السيناريست المصري وحيد حامد

توفي الكاتب والسيناريست المصري وحيد حامد، عن عمر يناهز الـ77 عامًا، ظهر اليوم السبت، إثر تعرضه لأزمة قلبية نُقل على إثرها إلى أحد المستشفيات بالقاهرة قبل أن تتدهور حالته ليغادر الحياة بعد أن أثرى المكتبة السينمائية والدرامية المصرية بعشرات الأعمال.

كان الظهور الأخير للسيناريست المثير للجدل خلال تكريمه في الدورة الـ42 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي عقد في الفترة من 2-10 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، بجائزة الهرم الذهبي التقديرية، وهي الجائزة التي اختتم بها سجله الحافل بعشرات الجوائز والأوسمة.

عمل حامد مع عمالقة الإخراج في مصر على رأسهم سمير سيف وشريف عرفة وعاطف الطيب، كما كتب لكبار الفنانيين في تاريخ السينما المصرية مثل عادل إمام وأحمد زكي ونبيلة عبيد وغيرهم، ولم يقتصر عمله على كتابة السيناريو فقط، فقد أشرف على بعض ورش العمل بالمعهد العالي للسينما، بجانب أنه كان كاتبًا مخضرمًا في بعض الصحف المحلية المصرية.

يعد الكاتب الراحل أحد أبرز من شكلوا العقلية المصرية من خلال أعماله التي ترجمت إلى أفلام ومسلسلات، حيث انخرط في المشكلات التي تواجه المجتمع المصري بشتى أنواعها، فاستطاع أن يتوغل إلى دائرة الوعي الشعبي من أوسع الأبواب، ليتصدر على مدار ما يزيد على ربع قرن تقريبًا قائمة أشهر الكتاب السياسيين في مصر.

من القصة القصيرة إلى السيناريو

في حكايته عن بدايته الأدبية والتحول الذي طرأ بمسيرته الفنية، تقول الشاعرة والناقدة المصرية جيهان عمر نقلًا عن وحيد حامد إنه حين شرع في كتابة أول مجموعة قصصية له ذهب إلى مكتب الكاتب الكبير يوسف إدريس في صحيفة الأهرام الحكومية، وترك له المجموعة ثم أخبره بالعودة بعد عدة أيام ليتعرف على رأي الأديب المخضرم فيما كتبه.

وحين عاد حامد وجد خبرًا له عند باب الصحيفة مع أفراد الأمن أن يصعد لإدريس في مطعم الأهرام لتناول وجبة الغذاء معه، وحين جلس أمامه وسأله عن رأيه فيما كتب، أجابه إدريس بأن ينظر خلفه، وبالفعل نفذ حامد التعليمات ونظر لكنه لم يجد شيئًا إلا مبنى الإذاعة والتليفزيون "ماسبيرو".

للوهلة الأولى لم يفهم الأديب الشاب مقصد الكاتب المخضرم، ليعاود النظر مجددًا إلى إدريس الذي قال له: "موهبتك هناك في ماسبيرو حيث كتابة السيناريو"، وهنا بدأ حامد يكتشف نفسه ككاتب جيد للسيناريو بشهادة أحد عمالقة الأدب والكتابة في هذا الوقت.

تمسك الشاب بنصيحة أستاذه وعلى الفور أعاد اكتشاف نفسه ليترك القصة القصيرة ويتوجه قلبًا وقالبًا إلى كتابة السيناريو ليصبح خلال السنوات التالية أحد أشهر من كتبوا قصص الأفلام والأعمال الدرامية في مصر والعالم العربي، مسطرًا بمداد من ذهب اسمه في سجلات الفن المصري.

مرآة المجتمع

كان حامد كاتبًا ذكيًا وقارئًا جيدًا للواقع وملابساته وعرافًا مخضرمًا لما يريده الشارع ويميل إليه العقل المجتمعي، ومن ثم عرف من أين تؤكل الكتف، فكان العرض موافقًا للمطلوب، واستطاع أن يدخل قلوب المصريين من خلال تلبيته لما يدور بأذهانهم ويداعب مخيلاتهم.

وخلال فترتي حسني مبارك وأنور السادات لعب الرجل على أوتار المشاكل الاجتماعية التي كانت تواجه المصريين في ذلك الوقت، فكانت أعماله مرآةً حقيقيةً للمجتمع، فرصد التغول الذي أصاب الفاسدين بسبب استغلال مرحلة الانفتاح الذي أقرها السادات خلال فيلم "الغول" عام 1983 بطولة عادل إمام وفريد شوقي.

ثم رصد جرائم التعذيب والانتهاكات التي كانت تمارس داخل سجون ومعتقلات عبد الناصر من خلال أكثر من عمل، أبرزهم فيلمه الشهير "البريء" عام 1986 و"كشف المستور" الذي تم إنتاجه عام 1994، ثم عاد ليكشف العلاقة بين الفساد والسياسة من خلال فيلم "الراقصة والسياسي" عام 1990 وهو الفيلم الذي حمل العديد من الإسقاطات على عالم الوزراء ورجال الأعمال وعلاقتهم بالفنانيين والراقصات.

وخلال فترة مبارك، وحين انتشرت ظاهرة التزاوج بين السلطة ورأس المال، والثمن الذي دفعه المواطن المقهور جراء هذه العلاقة غير الشرعية، كتب فيلمه "المنسي" الذي يجسد معاناة الشعب اليومية مع أباطرة السياسة ورجال الأعمال، كذلك فيلم "النوم في العسل" الذي انتقد فيه تغول الحكومة على المواطن وتحويله إلى كائن لا قيمة له ولا فائدة منه بعد أن أفقدته خصوبته ورجولته.

مناهضة الإسلاميين

كان السيناريست الراحل أحد أبرز المناهضين للإسلاميين في أعماله السينمائية والدرامية، البداية من مسلسل العائلة 1994 الذي حمل أول انتقاد مباشر للتيارات الإسلامية، مرورًا ببعض الأعمال الأخرى التي حرص فيها على تشويه صورة الإسلاميين ومنها بجانب "طيور الظلام" و"الإرهاب والكباب"، "دم الغزال" 2005 و"عمارة يعقوبيان" 2006 و"احكي يا شهرزاد" 2009 ومسلسل "الجماعة" 2010.

بعض الداعمين لفكر حامد يرون أنه لم يتخذ هذا الموقف المناهض من الإسلاميين فقط، بل كان يسعى من خلال مشروعه الفني لتفكيك الاستبدادين، السياسي والديني، وهو ما اتضح خلال عدد من أعماله منها "سوق المتعة" 2000 و"معالي الوزير" 2002 وغيرها من الأعمال التي كانت تبشر بثورة شعبية ضد النظام بعدما وصلت الأمور إلى هذا الحد.

المتابع الجيد لأعمال حامد منذ مسلسل "العائلة" عام 1994 وحتى "الجماعة" 2010 يلاحظ أن مواجهة الإسلاميين كانت أحد المرتكزات الفكرية لمسيرة السيناريست الراحل، مستغلًا في ذلك خصومة الدولة معهم، الأمر الذي كان يمنحه الضوء الأخضر لتشويههم دون قلق من الأجهزة الرقابية، فضلًا عما كان يحقق له ذلك من مكاسب أخرى سواء من النظام أم المؤيدين له.

ولعل الجدل الذي أثاره مسلسل الجماعة بجزئيه (وافته المنية قبل أن يكمل الجزء الثالث) يوثق هذا التوجه بشكل كبير، فالعمل الذي تناول قصة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، تطرق إلى سمات شخصية ودقيقة في حياة الشيخ حسن البنا، مؤسس الجماعة، يعتبرها البعض مضللة وبعيدة تمامًا عن الحقيقة، فضلًا عما يراه البعض من مغالطات تاريخية للكثير من المعلومات التي تناولها العمل وتعكس حجم التسييس الواضح الذي خيم على كتابته.

استدعاء بين الحين والآخر

تميزت أعمال حامد بتشخيصها الجيد للمشهد المصري بكل تفاصيله، ونظرًا لأنه في بلد يعاند فكرة التغيير في حد ذاتها كمصر، يبقى المشهد بمعظم سماته لا يتغير مهما تعرض لموجات التغيير، وعليه تظل أعماله المكتوبة قديمًا مناسبة وبشكل كبير لما يحدث مستقبلًا وهو ما بدأ يتضح منذ 2011 وحتى اليوم.

لم يجد المصريون في ثورة 25 يناير 2011 أفضل من إكليشيهات وحيد حامد في أفلامه ليطبقوها على الساحة السياسية في مصر، منها على سبيل المثال العلاقة بين الحزب الوطني الحاكم (المنحل) والإخوان، حيث جسدها فيلم "طيور الظلام" حيث قال ممثل الحزب الحاكم في الفيلم، عادل إمام، لرياض الخولي ممثل الجماعة: "إنت عايش في أمان بسببي"، ليرد الخولي: "وإنت عايش في نعيم بسببي".

حتى بعد أن زُج بمئات الإخوان داخل السجون، كان البعض يتوقع أن يتم الإفراج عنهم في أقرب وقت أسوة بما حدث مع رموز الوطني المنحل، وهنا استشهد البعض ببعض العبارات التي تناولها نفس العمل، حين قال ممثل الإسلاميين: "أنا خارج خارج"، وكان يقصد من السجن فيرد عليه ممثل الحزب الحاكم: "وأنا خارج قبلك".

وفي أجواء التنكيل التي تعرضت لها المعارضة المصرية بعد 2013 استدعى النشطاء بعض الفقرات من فيلم "البريء" الذي كان يناقش استغلال السلطة لجهل البعض لإقناعهم بأن معارضة النظام خيانة وضد مصلحة البلد، ويلخص حامد هذا الوضع على لسان أحد المجندين في معتقل للمعارضة، حين يسأل معتقلًا: "هما بيعملوا فيكوا كده ليه؟"، فكان رده: "علشان إحنا اللي فهمنا يا سبع الليل" في إشارة أن كل من يفهم أهداف النظام ومخططاته لا بد أن يكون مصيره الاعتقال والحبس.

وخلال التعديلات الدستورية الأخيرة في 2018 التي كانت تستهدف الإبقاء على السيسي في السلطة أطول فترة ممكنة، كان السؤال الأبرز لدى الشارع: لماذا إجراء التعديلات من الأساس طالما يمكن إبقاء الوضع على ما هو عليه ولا أحد يجرؤ أن يعارض أو ينتقد؟ وهنا استدعى الناس إكليشيه فيلم "طيور الظلام" الذي قال فيه: "وإحنا ناس لازم الباطل بتاعنا يبقى قانون".

ظاهرة التسريبات الجنسية والسرية التي انتشرت مؤخرًا لبعض المعارضين بهدف تشويه صورتهم، كانت مثار جدل وحديث لكثير من المثقفين والساسة على حد سواء، وهي الظاهرة التي تناولها الكاتب المصري في فيلم سابق له "كشف المستور" الذي كان يتطرق للعبة التسريبات وكيف تُستخدم مع الخصوم السياسيين.

اللافت للنظر أن القضية التي كتبها حامد منذ أكثر من ربع قرن تم تطبيقها حرفيًا مع النائب والمخرج خالد يوسف، الذي قال خلال لقاء صحفي معه مؤخرًا إن هاتفه الخلوي سرق منه وتم تسريب بعض المقاطع بداخله بسبب موقفه الرافض للتعديلات الدستورية الأخيرة، التي اضطر على إثرها لمغادرة البلاد رغم أنه كان شريكًا أسياسيًا في إخراج مشهد 30 يونيو 2013.

صائد الجوائز

لُقب السيناريست الراحل بـ"صائد الجوائز" نظرًا لكم الجوائز والتكريمات التي حصل عليها خلال مسيرته الفنية الطويلة، ومنها: جائزة أحسن مسرحية عن مسرحية "آه يا بلد" من وزارة الثقافة وجائزة مصطفى أمين وعلي أمين عن فيلم "البريء" وجائزة أحسن فيلم "الإرهاب والكباب" 1993 وجائزة أحسن سيناريو "الراقصة والسياسي" عن الجمعية المصرية لفن السينما، عام 1995.

وفي عام 1996 حصل على جائزة أحسن فيلم "طيور الظلام" من جمعية الفيلم، كذلك جائزة أحسن سيناريو عن فيلم "معالي الوزير" من مهرجان السينما الإفريقية وجائزة نجيب محفوظ عن مجمل أعماله الدرامية التليفزيونية من مهرجان القاهرة للإعلام العربي 2010 وجائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة وجائزة الدولة التقديرية وجائزة النيل عام 2012 وهي أعلى جائزة تمنحها الدولة.

واختتم الراحل رحلته مع الجوائز بجائزة الهرم الذهبي التقديرية التي حصل عليها خلال مهرجان القاهرة السينمائي الأخير في دورته الـ42، ليسدل الستار على تاريخ طويل من الإبداع والتألق، استطاع خلاله ولمدة تزيد على 25 عامًا تقديم عشرات الأعمال الخالدة التي لن ينساها المصريون.

وفي المجمل يمكن القول إن وحيد بذكائه المعهود استطاع أن يتخذ مهادنة السلطة طريقًا لانتقادها عند السقف المسموح به، ومن تملق الحاكم وسيلة عبور آمنة لأعماله دون عراقيل الرقابة التي عانى منها في بعض الفترات قبل أن يعيد تصحيح الأوضاع بمواقف أكثر مهادنة.

وبعيدًا عن الموقف السياسي للكاتب المصري المولود في يوليو/تموز 1944 بمحافظة الشرقية وتخرج في كلية الآداب قسم علم الاجتماع بجامعة القاهرة، يظل علامة فارقة في تاريخ الفن المصري، وأحد رواد الجيل الذهبي الذي أثرى المكتبة السينمائية والتليفزيونية بأعمال وازنة ومشهودة.