لم تنفك السلطات التونسية بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني عن مواصلة جهودها الحثيثة لاسترجاع الأموال المنهوبة والموجودة خارج البلاد، وتذليل كل الصعوبات في محاربة التجاوزات لتحقيق التطلعات الشعبية في هذه المسألة، وسط تساؤل عن جدية هذه المساعي بعد تكرار الخطاب طيلة عقد من الزمن دون حلول تذكر، فضلًا عن غياب الآليات والوسائل لتنفيذ القرار، الأمر الذي دفع كثيرًا من التونسيين إلى وصف ملف استرجاع الأموال المهربة بأنه استنساخ لتجربة الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية من حيث تعثراتها ومطباتها، فهي أيضًا كانت حلُمًا وانحسر بفعل الأخطاء والصراع على السلطة.

تقديرات منظمة "غلوبال فينينشيال إنتغريتي" عام 2019، رجحت بلوغ قيمة الأموال المنهوبة من تونس حدود 60 مليار دولار أمريكي منذ عام 1960، ثلثها أي ما يُعادل 20 مليار دولار كان خلال فترة الحكم السابق بقيادة بن علي، وهي أموال تُعادل ثلث ميزانية الدولة وموارد أساسية لتعبئة الميزانية والقضاء على العجز الحاصل في المالية العمومية والمقدر في حدود 3% في قانون مالية 2020، وعلى حجم الدين المتوقع بـ74% من الناتج المحلي الإجمالي، فما أوجه قصور تعاطي تونس مع هذا الملف وهل ستنجح مساعي استرداد الحقوق؟

خطوات لم تكتمل

في إطار دعمها لمهد الربيع العربي، تولت كل من سويسرا والاتحاد الأوروبي قبل نهاية الشهر الأول من عمر الثورة التونسية بناءً على طلب صدر لهما عن القضاء التونسي، إصدار قرارات تجميد إداري لأموال تعود لـ48 مواطنًا تونسيًا شملهم مرسوم المصادرة، لتبادر كندا في شهر مارس/آذار بإصدار قانون ينظم تجميد أموال المسؤولين الأجانب الفاسدين والتصرف في تلك الأموال، فيما استجابت في تواريخ لاحقة دول أخرى لطلب تجميد أموال صدرت عن الدولة التونسية تعود لأشخاص معنيين بمرسوم المصادرة.

عملت تونس في الأعوام الأولى للثورة على كشف وتحديد قيمة الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج، من خلال لجنة التحاليل المالية بالبنك المركزي وبفضل تنسيقها مع نظيراتها من الدول التي توجد بها أرصدة مجمدة، فيما تولى قضاة التحقيق المتعهدون بقضايا الفساد المالي خلال الفترة الفاصلة بين بداية سنة 2011 ونهاية سنة 2014 إصدار 64 إنابة قضائية دولية تستند في نصها للفصل 43 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وتطلب إنفاذًا له إجراء الأبحاث والتحقيقات اللازمة لاكتشاف الأموال والعقارات والمنقولات الراجعة إلى الأشخاص المشمولين بالتتبع وبتجميدها في انتظار استكمال الإجراءات القانونية لإرجاعها للدولة التونسية.

في تلك الفترة، ركزت تونس خطواتها على الاستناد لـ"مبادرة ستار" التابعة للبنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة التي وفرت الموارد اللازمة لتكوين كل المتداخلين في الملف وتطوير خبراتهم في المجال، كما توصلت بدعم مالي من البنك الإفريقي بهدف انتداب الكفاءة القانونية التي تعهدت بمتابعة الملف بالخارج.

تحركات الدولة التونسية في مسار استعادة حقوقها الضائعة لم يدم طويلًا، حيث انتهت مجهودات السنوات الأولى دون أي إنجازات تُذكر بخلاف استردادها لمبلغ قيمته 28.8 مليون دينار من المصرف المركزي اللبناني عام 2013، وهي عائدات محدودة أكدت فشل السلطات التونسية في إدارة هذا الملف.

في سياق متصل، ورغم أن تونس لم تُعلن بشكل رسمي، قيمة الأموال التي هربها الرئيس الأسبق ومقربون منه إلى بنوك أجنبية، فإن منظمة الشفافية المالية التونسية (غير حكومية)، قدرت تلك الأموال بنحو 23 مليار دولار، فيما توصل البنك المركزي التونسي (2015) إلى تحديد ممتلكات وأموال منهوبة في 10 بلدان، هي سويسرا وفرنسا وكندا وبلجيكا، إضافة إلى دول الإمارات وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ولبنان ولوكسمبورغ.

المعوقات الخارجية

يُمكن القول إنه باستثناء الدولة الأوروبية سويسرا التي قدمت لتونس كشفًا مدققًا عن حجم الأموال التي جمدتها لفائدتها التي قدرت بـ60 مليون يورو، فإن الدول الأخرى لم تعلن حجم الأموال المجمدة بشكل دقيق، فيما اشترطت دول الملاذات الغربية أن تثبت تونس فساد مصدر ما تطلب استرداده من أموال جمدت لفائدتها.

هذا الشرط مثل حجر عثرة أمام تونس التي أنهكها عبء إثبات الجرائم المالية التي ارتكبها عناصر النظام السابق والمقربين منه، فرغم توصلها لضبط قوائم المطلوبين ممن هربوا ثروات خارج البلاد، فإن تشعب جرائم الفساد وتشابكها عطل عمليات تتبع وإثبات حجم العمولات وقيمة التربح في الصفقات والامتيازات بصفة دقيقة.

من جهة أخرى، فإن عجز وتقاعس الدولة التونسية، قابله تعنت دول الملاذات وتلكُؤها في التعاون لإرجاع الأموال المنهوبة، ويعود ذلك إلى تورط شركاتها الكبرى ودورها في الفساد وتبييض الأموال وغسيلها، ما يعني أن هذه الدول تتعامل مع الطرف التونسي بما يخدم مصالحها أولًا التي تقتضي حجب كل المعلومات والمعطيات، وهي عادة بعض الدول الأوروبية كفرنسا التي تتهمها شعوب جنوب المتوسط بالمسؤولية عن الفساد المستشري في بلدانهم منذ الاستعمار إلى الآن.

على الضفة الأخرى، ترفض بعض الدول العربية هي الأخرى تقديم يد المساعدة لتونس من أجل استرجاع أموالها المنهوبة، وذلك لغايات سياسية بحتة، فجزء من دول الخليج العربي التي تقود الثورة المضادة والمناوئة للتغيير في المنطقة، تستعمل ورقة الأموال المجمدة للتطويع والتحكم في المسار الانتقالي لتلك الدول، فيما تغيب عن بعض الدول الأخرى ثقافة مكافحة الفساد.

ووفقًا لتصريحات وزير أملاك الدولة السابق مبروك كورشيد، فإن الدولة التونسية عملت على استرجاع بعض الأموال من بعض الجهات، التي تعاونت في هذا الملف، إلا أن دولًا أخرى رفضت المساعدة تمامًا، على غرار المغرب والإمارات وغيرهما من الدول الإفريقية والآسيوية، لذلك كانت حصيلة الـ6 سنوات الأولى هزيلة ومخيبة للآمال، حيث وفقت تونس في استرجاع طائرتين ويختين ومبلغ مالي زهيد لا يتجاوز 250 ألف دولار ومبالغ أخرى محدودة بمساعدة سويسرا.

إدارة وقضاء

على المستوى الداخلي، فإن تعثر مسار استرجاع الأموال المنهوبة يعود بالأساس إلى تعطل عجلة الانتقال السياسي وإلى الصراع على السلطة بين الأحزاب السياسية وفشل تونس في إرساء استقرار سياسي (اغتيالات سياسية) واجتماعي واقتصادي (إضرابات واعتصامات)، وإلى خيارات تونس وأداء مؤسساتها خاصة على المستوى التشريعي، فلجنة استرداد الأموال المنهوبة أسندت إليها المهام في عهدة قصيرة جدًا لا تسمح بحل الإشكالات المعقدة في ظرف أربع سنوات فقط.

هذا الإشكال ترتب عنه حل اللجنة في 2015، في وقت لم تُفعل فيه مهام المجلس الأعلى للتصدي للفساد، لتنتقل جميع الملفات لمؤسسة المكلف العام بنزاعات الدولة الذي يؤول له اختصاص العمل عليها.

غياب استمرارية الإدارة الناتج عن صراع سياسي محموم (2016)، لم يراعي المصلحة الوطنية ولم يستأنس بالتجارب المقارنة التي أكدت عمليًا وتقنيًا أن استرجاع الأموال المنهوبة يحتاج على الأقل 10 سنوات من العمل والجهد، أفضى إلى فشل ذريع في إدارة ملف أساسي في مرحلة الانتقال السياسي اقتصاديًا واجتماعيًا.

علات ملف الأموال المجمدة والمهربة إلى الخارج متعددة ومتنوعة، ومنها اقتصار تونس على صدور قرارات قضائية لدول تجيز تلك الخطوة، والحال أن بعض الدول الأخرى تشترط الإدلاء بأحكام قضائية نهائية وباتة تثبت أن الأموال المجمدة متأتية من مصادر فاسدة، فيما جل الأحكام الصادرة عن القضاء التونسي في حق متهمين تعود لهم الأرصدة المجمدة كانت غيابية وبالتالي غير باتة (نهائية)، فهي لم تضمن لهم حق التقاضي والدفاع، وهي إجراءات مخالفة لمعايير المحاكم الغربية.

من جهة أخرى، فإن تونس منذ 2011، اكتفت بالمطالب الدورية لتمديد إجراءات التجميد دون تسجيل أي مسعى لتوسيع دائرة المتهمين، فيما عمدت في 2018 إلى رفع هذه الإجراءات على صهر بن علي مروان المبروك بعد مصادقة مجلس الوزراء على طلب موجه للاتحاد الأوروبي، رغم عدم صدور قرار قضائي بتبرئته، وهي خطوة يمكن أن يُقرأ من خلالها أن الدولة التونسية غير جادة ولم تعد متحمسة لاستجاع أموالها.

سعيد.. هل تنجح المحاولة؟

بعد قرابة العقد على مطالب استرجاع الأموال المهربة خارج تونس، تبين جليًا أن الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة لم تتعامل مع هذا الملف بالجدية والحماسة المطلوبين، وبحسب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد السابق شوقي الطبيب، فاٍن تونس فشلت في استرجاع الأموال المنهوبة لأنها لم تحترم الإجراءات والآجال القانونية في التعامل مع الدول الأجنبية ذات العلاقة بالملف رغم وجود إرادة على مستوى عدة دول خاصة دول الاتحاد الأوروبي وسويسرا لمساعدة تونس، إلا أن التونسيين يعلقون آمالًا على خطوات الرئيس قيس سعيد.

مثل إعلان الرئيس التونسي بتكفل مؤسسة الرئاسة بملف الأموال المنهوبة، إعادة الأمل لتسوية أكثر الملفات العالقة التي يرى فيها التونسيون فرصة لإنقاذ الاقتصاد المتداعي وإعادة الاستقرار الاجتماعي، وهي دعوة تزامنت مع تجديد النيابة العامة في محكمة الاستئناف بآكس أون بروفانس (جنوب فرنسا) طلبها للقضاة بالموافقة على ترحيل بلحسن الطرابلسي، صهر الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، غير أن مساعي سعيد قد تصطدم بالآجال التي حددها الاتحاد الأوروبي لرفع التجميد عن الأموال المنهوبة والمقررة في يناير/كانون الثاني 2021.

وفي السياق، ذاته، اعتبر وزير أملاك الدولة السابق مبروك كورشيد أن الحديث عن استرجاع الأموال المنهوبة في هذا الظرف بالذات هو مزايدة سياسية، لأن المعطيات الفنية والقانونية المتوافرة إلى اليوم لا تخدم مصلحة البلاد في استرجاع هذه الأموال، مرجحًا إمكانية أن تخسر تونس هذا الملف طالما أن الأحكام القضائية الصادرة غير باتة ولأن المتهمين فارون.

بدوره، أكد وزير أملاك الدولة حاتم العشي (2015)، أن تكوين لجنة لاسترجاع الأموال المنهوبة من الرئيس قيس سعيد أمر محمود، إلا أن الأوان قد فات وسينتهي كل شيء في أواسط سنة 2021 بحصول تقادم العشر سنوات وفي غياب المحاكمات العادلة طبق معايير دولية معروفة، ومساعي دبلوماسية جادة.

مبادرة سعيد التي تأتي في الوقت الضائع، قد تصطدم بحالة التوتر السياسي التي تسود البلاد ودفعت بعض القوى إلى الدعوة لإرساء حوار وطني عاجل، وبواقع اقتصادي متردٍ إلى أبعد الحدود خاصة بعد المؤشرات الأخيرة عن تراجع في رافعات الإنتاج وكذلك إلى تصاعد مؤشرات الفساد، فالرئيس سيجد نفسه بين حربين: استعادة الأموال المهربة قبل الثورة أو وقف نزيف تهريب الأموال بعدها التي تُقدر بـ4.1 مليار دولار سنويًا.

بالنهاية، يُمكن القول إن ملف استرجاع الأموال المهربة في تونس لا يختلف كثيرًا عن باقي الملفات التي ما زالت عالقة إلى الآن كالمصالحة والمحاسبة بسبب الصراعات السياسية العقيمة ومعارك كسر العظام، فهذا الملف يحتاج إلى حكومة متماسكة وأدوات دبلوماسية قوية قادرة على الضغط على الدول والمؤسسات المالية الكبرى من أجل الانخراط في التعاون دون قيد أو شرط، ودون ذلك ستخسر تونس أموالها كما خسرت مقومات تنميتها طيلة عقد من الزمان.