حين طالب الخبراء والمحللون والمهتمون بالشأن المصري طيلة السنوات الماضية بضرورة وضع العنصر البشري تحت مجهر العناية والدراسة لدى النظام الذي كان دائم العزف على وتر مسؤولية الزيادة السكانية عن عرقلة خطط التنمية، كان الهدف هو الارتقاء بالمواطن وعقليته وصحته وأسلوب تفكيره وإدارته للأمور، وليس الارتقاء بمستوى البنايات والكيانات التعليمية والدينية والمدنية.

منذ الإعلان عن إنشاء أربع جامعات أهلية دفعة واحدة في مصر قبل عدة أسابيع والكثير من علامات الاستفهام تطل برأسها باحثة عن إجابة بشأن دوافع تدشين هذا الكم من الكيانات التعليمية في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية طاحنة دفعتها للاستدانة من المؤسسات المالية العالمية ما أسفر عن حجم ديون خارجية تجاوز الـ112 مليار دولار في سابقة هي الأولى في تاريخ مصر.

الاحتفاء المبالغ به من الآلة الإعلامية الموالية للنظام الحاليّ بتلك الجامعات التي كان يراها نقلة نوعية تعكس اهتمام القيادة السياسية بالاستثمار في العملية التعليمية والعقلية المصرية، قوبل في الجهة الأخرى بحزمة من التساؤلات عن الأهداف الحقيقية لهذه النوعية من الاستثمارات المليارية، خاصة أن بعضها يحمل اسم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وهو الأمر الذي أحدث حالة من السجال المجتمعي بين المكون الثلاثي، الأكاديميين ورجال الأعمال ورجل الشارع، فما قصة تلك الجامعات؟ 

4 جامعات أهلية بكلفة 13 مليار جنيه

في أغسطس/آب الماضي تناقلت وسائل الإعلام خبر موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي على إنشاء أربع جامعات أهلية هي: جامعة الملك سلمان الدولية وجامعة العلمين الدولية وجامعة الجلالة وجامعة المنصورة الجديدة، بكلفة إجمالية تتجاوز الـ13 مليار جنيه.

وتقع تلك الجامعات في المناطق الجديدة بعيدًا عن العاصمة، وتعد جامعة الملك سلمان الأكبر من حيث المساحة، إذ لها 3 مقرات في محافظة جنوب سيناء (جنوب شرق) في مدن شرم الشيخ ورأس سدر والطور، فيما تقع "جامعة الجلالة" بهضبة الجلالة بمحافظة السويس (شرق)، و"جامعة المنصورة الجديدة" بمدينة المنصورة الجديدة، بمحافظة الدقهلية (شرق)، أما "جامعة العلمين الدولية" بمدينة العلمين الجديدة (شمال)، وهي المدينة التي تحتوي على قصر رئاسي بني مؤخرًا على أحدث الطرز العالمية، وبعض القصور الأخرى التي دشنها السيسي لعدد من القادة العرب.

تم تخفيض تنسيق القبول بكليات تلك الجامعات بأقل من الحد الأدنى المعمول به في الجامعات الأخرى بنسبة 5%

تهدف تلك الجامعات بحسب التصريحات الرسمية إلى تعزيز التنمية في المجتمعات العمرانية الجديدة، بجانب إثراء منظومة التعليم الجامعي على أسس عالمية، حيث طرحت تلك الجامعات مجموعة من البرامج الدراسية المتطورة، فجامعة الجلالة تقدم 66 برنامجًا، فيما تقدم جامعة الملك سلمان 45 برنامجًا مقابل 43 برنامجًا لجامعة العلمين و28 لجامعة المنصورة الجديدة.

ومن أجل تسهيل الالتحاق بتلك الكيانات الجديدة تم تخفيض تنسيق القبول بكليات تلك الجامعات بأقل من الحد الأدنى المعمول به في الجامعات الأخرى بنسبة 5%، وجاء التنسيق هذا العام كالتالي: 90% للطب البشرى و85% كليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعى و75% كلية الهندسة والطب البيطري، في مقابل 55% لكليات الإعلام واللغات والترجمة والاقتصاد والعلوم السياسية والإدارة وبقية الكليات الأخرى، بجانب ضرورة اجتياز شروط وإجراءات تضعها كل جامعة على حدة.

54 جامعةً و200 معهد

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل مصر فعلًا بحاجة لجامعات جديدة؟ وإن كانت الإجابة نعم (جامعة لكل مليون مواطن حسب تصريحات رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي) فهل هي بحاجة إلى جامعات خاصة وأهلية أم جامعات حكومية تستوعب أكبر قدر من السواد الأعظم للشعب المصري من أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تتجاوز نسبتها أكثر من 70% من السكان؟

تشير الإحصاءات إلى أن عدد الجامعات في مصر قرابة 54 جامعةً، 26 جامعةً حكوميةً رسمية و26 جامعةً أهليةً خاصةً، هذا بخلاف ما يزيد على 200 معهد ما بين عال وفوق المتوسط، يديرها المجلس الأعلى للجامعات، وهي الجهة الحكومية الرسمية المخول لها إدارة الكيانات التعليمية في البلاد.

وفي المقابل هناك قرابة 3 ملايين طالب مصري في مراحل التعليم الجامعي المختلفة، حسب إحصاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، للمقيدين خلال العام الجامعي الحاليّ، فيما تشير الأرقام إلى زيادة عدد المنتسبين للجامعة بنسب تقارب 4% سنويًا.

وفي قراءة ديموغرافية للتوزيع الطلابي على الجامعات المصرية نلاحظ أن الجامعات الحكومية تحتل النصيب الأكبر، إذ تصل نسبة المقيدين في تلك الجامعات (العام والأزهر) 72.9%، مقارنة بـ6.3% بالجامعات الخاصة، أما المعاهد العليا الخاصة فكانت النسبة 14.2% من إجمالي المقيدين.

تستحوذ الجامعات الحكومية على النصيب الأكبر من حجم الإقبال والتكدس

وتحتل جامعة الأزهر مركز الصدارة في نسب الطلاب المقيدين بها بإجمالي 360.1 ألف طالب بنسبة 15.9% من عدد الطلاب الجامعيين، فيما تأتي جامعة القاهرة في المركز الثاني بعدد 260 ألف طالب بنسبة 11% من إجمالي أعداد طلاب الجامعات.

أما الجامعات الخاصة فتصدرت جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا قائمة الأكثر تسجيلًا للطلاب بإجمالي نحو 23.7 ألف طالب بنسبة 12.1%، فيما جاءت جامعة 6 أكتوبر في المرتبة الثانية بعدد 23.3 ألف طالب بنسبة 12% من إجمالي عدد الطلاب.

اللافت وفق تلك المؤشرات أن الجامعات الحكومية تستحوذ على النصيب الأكبر من حجم الإقبال والتكدس، ووفق متوالية هندسية لخريطة الجامعات فإن المنطق يشير إلى أن التوسع في الجامعات الحكومية ربما يكون أكثر جدوى لاحتواء أكبر قدر من الطلاب بعيدًا عن التكدس الكبير في بعض الكليات.. وهنا تساؤل آخر: ما الهدف إذًا من التوسع في الجامعات الأهلية التي لا تستوعب إلا القدر الضئيل من عدد الطلاب؟

الاستثمار في العملية التعليمية

البعد الأول في قراءة دوافع تلك الخطوة اقتصادي بالدرجة الأولى، لا سيما أن تلك الجامعات مملوكة للدولة من الألف إلى الياء وهي التي تكفلت ببنائها وإدارتها والقيام عليها، ومن ثم فإن العائد يصب في خزانة الدولة على عكس الجامعات الخاصة الأخرى التي تخضع في نهاية الأمر لمجلس إدارة مكون من رجال أعمال (يهدفون للربح أولًا وأخيرًا) وتمثيل هامشي من وزارة التعليم الحاليّ بحكم القانون.

ومن ثم فإن قرار كهذا من شأنه أن يدر عشرات الملايين سنويًا في صورة رسوم دراسية وأنشطة ومقابل خدمات أخرى بالتوازي مع دخول تلك الجامعات دائرة العمل، هذا بخلاف التحكم في المناهج المقررة بداخلها التي تراعي فيها الدولة احتياجاتها المستقبلية في سوق العمل.

قائمة المصروفات الاسترشادية التي نشرتها وزارة التعليم العالي لتلك الجامعات هذا العام 2020 تعكس إلى حد ما البعد الاقتصادي في إنشائها، إذ تتقارب بشكل كبير مع الجامعات الخاصة الأخرى الهادفة للربح في المقام الأول، حيث تبلغ مصروفات الالتحاق بكليات الطب 105 آلاف جنيه في مقابل 75 ألف جنيه للأسنان و85 ألف للصيدلة و63 ألف لكليات التمريض.

أما الكليات الهندسية فتم تحديد حد أدنى للرسوم قدره 69 ألف جنيه، فيما بلغت الدراسات الإعلامية 50 ألف سنويًا، و43 ألف لكليات العلوم الإنسانية والاجتماعية النظرية، فيما تجاوزت برامج الدراسات القانونية حاجز الـ45 ألف جنيه ومثلها للعلوم الإدارية وأقل منها بهامش ضئيل لكليات ومعاهد السياحة والفندقة.

البروباجندا السياسية

البعد الثاني والأبرز في قراءة كواليس الهرولة نحو تدشين أكبر قدر من الجامعات الأهلية يتعلق بالرغبة الواضحة لدى النظام الحاليّ في التسويق لنفسه منذ تقلده الحكم في 2014، فالخبرات المتراكمة والشواهد الموثقة على مدار السنوات السابقة تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك حالة من "الهوس" لدى السلطات الحاليّة بإبرام المشروعات التي تحمل في كثير من جوانبها الدعاية السياسية والإعلامية.

تبقى الأيام القادمة وكيفية إدارة الدولة لتلك الجامعات ومدى قدرتها على تسويقها بالشكل الذي يحقق الهدف من إنشائها المحك الرئيسي لتقييم تلك التجربة

هذا البعد يمكن الوقوف عليه بشيء من التوضيح من خلال دراسة المشروعات الأخيرة التي أصر السيسي وحكومته على المضي قدمًا فيها رغم تأخرها في جدول اهتمام المصريين، ويأتي على رأسها "العاصمة الإدارية الجديدة" التي تسخر لها الحكومة كل الإمكانات حتى تكون واحدة من المدن العملاقة في الشرق الأوسط.

كذلك تدشين مسجد العاصمة بهذا الحجم وتلك الإمكانات، بجانب إطلاق اسم "الفتاح العليم" عليه، هذا بخلاف أكبر كنيسة وأكبر كوبري وأكبر ممشى وأكبر ناطحة سحاب وأكبر قصر جمهوري.. إلى آخر القائمة التي كانت محل دراسة واهتمام من خبراء علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي. 

يسابق السيسي الزمن لأجل أن يرسخ العديد من المشروعات التي تخلد اسمه ومرحلة حكمه، وهو توجه يراه البعض محمودًا نسبيًا خاصة أن بعضها يعود بالنفع على المصريين، لكن التوقيت والظرف الاقتصادي والبذخ الواضح في الإنفاق على عدد منها (لا سيما القصور الرئاسية والعاصمة الإدارية) كان مثار الجدل الذي دفع البعض إلى ترجيح تفسيرات أخرى في قراءة مثل تلك التحركات.

أكاديميون وخبراء تعليم أوضحوا في تصريحاتهم لـ"نون بوست" أن المرحلة الحاليّة لا تحتاج جامعات خاصة قدر ما تحتاج إلى نهضة في البنية المعرفية والمنهجية للتعليم في مصر، فالارتكان إلى الجانب المادي فقط كحل وحيد لتطوير التعليم إستراتيجية خاطئة أشبه ما تكون بتوفير ملاهٍ لشعب لا يجد لقمة العيش.

وأضافوا أن هذا النهج ربما يحقق غايته المحمودة في تعمير المناطق العمرانية الجديدة ولفت الأنظار إليها، مجتمعيًا واستثماريًا، لكنه لن يحقق النتائج ذاتها في تنمية مؤشر جودة التعليم الذي تحتل فيه مصر مكانة متأخرة قياسًا بالدول المجاورة.

وفي المحصلة تبقي الأيام القادمة وكيفية إدارة الدولة لتلك الجامعات ومدى قدرتها على تسويقها بالشكل الذي يحقق الهدف من إنشائها هي المحك الرئيسي لتقييم تلك التجربة التي يخشى البعض أن تكون قصيرة العمر ويُهدر على الدولة عشرات المليارات في وقت هي في أمس الحاجة فيه لجنيه واحد.