الناشطة السعودية لجين الهذلول

بعد عامين ونصف من الحبس والتحقيقات السرية والتسريبات عن مشاهد تعذيب تعرضت لها الناشطة السعودية لجين الهذلول، أمرت المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض بسجنها لمدة خمس سنوات وثمانية أشهر، بعد إدانتها بالتحريض على تغيير نظام الحكم والتخابر لصالح جهات أجنبية.

الحكم كما نشرته بعض وسائل الإعلام السعودية يتضمن وقف تنفيذ عامين و10 أشهر من العقوبة المقررة (نصف فترة العقوبة) استصلاحًا لحالها وتمهيد السبل لعدم عودتها إلى ارتكاب الجرائم، وأنه في حال ارتكابها أي جريمة خلال السنوات الثلاثة المقبلة، سيعتبر وقف التنفيذ ملغيًا.

قاضي المحكمة في نص الحكم قال: "المدعى عليها - في إشارة إلى لجين - أقرت بارتكاب التهم المنسوبة إليها، ووثقت اعترافاتها نظامًا طواعيةً دون إجبار أو إكراه، وأنه لم يثبت لديه خلاف ذلك مما ادعت به المتهمة في جلسات سابقة".

وبحسب هذا الحكم فإنه من المرجح أن يتم إطلاق سراح الهذلول خلال شهرين أو ثلاثة وذلك بعد احتساب فترة الحبس التي قضتها داخل السجن، منذ توقيفها آخر مرة مايو/آيار 2018 بجانب الفترات المتقطعة الأخرى التي قضتها داخل الحبس بسبب قيادتها للسيارة.

التهم الموجهة للناشطة السعودية شملت: السعي لتغيير النظام السياسي السعودي والدعوة إلى إنهاء ولاية الرجل ومحاولة التقدم لوظيفة في الأمم المتحدة وحضور تدريب على الخصوصية الرقمية والتواصل مع جماعات حقوقية أجنبية ونشطاء سعوديين آخرين، بجانب اتهامها بالتواصل مع دبلوماسيين أجانب بشأن حقوق المرأة في بلادها، وهي التهم التي تستحق عقوبة تتجاوز 20 عامًا على أقل تقدير.

وكانت الهذلول رفقة 12 ناشطة أخرى من المدافعات عن حقوق المرأة قد تم توقيفهن قبل عامين ونصف بتهمة التخابر مع جهات أجنبية، ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تم توقيفها وحبسها، كانت التهم الجاهزة في السابق تتعلق بقيادة السيارة لكنها تغيرت هذه المرة، الأمر الذي أثار الجدل بين الأوساط الحقوقية في الداخل والخارج، ووضع ادعاءات الإصلاح في المملكة على المحك.

توثيق لإستراتيجية الانتهاكات

ما تعرضت له الناشطة الحقوقية خلال فترة توقيفها يعكس وبشكل كبير حجم الثقوب في المنظومة الحقوقية المهلهلة بالسعودية، التي شهدت الكثير من الانتهاكات منذ قدوم ولي العهد محمد بن سلمان الذي ارتكن إلى إستراتيجية التنكيل والتعذيب كأداة لمعاقبة معارضيه وكل من يعترض طريقه نحو خلافة والده على عرش المملكة.

ورغم ادعاءات الإصلاح التي أجرتها الرياض لتحسين وضعها الحقوقي، فإن الواقع يذهب إلى أنها للاستهلاك المحلي ومحاولة تجميل الصورة أمام المجتمع الدولي أكثر منها توجه سياسي، إذ لا تزال الانتهاكات الحقوقية مستمرة وبشكل ربما يكون أكثر كثافة مما كانت عليه في السابق.

الهذلول خلال الفترة التي قضتها داخل حبسها تعرضت لمختلف أنواع التنكيل: اعتداء جنسي وتعذيب بالضرب وصعق بالكهرباء بجانب الحبس الانفرادي، الأمر الذي دفعها أكثر من مرة لإعلان إضرابها عن الطعام لحين وقف موجات التعذيب المستمرة التي تتعرض لها، التي كان لها تأثيرها الواضح على صحتها التي تدهورت بشكل لافت.

الحكم على الهذلول رغم أنه جاء مخففًا على غير الأحكام الواردة في مثل تلك القضايا وبذات الاتهامات،  أثار استنكار الكثير من المؤسسات الحقوقية والدولية

وفي أغسطس/آب 2019 كشفت أسرة الناشطة المحبوسة عن عرض تلقته بإطلاق سراحها مقابل نفي تعرضها للتعذيب في الحبس من خلال مقطع فيديو تقوم ببثه، إلا أنها رفضت هذا العرض، ما دفع السلطات السعودية للانتقام منها من خلال تكثيف جرعات التنكيل.

وعليه أضربت عن الطعام في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، أي قبل شهرين من اليوم، احتجاجًا على ظروف اعتقالها التي وصفت بأنها انتهاك صارخ ضد الإنسانية، فيما تم منع أخبارها عن أسرتها التي تقدمت بأكثر من شكوى للإبلاغ عن اختفائها وعدم معرفتهم بمكان وظروف احتجازها وحالتها الصحية.

وكانت أسرة الهذلول قبل عشرين شهرًا قد تقدمت بدعوى قضائية بشأن تعرضها للتعذيب والتحرش على أيدي حراس السجن، إلا أن محكمة الرياض رفضت الدعوى الأسبوع الماضي، الأمر الذي أثار انتقادات حادة داخل الأوساط الحقوقية، علمًا بإمكانية الطعن على هذا الحكم خلال 30 يومًا وهو ما تعتزم أسرة الناشطة فعله.

إدانات دولية

الحكم على الهذلول رغم أنه جاء مخففًا على غير الأحكام الواردة في مثل تلك القضايا وبذات الاتهامات، فإنه أثار استنكار الكثير من المؤسسات الحقوقية والدولية، فيما أعربت بعض الدول عن قلقها إزاء ما يحمله هذا الحكم من دلالات بشأن الوضعية الحقوقية في السعودية رغم ادعاءات السلطات هناك.

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في تغريدة له على صفحته على "تويتر" دعا السلطات السعودية إلى الإفراج المبكر عن الناشطة الحقوقية، معتبرًا أن الأحكام الصادرة بحقها مقلقة للغاية، ولافتًا إلى إمكانية الإفراج عنها مناشدًا بتحقيق ذلك على وجه السرعة.

الحكم الصادر عبارة عن إستراتيجية خروج لحفظ ماء وجه الحكومة السعودية بعد تعرضها لضغوط دولية كبيرة من أجل الافراج عنها

أما إليزابيث برودريك التي ترأس فريق الأمم المتحدة المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات، فأعربت عن قلقها الشديد إزاء الحكم على الهذلول باتّهامات زائفة، مضيفة في بيان لها "نُطالب مجددًا المملكة العربية السعودية بالإفراج فورًا عن هذه المدافعة عن حقوق الإنسان التي ساهمت بشكلٍ كبير في إعلاء حقوق النساء".

فيما أدانت منظمة هيومن رايتس ووتش على لسان مسؤولها آدم كوجل هذا الحكم، قائلًا: "القضية المرفوعة ضد لجين التي ترتكز فقط على نشاطها في مجال حقوق الإنسان هي صورة زائفة للعدالة وتكشف إلى أي مدى سيذهبون لاقتلاع الأصوات المستقلة".

أمريكيًا.. وصف مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، جيك سوليفان، الحكم بـ"غير العادل والمزعج"، لافتًا في تغريدة على صفحته على "تويتر" أن هذا الحكم جاء بسبب أنها مارست أبسط حقوقها المشروعة، متابعًا "مثلما قلنا سابقًا، إدارة بايدن-هاريس ستقف بوجه خروقات حقوق الإنسان أينما حدثت".

حفظ ماء الوجه

الاتهامات التي وجهت للناشطة السعودية تتجاوز عقوبتها عشرات السنوات وليس خمسة فقط مع إيقاف تنفيذ نصفها، وهو ما فسره البعض بأنه رضوخ للضغوط الدولية الممارسة على المملكة للإفراج عن الهذلول بعدما أضحت قضيتها قضية رأي عام دولية.

الإفراج عن الهذلول مباشرةً كان سيضع الرياض في موقف حرج، لا سيما على المستوى الشعبي الداخلي، وعليه كان هذا الحكم المخفف، وفق ما ذهب مصدر مقرب من العائلة في تصريحاته لوكالة فرانس برس حيث قال إن الحكم الصادر عبارة عن إستراتيجية خروج لحفظ ماء وجه الحكومة السعودية بعد تعرضها لضغوط دولية كبيرة من أجل الافراج عنها.

وفي الجهة الأخرى يرى حساب "معتقلي الرأي" المعارض على "تويتر" أن هناك تحايلًا من القضاء السعودي على حكم السجن حتى تخرج الهذلول خلال مدة قصيرة جدًا، استجابة للضغوط الممارسة على المملكة، لكنه انتقد في الوقت ذاته ما سماه "إصرار السلطات السعودية على وصم لجين الهذلول بالعمالة والخيانة".

ضغوط عدة من المتوقع أن تتعرض لها السعودية مع ولاية الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن مقاليد الحكم في الـ20 من يناير/كانون الثاني القادم، تتعلق في المقام الأول بالملف الحقوقي المشين، الذي جعل المملكة في مرمى الانتقادات الدولية لا سيما بعد التفاصيل المرعبة التي شهدتها عملية تصفية الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل مقر قنصلية بلاده في إسطنبول، أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وفي المحصلة يبدو أن المساعي التي يبذلها ابن سلمان لتجميل صورته المشوهة دوليًا لم تحقق النجاح المطلوب رغم الأموال الباهظة التي يدفعها نظير تحسين تلك الصورة، وعليه فإن قضية الهذلول لن تكون الأخيرة في مسلسل الرضوخ للضغوط الدولية وهو ما ستنكشف حلقاته تباعًا خلال المرحلة المقبلة.