في خضم مستجدات إقليمية فارقة، ومنذ ساعاتٍ قليلة، بثت وكالات الأنباء العالمية، خاصة تلك العاملة في منطقة أوراسيا، خبرًا عن "مولودٍ" فضائي جديد ينتمي إلى تركيا، قطعة ضخمة من الحديد ظاهرًا، لكنها قادرة على السباحة في الفراغ الكوني وإرسال واستقبال البث والاتصالات.

استدعى هذا الخبر المهم، رغم تأثير بعض الأخبار الأخرى عليه، وهو طبع صاحبة الجلالة منذ نشوئها، خبر يجب خبرًا، والأولوية للسياسة والاقتصاد، وللزمن عامل فارق، فضولًا عند كثير من المهتمين بعلم الفلك وشؤون منطقة أوراسيا بالأساس، وبعض الباحثين في دهاليز التجربة التركية، نحاول في هذا التقرير دفع بعضه، من خلال تقديم أهم ما ينبغي لك معرفته من زاوية الحدث وأبعاده الرئيسية الأخرى.

إطلالة على برنامج تركيا الفضائي

وصف الأنشطة الفضائية لدولة ما بـ"البرنامج" يحيل القارئ مباشرةً إلى صورةٍ ذهنية إيجابية، تدور في حمولتها النفسية حول مفاهيم وأبجديات توافر: الإرادة السياسية والخبرة والمعرفة المتاحة والتمويل اللازم، لتنفيذ مشروعات محددة، بجداول زمنية واضحة، ضمن الطموح الفضائي.

لكن المفاجأة، وعلى الرغم من استخدام هذا المصطلح "برنامج" على الأنشطة الفضائية التركية، فإنه لا يعد دقيقًا بالشكل المنشود، فقد بدأت تلك الجهود، رسميًا، منذ الثمانينيات، وتكللت بإطلاق أول قمر صناعي تركي، وتركي هنا وصف مخاتل أيضًا لأنه، وإن بدا أنه يشير إلى التصنيع المحلي فإنه يرمز في الواقع، خلال هذا التوقيت الذي أطلق فيه القمر، منتصف التسعينيات، إلى امتلاك تركيا هذا القمر فقط، دون تصنيعه.

أسباب بيروقراطية كثيرة حالت دون تقدم الأنشطة الفضائية لدولة تركيا بشكل ملحوظ في هذه الفترة

إذًا، في خلال هذا التوقيت، وعلى الرغم من أن هذه الجهود كانت مبكرة، قياسًا بطموحات دول أخرى في المنطقة، وخاصة الدول العربية، فإننا لم نكن بصدد برنامج تركي حقيقي بالمعنى الدقيق لهذا المركب الاصطلاحي، فمع عدم توافر إرادة سياسية جادة وغياب قاعدة تصنيعية متطورة ووجود مقيدات دولية، وفي ظل هجرات مكثفة للكوادر البشرية، لم تستطع تركيا منذ منتصف التسعينيات حتى منتصف العقد الأول من القرن العشرين إطلاق أكثر من قمرين صناعيين إلى الفضاء، اعتمادًا على القدرات الخارجية بشكل رئيس.

إلى جانب الأسباب السابقة، فإن أسبابًا بيروقراطية كثيرة حالت دون تقدم الأنشطة الفضائية لدولة تركيا بشكل ملحوظ في هذه الفترة، وكان أبرزها تشتيت الجهود الوطنية في هذا المجال بين عدد ضخم من المؤسسات والمعاهد والوزارات مثل وزارة الدفاع الوطني ووزارة النقل ووزارة الاتصالات ورئاسة الصناعات الدفاعية ومعهد توبيتاك لتكنولوجيا الفضاء ومركز تكامل الأنظمة الفضائية وتجاربها.

تحول بطيء ملحوظ

يعرف من لديه خبرة بسيطة في المجال الإداري أو دهاليز العمل الحكومي، أن توزيع الأنشطة الفضائية على أكثر من حقل تخصصي يرجع في الأساس إلى تقاطع هذه الحقول مع الجهود الفضائية، وبالتالي تحتاج كل مؤسسة إلى تخصيص وحدة إدارية تابعة لها لتخدم أنشطتها في مجال الفضاء، وبالفعل تتقاطع الأنشطة الفضائية مع الشؤون الدفاعية والبحثية والاتصالات والإعلام والتجسس والتنمية، وربما أكثر من ذلك.

رغم وجاهة هذا التصور، فإنه في ظل مناخ ملبد بالبيروقراطية وغياب الإرادة السياسية والإمكانات التقنية، ومع معتقد سائد في معظم المجتمعات غير المتقدمة بأن الإنفاق على هذا المجال يعد استثمارًا بلا عائد أو استثمارًا طويل الأجل في أفضل الأحوال، فإن هذا التصور الإداري كان وبالًا على التجربة التركية في مجال الفضاء.

منذ وصوله إلى الحكم في البلاد، سعى حزب العدالة والتنمية التركي إلى معاودة النهوض بهذه الصناعة، على أساس تقاطع الاستثمار في هذا المجال مع مبادئ الحزب نحو تجربته في حكم البلاد، التي تتعلق بأهمية التكنولوجيا في بلد فقير نفطيًا وضرورة دعم القطاع الدفاعي محليًا وخطط الاستقلال عن الهيمنة الخارجية ووضع تركيا في مصاف الدول المتقدمة في هذا الحقل، وهو المفهوم الذي عبر عنه وزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات مصطفى وارنك بشكل واضح منذ عام في حديثه أمام لجنة الخطة والموازنة في البرلمان التركي قائًلا: "من لن يحجز له مكانًا في الفضاء، لن يجد له مكانًا في الأرض مستقبلًا".

وافق مجلس الدفاع الوطني على إنشاء هذه الوكالة عام 2001، إلا إنها لم تخرج إلى النور إلا عام 2018

دفع الحزب نحو دعم برنامج تدريجي في الأنشطة الفضائية، يركز في الأساس على حجز مكان تركيا في المدارات المهمة للأقمار الصناعية المتخصصة في المجالات الأساسية التي نعرفها، مع تكوين قاعدة صناعية بطيئة بالتعاون مع الدول المنفتحة على تقديم هذا الدعم، التي كان معظمها من محيط تركيا الأوراسي، وبحلول عام 2020، كانت تركيا تمتلك 10 أقمار صناعية متطورة، تشارك في تصنيعها بنسب متفاوتة، وتتعدد أغراضها بين دعم البث والاتصالات والتجسس (عائلة جوك تورك) والتنمية، أي أن تركيا باتت تطلق قمرًا صناعيًا جديدًا كل ثلاثة إلى أربعة أعوام تقريبًا.

وفي سبيل التخفف من البيروقراطية الإدارية، كابدت تركيا من أجل إنجاز مشروع وكالة الفضاء الوطنية، فبينما وافق مجلس الدفاع الوطني على إنشاء هذه الوكالة عام 2001، فإنها لم تخرج إلى النور إلا نهاية عام 2018. لا تقضي هذه الوكالة على المؤسسات المستقلة العاملة في مجال الفضاء أو التابعة لكيانات أخرى، لكنها تساعد في التنسيق بينها وتوحيد الجهود الوطنية، مع صلاحيات مالية وتشريعية للاضطلاع بهذا الدور الحيوي.

المرحلة الثانية

زمنيًا، يمكن القول إن البرنامج الفضائي التركي مر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة الإطلاق النظري للمشروع التي شهدت إطلاق عدد محدود من الأقمار بدعم خارجي، والمرحلة الثانية هي تلك المرحلة الحاليّة الممتدة منذ نحو 15 عامًا، والمرحلة الثالثة هي ما بعد تدشين "وكالة الفضاء التركية" التي ستتولى، أيضًا، صياغة المبادئ الأساسية والأهداف المتوسطة والبعيدة والأولويات ومعايير الأداء والأساليب وتوزيع الموارد في البرنامج الفضائي خلال الفترة المقبلة.

لكن، سيستغرق ظهور نتائج ملموسة من أعمال وكالة الفضاء وقتًا طويلًا، حتى تستقر إداريًا وتبني تقاليد مؤسسية راسخة، في هذه الفجوة الزمنية بين تدشين الوكالة وظهور نتائج حقيقية من هذه الخطوة، ستمضي تركيا في خططها للمرحلة الثانية، التي تهدف إلى إطلاق مزيد من الأقمار الصناعية، بأعلى نسبة تصنيع محلي ممكنة، وصولًا للاعتماد الكلي على الخبرات الوطنية في هذا المجال.

في هذا السياق بالضبط، يأتي الخبر، موضوع هذه المادة: إطلاق تركيا قمرًا صناعيًا جديدًا، TurkSat - 5A، من ولاية فلوريدا الأمريكية، بصاروخ Falcon - 9 التابع لشركة Space X المقرونة بالمطور الأمريكي "إيلون ماسك".

يعد هذا القمر من فئة أقمار البث والاتصال، ويعتبر ثمرة تعاون بين شركة "توركسات" التركية المشغل الحكومي لهذا النوع من الأقمار، وعملاق الصناعات الجوية والفضائية الفرنسية "إير باص"، ضمن صفقة مالية وفنية جرى إبرامها منذ 3 أعوام تقريبًا، تتضمن إطلاق قمرين: أولهما هذا القمر المندرج في فئة "الجيل الخامس"، الذي وضع على مدار 31 شرقًا.

يهدف الأتراك إلى أن تكون الأقمار القادمة، محلية الصنع بالكامل، سواء من ناحية تنفيذ القمر أم إطلاقه

بخلاف العوائد المالية التي ستعود على الشركة المشغلة من وراء بيع الخدمات التي يوفرها القمر للشركاء العاملين في هذا المجال، ونقل الترددات التركية إلى مناطق أكثر اتساعًا، في الصين وأوروبا وإفريقيا، فإن هذا القمر من هذا الجيل، يتفوق، فنيًا، على الجيل السابق له بنحو 45%، ويستمر في مداره مددًا أطول مرتين من الأجيال السابقة، كما سيحفظ لأنقرة حقوقها المدارية على المدى الطويل، وفق ما قاله جان مارك نصر رئيس أنظمة الفضاء في الشركة الفرنسية.

خلال نفس المرحلة الثانية، تخطط أنقرة أيضًا إلى إطلاق القمر الثاني في هذه الصفقة (5B)، نهاية العام الحاليّ، أخذًا في الاعتبار تأخير إطلاق القمر الأول، الذي كان يفترض إرساله إلى مداره نهاية العام الماضي، بدلًا من مطلع العام الحاليّ كما جرت الأمور، مما أدى إلى تأخير في إطلاق القمر الثاني، ليصبح نهاية العام الحاليّ، بدلًا من يونيو/حزيران 2021، لكن الحدث الأبرز والأهم بالنسبة للقيادة التركية، سيكون إطلاق القمر "TurkSat - 6A"، الذي يطمح الفنيون الأتراك أن يكون أول قمر محلي الصنع بالكامل، بتكلفة تناهز 600 مليون ليرة، عام 2022، ويرعى جهود تنفيذه الرئيس التركي أردوغان بشكل شخصي.

على المدى البعيد نسبيًا، يهدف الأتراك إلى أن تكون الأقمار القادمة، محلية الصنع بالكامل، سواء من ناحية تنفيذ القمر أم إطلاقه، وتبرز في هذا الصدد جهود شركة "روكيستان" المتخصصة في صناعة الصواريخ، التي تعمل حاليًّا على تدشين صاروخ محلي، قادر على السفر 400 كيلومتر، ويحمل قمرًا يزن 100 كيلوغرام، وفي أغسطس/آب الماضي، افتتح الرئيس التركي منشأة جديدة تابعة للشركة تعمل على تطوير محركات صاروخية بتقنية الوقود السائل، كما تسعى تركيا إلى إطلاق ما يصل إلى 11 قمرًا صناعيًا جديدًا بحلول عام 2039، وهو ما سيتقاطع مع بزوغ دور وكالة الفضاء الوطنية بالتأكيد.

مشاريع أخرى

لا يبدو أن تركيا تخطط في الوقت الحاليّ، على الأقل، للشروع في مشروعات فضائية ذات طبيعة دعائية، كالسفر إلى القمر أو المريخ، لكنها، مع التركيز على مجال تصنيع الأقمار الصناعية وإطلاقها بجهود محلية، تسعى إلى توسيع الأنشطة الفضائية ذات الطابع غير الرسمي.

منذ نحو عام، فاز فريق تركي مؤلف من قرابة 40 فردًا بالمركز الثاني في إحدى أكبر المسابقات الأمريكية في مجال الفضاء (Cansat Competition)، التي يشرف عليها تحالف من كبرى الشركات العالمية العاملة في مجال التكنولوجيا والفضاء والدفاع، مثل وكالة ناسا وشركة "لوكهيد مارتن"، وبناءً على هذه النتيجة، استطاع الفريق الظفر بفرص إطلاق قمر صناعي يزن ربع طن، يحمل اسم "Grizu 263- A"، إحياءً لذكرى وفاة عدد كبير من عمال المناجم في ولاية زونغلداق التركية.

وفي وقت قريب، دشنت تركيا مركز "غوكمان" للطيران والفضاء في ولاية بورصة شمال غرب البلاد. يقع المركز على مساحة ضخمة تتجاوز 13 ألف كيلومتر مربع، وجرى بناؤه مع شركة كندية، ويحوي 154 آلةً تفاعليةً ودورين: الأول لمحاكاة أنظمة الطيران وآليات عمل المراوح وتطور المحركات، والثاني لمحاكاة الفضاء مثل فقدان الجاذبية وروبوتات تفقد المريخ ونماذج الصواريخ وتجارب إطلاق "ميركوري" ووحدة التحكم "فوستوك"، وغيرها من الأنشطة المناسبة لكل المراحل العمرية تقريبًا، من الطفولة حتى كبار السن.

صورة

وبولاية أرضروم التركية شرق البلاد، افتتحت السلطات المحلية العام الماضي، أكبر مرصد في البلاد وواحدًا من أهم المراصد في العالم، الذي استغرق إنشاؤه 8 أعوام، بتكلفة تصل إلى 300 مليون ليرة. يتبع المرصد مركز أبحاث وتطبيقات الفيزياء الفلكية بجامعة أتاتورك في الولاية، وقد حظي بدعم مباشر من الرئيس التركي، ويحوي واحدًا من أكبر التلسكوبات في العالم، ضمن بناء يصل ارتفاعه زهاء 3170 مترًا.

فرص وتحديات

رغم محاولة الحكومة التوسع في أنشطة الفضاء المحلية، فإن بعض الباحثين يرون أن هناك مزيدًا من الحاجة لخلق لامركزية فضائية في البلاد، لأن المراكز البحثية الأساسية تتموقع بوضوح في العاصمة أنقرة، وستكون مهمة نقل الثقافة الفضائية لأكبر قدر ممكن من البلدات بعيدًا عن العاصمة ملقاةً على عاتق الكيان الأهم والأكثر تنظيمًا في هذا المجال: وكالة الفضاء الوطنية.

وبالقرب من الجغرافيا الفضائية، لكن في الخارج، يعتقد بعض الباحثين أيضًا، أن تركيا في حاجة إلى تحديد موقعها الفضائي ضمن الدول الكبرى بوضوح، لأن ذلك سيؤثر على مستقبل أنشطتها الفضائية، فعلى الرغم من أهمية التعاون مع الدول الكبرى في هذا المجال، بما قد يجنب البلاد خطر العزل الفني المقصود من دول الصف الأول، فإنه قد يكون من المهم أيضًا الاستفادة من برامج دول أمريكا اللاتينية في هذا المضمار، وبالأخص البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وفنزيلا، كما قد يكون، وفقًا لنفس التقييم، من غير المفيد أن تنجذب تركيا لشراكات مع الدول النفطية الأقل تقدمًا بحثًا عن التمويل، لأن هذا قد يؤثر سلبًا على طبيعة المشروعات التي ستنخرط فيها تركيا، سواء من ناحية الميل إلى الصراعات أم المشروعات الدعائية.

الحكومة التركية يبدو أنها تضع ملف الحفاظ على العقول النابغة في مجال الفضاء نصب أعينها

أما من ناحية الكوادر، يعتقد البعض مثل أوموت يلدز عالم الفيزياء الفلكية في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا في باسادينا كاليفورنيا، أن تدشين وكالة الفضاء قد يساعد في ضمان بقاء العقول النابغة في البلاد، بناءً على حقيقة امتلاك الدولة خطة واضحة في مجال صناعة الفضاء، بعيدًا عن السياسات الدعائية أو غير المخططة كما كان يحدث في السابق.

وبحسب نفس الشخص، فإن الحكومة التركية يبدو أنها تضع ملف الحفاظ على العقول النابغة في مجال الفضاء نصب أعينها فعلًا، مع الأخذ في الاعتبار ما يمكن أن تتحمله الدولة ماليًا للإنفاق على هذه الكوادر مقارنة بالدول التي تمتلك ميزانيات ضخمة في هذا المجال، وذلك في ضوء بعض المبادرات الحكومية لتشجيع خريجي المجالات المتقاطعة مع الفضاء، كالطيران والفيزياء الفلكية، بمبالغ مالية شهرية، لمدد غير بسيطة، لمساعدتهم على الانخراط في أحد البرامج الفضائية المحلية، بما قد يقلص فرص سفرهم إلى الخارج.