بعد موافقة الإمارات والبحرين على تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني في 15 سبتمبر/أيلول الماضي، وإعلان السودان في 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عن نفس الموقف تاركًا مسؤولية إبرام اتفاق بهذا الخصوص إلى المجلس التشريعي المقبل، انضم النظام الرسمي في المغرب إلى القافلة ليكون الدولة الرابعة التي انخرطت في مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام من تنحيه عن السلطة.

الاتفاق الجديد بين الرباط وتل أبيب تضمن الإعلان عن استئناف العلاقات الرسمية بين الجانبين على المستويات كافة وإعادة فتح مكاتب الاتصال وفتح مجالات التعاون في شتى المجالات، إضافة إلى استئناف الرحلات الجوية بين الطرفين، وقد تزامن هذا التطبيع مع هدية أمريكية وُصفت بأنها مقايضة مسمومة تقوم على اعتراف البيت الأبيض بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل التطبيع الكامل.

تطبيع المغرب

موضوعيًا، فإن تطبيع الإمارات والبحرين وحتى السودان لم يكن مستبعدًا في ظل سعي حكام الدول الخليجية إلى التقارب مع الكيان الصهيوني لغايات متفاوتة منها تحجيم الدور الإيراني والتركي وكذلك المحافظة على دعائم حكمها المعرض لمخاطر جمة بفعل التغييرات الإقليمية والدولية، لكن في المقابل فإن خطوة المغرب الأخيرة تبعث على التساؤل رغم علاقاته التي لم تنقطع مع الاحتلال.

فللنظام السياسي المغربي اتصالاته وعلاقاته وإن كانت بدرجات متفاوتة في العقود الأخيرة من القرن العشرين على حسب الأوضاع والمتغيرات، حيث وقع تجميدها بسبب الضغط الشعبي خصوصًا بعد اندلاع انتفاضة الأقصى سنة 2000، وبالإضافة إلى ذلك، فإن أكبر تجمع يهودي صهيوني مقيم في فلسطين المحتلة تعود أصوله إلى المغرب مقارنة باليهود القادمين من العالم العربي والإسلامي، إذ يوجد في الكيان الصهيوني ما يزيد على 900 ألف يهودي من أصول مغربية، ولهم مواقعهم المتقدمة في مؤسسات الكيان السياسية والأمنية والعسكرية.

هذا العرض لا يعني بالضرورة أن التطبيع المغربي مع الاحتلال له خلفياته السياسية والدبلوماسية وحتى الثقافية، فالخطوة جاءت بناءً على مقايضة سياسية فرضها ترامب لا غير، لذلك فإن الجدل الحقيقي الذي رافق هذا الاتفاق تلخص في تراجع الحكومة المغربية عن موقفها الرافض للتطبيع العربي وفي نكوص حزب العدالة والتنمية عن مبادئه الأساسية الداعمة للقضية الفلسطينية.

اتفاق "مخزٍ"

في وقت سابق، وصف رئيس الحكومة المغربية (العدالة والتنمية) خطوة التطبيع بأنها لا تشكل حاجزًا أمام دعم القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن بلاده لن تتنازل عن ثوابتها في دعم القضية الفلسطينية والمبادرة العربية، وأن التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي قرار صعب، لذلك "تأخر إلى هذا الوقت".

وتقضي مبادرة السلام العربية بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من كامل الأراضي العربية وقيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وعودة اللاجئين، مقابل اعتراف الدول العربية بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه.

العثماني أقرّ ضمنيًا في تصريحات لقناة الجزيرة بوجود رابط بين استئناف العلاقات المغربية مع الاحتلال والخطوة الأمريكية المتعلقة بقضية الصحراء الغربية، قائلًا: "لا نريد أن تكون هناك مقايضة بقضية الصحراء، لكن الضرورة اقتضت تزامن الخطوتين"، مشيرًا إلى أن الدول تتخذ في بعض المراحل "قرارات صعبة، واليوم يلوح في الأفق إمكانية خطوة مهمة للمستقبل".

تصريحات العثماني جاءت مناقضة لمواقفه السابقة بخصوص استئناف العلاقات مع الكيان الصهيوني، فإلى وقت قريب كان حزب العدالة والتنمية في المغرب (يقود الائتلاف الحاكم) يرفض أي تطبيع للعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، ففي الـ23 من شهر أغسطس/آب الماضي أعلن رئيس الوزراء سعد الدين العثماني رفضه لأي تطبيع مع "إسرائيل".

 

وقال العثماني أمام اجتماع لحزب العدالة والتنمية (إسلامي) الذي ينتمي إليه، إن بلده يرفض أي تطبيع مع الكيان الصهيوني لأن ذلك يعزز موقفه في مواصلة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، مضيفًا "موقف المغرب ملكًا وحكومة وشعبًا هو الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى المبارك ورفض أي عملية تهويد أو التفاف على حقوق الفلسطينيين والمقدسيين وعروبة وإسلامية المسجد الأقصى والقدس الشريف".

ورغم حرص المسؤولين المغربيين على أن مساعيهم وجهودهم لترسيخ مغربية الصحراء لم تكن على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة، فإن خطوة المغرب وصمت العدالة والتنمية إزاء التطبيع أثار انتقادات واسعة محليًا، حيث أعرب نحو ثلاثين حزبًا وجمعية مناهضة للتطبيع مع "إسرائيل"، من التيارين اليساري والإسلامي، في بيان عن رفضها "لأي زيارة يقوم بها حامي الصهيونية في جرائمها ضد الإنسانية في فلسطين جاريد كوشنير لبلادنا، ولتدنيس أرض وطننا المطهرة".

 

عربيًا، اتهم رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية عبد الرزاق مقري، سعد الدين العثماني بالخيانة، وفي تدوينة على موقع فيسبوك قال: "أكبر من يناله هذا الخزي والعار هو رئيس الحكومة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، باعتبار خيانته لمبادئه وخطه السابق المعادي للتطبيع بأي شكل من الأشكال وفق ما كان يصرح به هو نفسه () إن وافقت مؤسسات هذا الحزب هذه الخيانة فهو حزب قد دخل رسميًا في دائرة التصهين، وكل ادعاء بالاستمرار في دعم القضية الفلسطينية تدليس ممجوج وادعاء باطل".

العدالة والمخزن

يبدو أن العدالة والتنمية بقيادة العثماني قد أسقط من حساباته المادة 724 من البرنامج الانتخابي للحزب الذي أوصلهم إلى الحكم قبل سنوات، التي تنص على "مضاعفة الدعم والنصرة للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية ورفع المساندة له، من أجل ضمان حقه في تقرير المصير ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني"، الأمر الذي جعل تبريرات رئيس الحكومة العثماني غير مقنعة للكثيرين بسبب انتمائه لحزب إسلامي يحمل لواء الدفاع عن القضية العربية الأم.

تغير موقف العدالة والتنمية يُفهم من خلال تقاطع موافقته على التطبيع مع الإمارات ومصر والبحرين، فرغم أنه حزب إسلامي شريك في السلطة ويقود الائتلاف الحاكم انخرط مع هذه الدول التي تكن عداءً كبيرًا لحركات الإسلام السياسي ومعروفة بمحاربتها له في أكثر من بلد عربي كتونس وليبيا وغيرها من البلدان التي عرفت رياح التغيير.

من جهة أخرى، فإن تخلص العدالة والتنمية من ثوابته ومبادئه سيجعل مصداقية هذا الحزب الإسلامي الذي يحظى بدعم شعبي واسع في المغرب على المحك، بل أكثر من ذلك فمن المتوقع أن يتم تقديمه على أساس أنموذج الأحزاب الإسلامية التي فشلت في اختبار المصداقية والقيم حينما يتعلق الأمر بالحكم والسلطة، وهو أمر سعت إليه دول الثورة المضادة التي حاولت جاهدة الاستثمار في التجربة المغربية واستغلالها لفرض أجندتها.

من هذه الزاوية، فإن تبريرات العثماني التي لم ترض الأصدقاء قبل الخصوم ووُصفت بغير المقنعة والمتعارضة مع موقف المغرب التاريخي الداعم لحق الفلسطينيين، أرجعها كثيرون إلى اعتبارات سياسية داخلية بحتة وتأتي ضمن محاولة رئيس الحكومة كسب ود المخزن صاحب السلطة الحقيقية في المغرب، فكل تعليقاته على التطبيع كانت تحمل إشادة وتنويه بقدرة الملك محمد السادس ودوره في امتحان التطبيع المغربي، ما كشف بما لا يدع مجالًا للشك أن حزب العدالة والتنمية بات يُقدم دعمًا لشرعية سلطة المخزن، والأخير يرى في الحزب الإسلامي هبة من سماء انتفاضة 20 فبراير التي مهدت له استعادة حكم القصر التي كادت أن تعصف بها رياح التغيير العربي، وذلك بعد أن تخلى حزب العثماني عن طرح البدائل السياسية للحكم وأصبح دوره وظيفيًا بامتياز.

 

ورغم أن البراغماتية السياسية في موقف العدالة والتنمية القائمة على استثمار المتغيرات لتحصين الوجود في السلطة، وهي صفة تُميز العثماني عن سابقه في الحكومة والحزب عبد الإله بن كيران الذي يُمثل التيار الشعبوي، مكّنت الحزب الإسلامي من التموقع في المشهد السياسي المغربي، إلا أن هذا التكتيك قد يعود عليها بالوبال لا سيما أن المخزن المغربي لن يرضى بتواصل حكم الإسلاميين وتمكنهم من الحكم والتغلغل في الإدارة والمؤسسات البلاد، وبالتالي فإن خسائر العدالة والتنمية ستكون أكثر من أرباحهم السياسية الظرفية.

خلاصة القول، إن تنازل سعد الدين العثماني ومن ورائه حزب العدالة والتنمية المغربي عن الثوابت المتأصلة في جذور الحركة لا يُدلل إلا على دخول هذا المكون السياسي في دائرة سلطة المخزن، وعلى قدرة بلاط الملك محمد السادس على تطويع الإسلاميين الذين كانوا يمثلون خطرًا لحكمه إبان اندلاع الثورات العربية وتهديدًا لاستمرار ملكه، وكذلك على مدى تغلغل قوى الثورة المضادة في القرار المغربي والتحكم فيه عبر رسالة مفتوحة مفادها: إننا لسنا الوحيدين عنوان الخذلان فثوار الأمس هم أيضًا خانوا القضية مع فارق فقه الأولويات.