مغادرة آلاف الوافدين سلطنة عمان

فرضت جائحة كورونا واقعًا جديدًا مغايرًا لما هو معتاد لسنوات طويلة، حيث أغلقت بعض دول الخليج أبوابها بعدما كانت مناطق جاذبة للعمالة الأجنبية وقبلة للباحثين عن تحسين أوضاعهم المعيشية، وعلى رأس تلك الدول تأتي سلطنة عمان التي تخلت عن نسبة كبيرة من عمالتها الوافدة خلال الأشهر الماضية.

الجائحة ومعها الأزمة الاقتصادية والمالية الناجمة عن الضربة القاصمة التي تعرض لها سوق النفط العالمي في أعقاب انهيار أسعاره خلال العام الحاليّ كانت دافعًا قويًا لهروب قرابة ثلث العمالة الأجنبية في السلطنة، لتجد عشرات آلاف الأسر المغتربة نفسها على أرصفة البطالة، فيما يقبع أضعاف هذا الرقم في خندق الرضوخ لانتهاكات عدة تعرضوا لها، سواء عبر تقليص رواتبهم أم مضاعفة الجهد المبذول بلا مقابل.

وبينما يلملم هذا العام أوراقه ما زالت موجات العمالة المغادرة للسلطنة تتدافع موجة تلو الأخرى، فيما تبقى شهادات المغادرين جروحًا لم تلتئم بعد، هذا في الوقت الذي تعاني فيه مسقط من أزمة اقتصادية طاحنة رغم إستراتيجية التقشف التي تنتهجها منذ عامين.

270 ألف وافد يغادرون عمان

أظهرت البيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات (حكومي) أن ما يقرب من 272.1 ألف عامل أجنبي غادر سلطنة عُمان خلال 11 شهرًا، من يناير وحتى نهاية نوفمبر 2020، بما نسبته 16% من إجمالي العمالة الوافدة التي تبلغ 1.44 مليون عامل متراجعة عن 1.71 مليون نهاية 2019.

وكان للقطاع الخاص نصيب الأسد في حجم العمالة المغادرة، حيث أنهى خدمات 218.8 ألف شخص، ليتراجع إجمالي العاملين في هذا القطاع إلى 1.145 مليون عامل، أما في القطاع العام فقد استغنت الحكومة العُمانية عن 12 ألف عامل، بنسبة 21.8% من العمالة الوافدة العاملة بها، ليتراجع عددها من 54.7 ألف بنهاية 2019 إلى 42.7 ألف عامل 2020، كما استغنت العائلات العُمانية عن 36 ألف عامل أجنبي.

وتأتي العمالة الهندية على رأس قائمة أكثر العمالة المغادرة خلال هذا العام بواقع 125.7 ألف عامل بما نسبته 20% من إجمالي المغادرين، ليتراجع عددهم إلى 491 ألف عامل، محتلة بذلك المركز الثاني بعد العمالة البنغالية التي وصل عددها إلى 552.4 ألف شخص، فيما غادر منهم 78.3 ألف، بنسبة 12.4% من إجمالي العدد.

وفي المرتبة الثالثة جاء الباكستانيون، إذ غادر منهم 26.33 ألف شخص، يليهم المصريون رابعًا بـ4.1 ألف عامل، ليتراجع عددهم من 35 ألفًا نهاية 2019 إلى 30.9 ألف نهاية هذا العام، فيما تذهب المؤشرات إلى أن أعداد المغادرين مرشحة للزيادة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجهها البلاد.

يذكر أن قطاع البناء والتشييد هو القطاع الأكثر استيعابًا للعمالة الوافدة، فكان يعمل به 490 ألفًا بنهاية ديسمبر من العام الماضي لكنه تراجع هذا العام ليصل إلى 381 ألف عامل، يليه في المرتبة الثانية قطاع تجارة الجملة وإصلاح المركبات الذي تراجع من 235.6 ألف عامل نهاية 2019 إلى 204 آلاف نهاية نوفمبر الماضي.

الوضعية الصعبة التي تعاني منها العمالة الأجنبية في السلطنة هذه الأيام تعود بالأذهان إلى الأزمة المالية العالمية 2010 التي تسببت في مغادرة ما يزيد على 340 ألف وافد خارج البلاد، هذا بخلاف تدني الأحوال المعيشية للمقيمين هناك، في وقت كانت تعاني فيه السلطنة من تدهور كبير في مؤشرات النمو الاقتصادي.

دفعت تلك المؤشرات السلبية وزير الاقتصاد العماني سعيد بن محمد الصقري إلى توقع أن يمنى اقتصاد بلاده بانكماش قدره 4% في المتوسط هذا العام

بين الرحيل والتقشف

"خيروني بين إنهاء العقد والقبول بتقليص الراتب للنصف"، هكذا علق مسعد، الشاب المصري الذي يعمل بإحدى شركات الاتصالات في مدينة صلالة، لافتًا إلى أن الشركة خفضت ما يزيد على ثلثي العمالة الوافدة التي تشكل السواد الأعظم من عمالة الشركة، فيما تم الإبقاء على العمانيين.

وأضاف الشباب الثلاثيني أنه اضطر لقبول تقليص الراتب الذي لا يتجاوز 750 دولارًا فيما رفض آخرون البقاء، الأمر الذي أدى إلى إنهاء عقودهم مع الشركة، ليجدوا أنفسهم بين مطرقة البحث عن عمل آخر وسندان العودة إلى وطنهم الأم، وبعد الفشل في وجود البديل كان الحل هو المغادرة.

وعن أسباب القبول بهذا الخيار الصعب أشار مسعد إلى أن الوضع في مصر أكثر سوءًا مما هو عليه في عمان، وعليه فإن نصف الراتب الذي يتقاضاه في السلطنة سيكون بأي حال أفضل من راتب كامل في بلاده، خاصة أن نسبة كبيرة من أصدقائه أبلغوه بأنهم فقدوا وظائفهم منذ تفشي فيروس كورونا.

يذكر أنه في الآونة الأخيرة اعتمدت مسقط إستراتيجية جديدة لـ"تعمين الوظائف" حيث استبدال العمالة الوافدة بأخرى وطنية بما يساهم في حل مشكلة البطالة التي تفاقمت خلال الآونة الأخيرة، بجانب تقليل عدد العمالة الأجنبية وعليه تخفيض حجم الأموال المحولة شهريًا خارج البلاد.

لم تكن العمالة الوافدة في سلطنة عمان وحدها ضحية الجائحة، فالوضع في بقية دول الخليج لا يختلف كثيرًا عن المشهد العماني

مأزق الاقتصاد العماني

يعاني الاقتصاد العماني خلال العامين الماضيين من أزمات حادة، حيث تلقى العديد من الضربات الموجعة بسبب تراجع أسعار النفط الذي يعد المحور الأكبر الذي يعتمد عليه اقتصاد البلاد، حيث شهد السوق النفطي تهاويًا كبيرًا في منسوب الأسعار وصل في بعض الأحيان إلى ما دون دولارين للبرميل في أبريل/نيسان الماضي، الأمر الذي انعكس سلبًا على الدخل القومي للدول.

الأزمة تعززت بصورة أعمق مع تفشي جائحة كورونا التي كان لها ارتداداتها العكسية على الاقتصاد، حيث تراجعت معدلات الطلب وانكمشت العديد من الأسواق فيما توقفت كثير من الأنشطة على رأسها السياحة والنقل والطيران ومعها المشروعات الوطنية وغيرها من المجالات الأساسية لتحريك المياه الاقتصادية.

دفعت تلك المؤشرات وزير الاقتصاد العماني سعيد بن محمد الصقري إلى توقع انكماش اقتصاد بلاده بنسبة 4% في المتوسط هذا العام، مبررًا ذلك بكورونا وانخفاض أسعار النفط، وذلك رغم المحفزات المالية التي قدمتها مسقط لتحسين المنظومة الاقتصادية بلغت قيمتها 8 مليارات ريال (20.78 مليار دولار).

وقد أجرى السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، حاكم البلاد الجديد، العديد من الإصلاحات والتغييرات داخل الجهاز الإداري لبلاده من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه اقتصاديًا، كما أقر تطبيق ضريبة القيمة المضافة بدءًا من أبريل/نيسان القادم بهدف دعم إيرادات السلطنة، لكنها خطوات لم تثبت فعاليتها بعد.

وفي المحصلة لم تكن العمالة الوافدة في سلطنة عمان وحدها ضحية الجائحة، فالوضع في بقية دول الخليج لا يختلف كثيرًا عن المشهد العماني، فضلًا عن دول المنطقة التي تعرضت اقتصاداتها لهزات عنيفة العام الحاليّ على وجه التحديد، الأمر الذي يضع الكثير من التساؤلات عن مستقبل الوظائف في العالم العربي ومؤشرات البطالة المتوقع تصاعدها خلال العام الجديد.