستعدة للتخلي عن مصالحها باسم حقوق الإنسان، فقط ليحل محلها جيران أوروبيون طماعون، على غرار فرنسا.

من جانبه، قال رئيس مجلس النواب الإيطالي، روبرتو فيكو، في مؤتمر صحفي هذا الأسبوع، إن "قضية ريجيني ليست سوى انعكاسا لضعف أوروبا عندما يتعلق الأمر بالاستجابة المشتركة لقضايا مثل حقوق الإنسان". فلو اتخذت إيطاليا وفرنسا المواقف ذاتها، لحُلّت هذه القضية منذ فترة طويلة.

photo

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الإليزيه بباريس، في السابع من شهر كانون الأول/ ديسمبر.

منحت فرنسا هذا الأسبوع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وسام جوقة الشرف الفرنسي، وهو أعلى وسام استحقاق في فرنسا، خلال حفل أقامته الرئاسة الفرنسية في كنف السرية. وخلال الزيارة التي أداها السيسي لباريس، أوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه لن يربط التعاون الدفاعي بقضايا حقوق الإنسان، مما أثار استياء نشطاء حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

في هذا الصدد، قال مدير لجنة العدالة لحقوق الإنسان في جنيف، أحمد مفرح: "لقد نجح النظام في استغلال قضايا مثل الاستثمار واللاجئين والإرهاب والصراع الليبي لإحباط كل المحاولات الخارجية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان". وتابع مفرح حديثه قائلا: "في ظل غياب مثل هذه الضغوط من الاتحاد الأوروبي والبيت الأبيض، مُنح نظام السيسي الضوء الأخضر لمواصلة القمع". وخلال الأسبوع الماضي، أفرجت السلطات المصرية عن ثلاثة مدافعين بارزين عن حقوق الإنسان في أعقاب إدانة دولية لاعتقالهم، وهي خطوة تهدف على الأرجح إلى تهدئة الانتقادات في الفترة التي سبقت زيارة السيسي لفرنسا.

كابوس العلاقات العامة

لا تزال هناك تساؤلات مطروحة حول مدى سيطرة السيسي على أجهزة أمن الدولة، التي أصبح سوء إدارتها لقضية ريجيني بمثابة كابوس في العلاقات العامة للنظام وحلفائه الأوروبيين. في هذا الشأن، قال يزيد صايغ، وهو زميل قديم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت لموقع "ميدل إيست آي"، إن "الرئيس يشكّل السلطة الأهم في الدولة، لكنه لا يُعد لاعبا حرا تماما في مواجهة القطاعات المؤسسية الأخرى التابعة للدولة داخل الائتلاف الحاكم، خاصة القوات المسلحة ووزارة الداخلية والسلطة القضائية".

في حال كانت القاهرة تأمل في أن تندثر القضية من اهتمام الرأي العام من خلال امتناعها عن التعاون، فقد تكون على خطأ

وأضاف صايغ قائلا: "يُعتبر الرئيس في الواقع عرضة للديناميكيات الجماعية داخل كل هذه القطاعات، ولكنه قادر على استغلال التنافس بين المجموعات للتلاعب بها. ويعني ذلك أيضا أنه ينبغي أن يمنحهم مكافآت معينة للحفاظ على ولائهم". وتابع صايغ حديثه قائلا: "بالإضافة إلى الديناميكيات المحلية التي يتعيّن على الرئيس التعامل معها لتعزيز قبضته على المؤسسات الحكومية، فإنه لا يستطيع السماح لنفسه بالاعتراف بالطلب القضائي الذي تقدّمت به حكومة أجنبية خاصة في ظل غياب تهديدات بفرض عقوبات أو أي نوع من العقوبات المالية المشابهة. لذلك، لديه أسباب كثيرة لعدم اتخاذ موقف مماثل لرفض التعاون".

أورد مفرح أن "محاكمة الضباط المصريين ستكون لها معنى رمزي لآلاف المدافعين عن حقوق الإنسان والضحايا والمعتقلين المصريين القابعين في سجون القاهرة. لذلك، نأمل أن تتحول الإجراءات إلى محاكمة للنظام وأجهزته الأمنية والاستخباراتية، التي حققت مستوى غير مسبوق من التهور والإفلات من العقاب في ظل رئاسة السيسي".

التأثير الدولي

نشرت لجنة العدالة، التي رصدت آلاف الانتهاكات في مجال حقوق الإنسان على يد أجهزة الأمن المصرية هذه السنة فقط، تقريرا بعنوان "جوليو ريجيني في مصر منذ 2013"، وهو دليل على التأثير الدولي للقضية.

لم يتراجع تصميم عائلة ريجيني على الحصول على العدالة مطلقا. وفي حال كانت القاهرة تأمل في أن تندثر القضية من اهتمام الرأي العام من خلال امتناعها عن التعاون، فقد تكون على خطأ. ولم تصبح عائلة ريجيني أكثر تصميما فحسب، وإنما حولت قضيته إلى معركة أوسع نطاقا من أجل العدالة في مصر. بشكل عام، إذا وقع تحقيق العدالة لريجيني، فسيأملون في أن يتم تحقيقها، بشكل رمزي على الأقل، لجميع ضحايا النظام.

المصدر: ميدل إيست آي