تُشير التقديرات إلى أن نحو 1.2 مليون مواطن سوري مرَّ بتجربة الاعتقال في مرحلة ما، منذ مارس/آذار 2011، وتحول خلال هذه الحقبة ما يقدر بـ99 ألف شخص إلى مختفين قسريًا، في حين أن نظام الأسد مسؤول عن نحو 84 ألف من هذه الحالات.

إن جريمة الاختفاء القسري التي غالبًا ما تكون مصحوبة بأعمال تعذيب، تنتهك القانون الدولي. الجمهورية العربية السورية ليست طرفًا في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، ومع ذلك، فإن حظر الاختفاء القسري ينبع أيضًا من القواعد العرفية للقانون الإنساني الدولي، عندما يحدث نزاع مسلح، وكذلك من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 الذي صادقت عليه سوريا.

في حين أن حالات الاختفاء القسري ليست خاصة بالنزاع السوري المسلح وهي في الواقع سمة مشتركة في العديد من النزاعات المسلحة، إلا أن العدد الهائل لحالات الاختفاء القسري يميز سوريا عن غيرها، لا سيما عند مقارنتها بإجمالي عدد سكان سوريا (21 مليون في بداية الحراك الشعبي عام 2011)، على افتراض أن لكل شخص مختفي قسريًا خمسة أفراد من العائلة أو الأصدقاء على الأقل، فما يقارب نصف مليون شخص متأثرون بشكل مباشر بجريمة الاختفاء القسري، أي قرابة 2.3% من إجمالي السكان، وهذه النسبة العالية جدًا لها تأثير مرعب على المجتمع السوري ككل.

خصائص الاختفاء القسري في سوريا

بصفتي مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد كنت أعمل خلال السنوات العشرة السابقة على قضية الاختفاء القسري في سوريا، ومنذ بداية النزاع، تجمع الشبكة السورية لحقوق الإنسان معلومات عن حالات الاختفاء القسري، وقد لاحظنا أن هذه الجرائم تُستخدم كسلاح حرب في الصراع السوري، بشكل رئيس، وإن لم يكن بصورة حصرية، من القوات التابعة للنظام، ومن خلال عملنا المستمر، حددنا بعض الخصائص الرئيسة للاختفاء القسري في سوريا، التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولًا: عمليات الاعتقال نفسها تعسفية وهي أقرب ما تكون إلى الاختطاف

معظم حوادث الاعتقال في سوريا تتم من دون مذكرة قضائية، وتعتبر هذه الاعتقالات تعسفية، حيث لا يُعرّف من يقومون بالاعتقال عن أنفسهم ولا يُخبرون المواطن عن سبب الاعتقال، كما لا يتم إبلاغ المعتقل بمكان الاعتقال ولا يُسمح له بالاتصال بأسرته، وغالبًا ما تتم هذه الاعتقالات لدى مرور الضحايا عبر نقاط التفتيش أو في أثناء المداهمات.

في الواقع، غالبًا ما تكون قوات الأمن التابعة لأجهزة المخابرات الأربع الرئيسة التابعة بدورها للنظام مسؤولة عن الاعتقالات خارج نطاق القضاء، حيث تشير تقديراتنا إلى أن قرابة 131 ألف شخص لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري لدى النظام.

ثانيًا: النظام مسؤول عن النسبة الكبرى من المختفين

يُعتبر النظام السوري مسؤولًا عن قرابة 89% من حصيلة حالات الاعتقال والاحتجاز، وبالتالي فهو يشكل طرف النزاع الرائد في ارتكاب هذا الانتهاك الحقوقي بشكل ممنهج (لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، التقرير الصادر في 3 من فبراير/شباط 2016).

إضافة إلى ذلك، ونظرًا لأن النظام السوري لم يفتح أي تحقيق خلال السنوات العشرة الماضية في هذا النوع من الحوادث التي ارتكبتها قواته المتحالفة (بما في ذلك المليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني)، فإن هذا الأمر الذي ربما شجع هذه المليشيات أيضًا على القيام بعمليات الاعتقال والتعذيب وإخفاء معتقلين قسرًا، وذلك على الحواجز التي أقاموها عبر الحدود السورية اللبنانية، ويشكل غياب التحقيقات في الواقع ضوءًا أخضر للمليشيات لمواصلة ارتكاب هذه الانتهاكات.

تقوم بقية أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا مثل قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية والتنظيمات الإسلامية المتطرفة وفصائل المعارضة المسلحة بمختلف تشكيلاتها، بإستراتيجيات وممارسات مشابهة لما يقوم به النظام السوري وإن كان بوتيرة ومنهجية أقل مما تمارسه قوات النظام السوري.

نحو 85%، هم من المعتقلين السياسيين وقد تم اعتقالهم على خلفية مشاركتهم السلمية في الاحتجاجات بصفتهم ناشطين في مجال حقوق الإنسان

لا يقوم أحد من أطراف النزاع والقوى المسيطرة بإتاحة أي سجل عام للمجتمع يُظهر أماكن وجود المعتقلين/المحتجزين وأسباب اعتقالهم، ولا ما الأحكام القضائية التي صدرت بحقهم، بما في ذلك عقوبة الإعدام (منظمة العفو الدولية، التقرير الصادر في 2017)، ولا تعلم الغالبية العظمى من الأهالي مصير أبنائها، كما أشارت إلى ذلك الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقاريرها الشهرية وتقاريرها المواضيعية عن الاعتقال والإخفاء القسري.

ثالثًا: أكثر من 70% من المعتقلين يتحولون إلى مختفين قسريًا

كما ذكرنا سابقًا، ينفذ الاعتقالات أشخاص مجهولو الهوية، وفي كثير من الحالات، لا يتمكن المعتقلون من التواصل مع أقربائهم أو محاميهم، علاوة على ذلك، تُنكر سلطات الدولة قيامها بعمليات الاعتقال، نتيجة هذا الرفض للاعتراف بالحرمان من الحرية، ووفقًا للمادة 2 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، تصنف الشبكة السورية لحقوق الإنسان 70% من إجمالي حصيلة هؤلاء المعتقلين على أنهم مختفون قسريًا.

كما أن معظم المعتقلين، نحو 85%، هم من المعتقلين السياسيين، بينما يُشكل بقية المعتقلين (15%) من مقاتلي المعارضة المسلحة، وقد تم اعتقالهم على خلفية مشاركتهم السلمية في الاحتجاجات بصفتهم "ناشطين في مجال حقوق الإنسان وإعلاميين وكوادر طبية وعمال إغاثة وأعضاء أحزاب معارضة وكتاب رأي" أو ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

صورة

رابعًا: يتعرض المعتقلون للتعذيب الوحشي

وفقًا لتقرير خاص صادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الجمهورية العربية السورية 2016، يتعرض المعتقلون لأساليب وحشية من التعذيب الجسدي والنفسي، ولا يكاد ينجو أي معتقل من هذه المعاملة اللاإنسانية.

يعترف المعتقلون تحت التعذيب بارتكاب جرائم لا علاقة لهم بها، ويتم تسجيل اعترافاتهم والاحتفاظ بها ضمن ضبوط في الفروع الأمنية التابعة للنظام، وتستند المحاكم الشاذة التي أنشأها النظام السوري إلى هذه الضبوط في محاكمة من تتم إحالته من المعتقلين إليها، ومع ذلك، تمت إحالة 20% فقط من العدد الإجمالي للمعتقلين فعليًا إلى هذه المحاكم الشاذة، وقد يتم توجيه تهم إليهم لمدة تصل من 8 إلى 9 سنوات كمعدل وسطي.

نحن في الشبكة السورية لحقوق الإنسان نفترض أن أعمال التعذيب مستمرة بحق المختفين قسريًا طيلة مدة احتجازهم، وأن عمليات التعذيب لم تتوقف، لأننا نتلقى باستمرار معلومات عن وفاة لأشخاص مسجلين ضمن قاعدة بياناتنا على أنهم مختفون قسريًا.

خامسًا: تحديات استثنائية في توثيق حالات الاعتقال أو الاختفاء القسري

غالبًا ما تحجم عائلات المختفين عن التعاون أو تقديم تفاصيل عن اعتقال أقاربهم (حتى لو كان بشكل سري)، لا سيما إذا كان المعتقل أنثى، ويعود هذا الإحجام إلى الخوف السائد والمبرّر في المجتمع السوري من أن اكتشاف التعاون قد يؤدي إلى مزيد من التعذيب والخطر على أحبائهم وعلى أنفسهم.

بدلًا من ذلك، تحاول العائلات في كثير من الأحيان التفاوض مع قوات الأمن التابعة للنظام، ومع ذلك، غالبًا ما يبتز هؤلاء الأهالي ويطلبون فدية، التي قد تصل في بعض الحالات إلى آلاف الدولارات (ورقة سياسة للمركز الدولي للعدالة الانتقالية، ص10)، ونتيجة لذلك، فإن إحجام الأقارب عن التعاون يضيف تحديات إضافية لتوثيق الحالات.

كما أدى فشل المجتمع الدولي في ممارسة أي ضغط حقيقي على سلطات النظام السوري للإفراج عن المعتقلين (بمن فيهم أولئك الذين انتهت محكومياتهم) إلى اعتقاد العديد من السوريين أنّه لا جدوى من التعاون في عملية التوثيق.

لكن من دون تعاون الأهالي، لا تستطيع الشبكة السورية لحقوق الإنسان مواصلة توثيق هذه الحالات، وإقناع الأهالي بالتعاون أمرٌ غاية في الصعوبة، عندما لا نستطيع أن نعطيهم أي أمل أو أي معلومة عن مصير أبنائهم.

رغم من هذه التحديات، أنشأت الشبكة السورية لحقوق الإنسان برامج إلكترونية معقدة من أجل جمع بيانات المعتقلين والتحقق منها وتصنيفها وأرشفتها، الأمر الذي مكنَّنا بالتالي من توزيع حالات الاعتقال بحسب الجنس ومكان حادثة الاعتقال والمحافظة التي ينتمي إليها المعتقل والجهة التي قامت بعملية الاعتقال، كما مكّنتنا هذه البرامج من تحليل البيانات ومقارنتها، على سبيل المثال تحديد المحافظات التي اعتقل واختفى النسبة الأعظم من أبنائها.

ولتوثيق حوادث الاعتقال والاختفاء هذه، قمنا على مدى سنوات بعمليات نشر أخبار دورية، وكذلك إصدار تقرير شهري، وغير ذلك من التقارير الخاصة المرتبطة بشؤون المعتقلين، كما نرسل بشكل دوري استمارات خاصة إلى فريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، وإلى المقرر الخاص المعني بالاحتجاز التعسفي، والمقرر الخاص المعني بمسألة التعذيب.

استشراف

نحن في الشبكة السورية لحقوق الإنسان نعتقد أنه في حال استمرار النظام السوري الحاليّ في السلطة، فلن يكون هناك كشف حقيقي عن مصير المختفين قسريًا في سوريا، وقد تضاعفت أعدادهم عشرات المرات، ومن وجهة نظرنا، فإن الحل الوحيد هو تحقيق انتقال سياسي وفقًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، ونحن مقتنعون بأن ذلك هو الخيار الوحيد الذي يضمن للشعب السوري حصوله على حكومة وسلطة جديدة تتمسك بالقيم الديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان، وفي نهاية المطاف تخفف معاناة أسر المختفين، وآمل شخصيًا أن أرى ذلك قريبًا.

* هذه ورقة مُحكّمة، نشرت أولًا بالإنجليزية في Völkerrechtsblog، المدونة العلمية المختصة في مسائل القانون الدولي العام، والفكر القانوني الدولي.