لا تزال جائحة كورونا تلقي بظلالها القاتمة على المشهد الاقتصادي مع بداية العام الجديد، لتتساقط ضحاياها واحدة تلو الأخرى، في ظل الموجة الجديدة للوباء التي تزيد معها توقعات معدلات الإصابة والتفشي رغم اكتشاف اللقاحات التي لم تزل في إطار التجربة ولم يثبت فاعليتها بشكل نهائي حتى اليوم.

العمال في الأردن أحدث ضحايا الوباء، وذلك بعد الإجراءات التي اتخذتها حكومة المملكة بهدف مساعدة القطاعات المتضررة من تداعيات الفيروس، لكنها جاءت على حساب العاملين ومستوياتهم المعيشية، الأمر الذي يتوقع معه مزيدًا من التدهور والتدني خلال الأيام القادمة.

الإجراءات المتخذة تضر بالعمال في 47 قطاعًا تقريبًا، معظمها يتعلق بمجال الأيدي العاملة، حيث منحت صاحب العمل سلطة تقليص الرواتب إلى 50% بجانب إمكانية إنهاء عقود العمال في بعض الحالات، ما يعني أن عشرات الآلاف من العمالة الأردنية من المتوقع أن تنضم إلى طابور البطالة قريبًا جدًا.

مذبحة الرواتب

القرارات الحكومية الجديدة أعطت صاحب العمل الحق الكامل في التلاعب بمستقبل المستخدمين لديه، فيجوز له تقليص الرواتب أو إنهاء علاقة العمل، وما لتلك الصلاحيات من مخاوف بشأن استغلالها السيئ، ومنها الابتزاز كأن يزيد من أعباء العمال دون مراعاة ذلك ماديًا.

الحكومة في حزمة القرارات الجديدة أوقفت 9 قطاعات كاملة بشكل نهائي عن العمل، فيما وضعت قيودًا مشددة على 38 قطاع آخر من أشد القطاعات تضررًا بالجائحة، ما يعني وبنسبة كبيرة أن معظم العاملين في تلك القطاعات باتوا على أبواب البطالة.

ودخلت تلك القرارات حيز التنفيذ اعتبارًا من أول يناير/كانون الثاني الحاليّ، وتضمنت تقاضي العمال في المجالات الأكثر تضررًا وتأثرًا بالوباء 75% من رواتبهم الشهرية خلال الخمسة أشهر الأولى من تطبيق الإجراءات، أي حتى نهاية مايو/أيار القادم.

أما القطاعات التي تم إغلاقها بشكل كامل أو غير المصرح لها بالعمل في ضوء المستجدات الأخيرة للتعاطي مع الجائحة فيستحق العاملون بها 50% من الأجر الشهري لمدة 6 أشهر، أي من يناير/كانون الثاني وحتى يونيو/حزيران القادم، مع الوضع في الاعتبار أن العاملين في تلك القطاعات سيحرمون من تطبيق الأحد الأدني للأجور المتوقع تطبيقه بداية العام الحاليّ.

العمال.. الضحية الأكبر للجائحة

القرار يعد طعنةً جديدةً لشريحة كبيرة من العمال، التي لم يكتف الضغط عليها بحرمانها من زيادة الحد الأدنى للأجور وهو المطلب الذي طالبوا به طويلًا، لكنهم يفقدون نصف دخولهم الشهرية، الأمر الذي ينذر بانتكاسة كبيرة في الحالة المعيشية لعشرات آلاف الأسر.

ويعد العمال الضحية الأبرز للجائحة، فمنذ إعلان الحظر الشامل في المملكة كإجراء احترازي تم فرضه بعد تفشي الوباء خلال العام الماضي وبداية العام الحاليّ دفع العاملون الفاتورة الأغلى ثمنًا لتلك الإجراءات الوقائية، لا سيما العمالة اليومية التي تصل نسبتهم إلى ما يقدر بـ48% من القوى العاملة في الأردن.

المرصد العمالي الأردني (مؤسسة اجتماعية مستقلة) انتقد تحميل العمال أضرار تفشي الوباء، مناشدًا الحكومة بضرورة العمل من أجل تعويض القطاعات المتضررة بدلًا من الضغط عليها أكثر، وعدم المساس بحقوق العمال المعيشية خاصة في تلك الأجواء الصعبة التي يحياها الأردنيون جراء ارتفاع معدلات البطالة ونسب الفقر بصورة كبيرة.

 

رغم المحفزات والدعم الذي تقدمه الحكومة الأردنية لعمال اليومية والقطاعات المتأثرة الذي استفادت منه قرابة ربع مليون أسرة خلال العام الماضي، فإنه لم يكن كافيًا بالشكل المطلوب، إذ زادت معدلات الفقر وانضم الكثيرون لطابور البطالة

وفقدت نسبة كبيرة من الأسر الأردنية وظائف أبنائها بشكل كامل خلال 2020 وفق دراسة مسحية أعدها مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية في شهر مايو/أيار الماضي، حيث قالت إن 40% من عينة الدراسة أشاروا إلى أن أحد أفراد أسرهم فقد عمله خلال الفترة الواقعة بين منتصف مارس/آذار ومايو/أيار 2020.

ورغم المحفزات والدعم الذي تقدمه الحكومة الأردنية لعمال اليومية والقطاعات المتأثرة الذي استفادت منه قرابة ربع مليون أسرة خلال العام الماضي، فإنه لم يكن كافيًا بالشكل المطلوب، إذ زادت معدلات الفقر وانضم الكثيرون لطابور البطالة فيما تراجع المستوى المعيشي لنسبة كبيرة من الأسر الأردنية.

ونتيجة للوضعية المعيشية المتدنية، زاد حجم الاحتقان في نفوس العاملين في كثير من القطاعات، منها المجال الزراعي على سبيل المثال، حيث دعا "تجمّع مزارعي الأردن" إلى اعتصام مفتوح أمام مبنى وزارة الزراعة، اليوم، للمطالبة بحل مشكلاتهم وتنفيذ مطالبهم المتعلقة برفع مستوى الأجور للعمالة وخفض أسعار الأسمدة وتقليل الضرائب على مدخلات الإنتاج الزراعي.

الوافدون.. ليسوا بالأفضل

إذا كان هذا هو حال العمالة الوطنية الأردنية فكيف يكون الحال مع العمالة الوافدة؟ سؤال تحمل الإجابة عنه الكثير من الشواهد عن الأوضاع القاسية التي تحياها العمالة الأجنبية في المملكة، لا سيما خلال العام الماضي تحديدًا الذي شهد موجات من الهجرة بسبب تدني المستوى المعيشي.

خلال العام الماضي وبدايات العام الجديد خسر قطاع كبير من العمالة الوافدة وظائفهم فيما كشف المرصد العمالي عن انتهاكات خطيرة لحقوق هؤلاء العمال قائلًا في تقرير له: "تداعيات جائحة كورونا زادت من الضغوطات والانتهاكات التي تتعرض لها قطاعات من العمالة المهاجرة (الوافدة) في الأردن".

التقرير استعرض بعض مظاهر تلك الانتهاكات منها ما تعرضت له عاملات المنازل كزيادة ساعات العمل الطويلة دون مقابل، وتأخر استلام رواتبهن وتقليصها، بجانب المعاملة السيئة التي يعاملن بها هن وغيرهن في قطاعات أخرى، الأمر الذي دفع جزء كبير منهم لمغادرة العمل.

عدد العمالة الأجنبية المقيمة في الأردن حسب إحصاء 2020 تجاوز مليون عامل، 60% منهم أي قرابة 600 ألف يعملون بشكل غير رسمي

وقد انعكست تلك الانتهاكات لا سيما المتعلقة بخفض الرواتب بصورة كبيرة على التحويلات المالية للعمالة الوافدة، التي تراجعت خلال النصف الأول من 2020، بنسبة 17%، إذ بلغت نحو 226 مليون دولار، وهو التراجع الذي عدته الجهات الحقوقية في المملكة لعدم حصول العمال على أجورهم بشكل كامل كما كان في السابق.

يذكر أن عدد العمالة الأجنبية المقيمة في الأردن حسب إحصاء 2020 تجاوزت مليون عامل، 60% منهم أي قرابة 600 ألف يعملون بشكل غير رسمي وغير مسجلين في وزارة العمل، مقارنة بـ40% يعملون وفق القوانين الرسمية للدولة، وإن كانت التوقعات تذهب إلى تقليص هذا العدد خلال المرحلة المقبلة بعد تفاقم الوضع المعيشي هناك.

ويعاني الاقتصاد الأردني من أزمات حادة تعززت بسبب الجائحة، تسببت في زيادة معدلات الفقر بنحو 38 نقطة مئوية في صفوف الأردنيين، لتصل إلى 11%،  فيما ارتفعت نسب البطالة إلى 23.9% في الربع الثالث من العام الماضي، بحسب ما أعلنه البنك الدولي وفقًا لبيانات دائرة الإحصاءات العامة (حكومية).

وكان الأردن قد سجل بالأمس 796 حالة إصابة جديدة بالفيروس و20 حالة وفاة، ليرتفع إجمالي عدد الإصابات بالمملكة إلى 305.959 حالة مقابل 4009 حالات وفاة، فيما قللت الحكومة ساعات الحظر الليلي، وأبقت على إيقاف الرحلات القادمة والمغادرة من وإلى بريطانيا.

وفي المحصلة فإن الأيام القادمة من المتوقع أن يشهد السوق العمالي خلالها موجات جديدة من الهجرة بالنسبة للعمالة الوافدة وتراجع جديد في المستوى المعيشي للعمالة الوطنية، هذا في الوقت الذي تذهب فيه التقديرات إلى استمرار الوضعية الاقتصادية الصعبة حال استمرت الجائحة.