السلطان هيثم بن طارق آل سعيد

أصدر سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد مرسومًا يشكل بموجبه نظام حكم أساسي جديد للدولة، يتضمن وضع آلية محددة ومستقرة لانتقال ولاية الحكم في السلطنة، في إطار سياسته الإصلاحية التي تعهد بها منذ توليه الحكم خلفًا للسلطان الراحل قابوس بن سعيد.

ويعد هذا المرسوم الذي يتزامن مع الذكرى الأولى لتولي آل سعيد الحكم، سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد التي تصدر فيها مراسيم لتحديد نظام أساسي جديد للدولة وتأسيس مجلس تشريعي تلبية لمتطلبات السلطنة في المرحلة القادمة.

وتضمن المرسوم الذي حمل رقم 6 لعام 2021، إستراتيجيات متابعة الأداء الحكومي من خلال تدشين لجنة مختصة تتولي تقييم أداء الوزارات والهيئات التابعة لها، وتكون تابعةً للسلطان، بجانب تأسيس جهاز للرقابة المالية والإدارية لدعم توجهات السلطنة في تحقيق الحوكمة.

الحكم باق في ذرية هيثم

التعديل الأبرز في المرسوم السلطاني الجديد أن مستقبل حكم البلاد سيكون في ذرية السلطان هيثم من بعده، إذ ينص على أن "ولاية الحكم تنتقل من السلطان إلى أكبر أبنائه سنًا، ثم أكبر أبناء هذا الابن، ويستمر هذا التسلسل قائمًا، حتى إن كان للسلطان المتوفي أو المتنازل عن السلطة إخوة، لكن إذا لم يكن لديه أبناء فتنتقل الولاية إلى أكبر إخوته".

وفي حال انتقل الحكم إلى من هو دون سن 21 عامًا، فإن مجلس الوصاية الذي سيعينه السلطان سيمارس صلاحيات الحاكم حتى إتمام الابن السن القانونية للحكم، وفي حال عدم وجود مجلس وصاية يعين مجلس العائلة المالكة مجلسًا مشكلًا من أحد إخوة السلطان واثنين من أبناء عمومته.

وفق هذا التعديل يصبح ذي يزن بن هيثم البالغ من العمر 30 عامًا، أكبر أبناء السلطان، وزير الثقافة والرياضة والشباب الحاليّ، أول ولي عهد للسلطنة

وكان نظام الحكم القديم الذي وضعه السلطان الراحل قابوس يشير إلى أن الأسرة الحاكمة هي من تختار خليفة للسلطان في غضون 3 أيام من خلو المنصب، وفي حال عدم الاتفاق بينهم، يفتح مجلس يضم مسؤولين عسكريين وأمنيين ورؤساء المحكمة العليا ورئيسي المجلسين الاستشاريين، مكتوبًا سريًا يحتوي على اسم حدده السلطان، وهو ما حدث بالفعل بعد ساعات قليلة من إعلان نبأ وفاته في 11 من يناير/كانون الثاني 2020.

ووفق هذا التعديل يصبح ذي يزن بن هيثم البالغ من العمر 30 عامًا، أكبر أبناء السلطان، وزير الثقافة والرياضة والشباب الحاليّ، أول ولي عهد للسلطنة، وكان قد صدر مرسوم في أغسطس/آب الماضي بتعيينه وزيرًا في الحكومة الجديدة ومن قبلها كان سكرتيرًا ثانيًا لسفارة مسقط في لندن.

مجلس الشورى

أما ما يتعلق بانتخابات مجلس الشورى (البرلمان) فنصت التعديلات الجديدة على أن يكون الانتخاب بالاقتراع السري المباشر، مع الوضع في الاعتبار تمثيل المنتخبين لجميع ولايات السلطنة، بما يحقق العدالة لكل المناطق دون تغول ولاية على أخرى.

ولتحقيق النزاهة سيتم توكيل متابعة الانتخابات والإشراف عليها للجنة عليا (يبين القانون طريقة تشكيلها واختصاصاتها ونظام عملها) برئاسة أحد نواب رئيس المحكمة العليا، تتمتع بالاستقلال والحيادية، كما يخول لها الفصل في الطعون الانتخابية، في محاولة لضمان الشفافية والنزاهة.

وعن اختصاصات المجلس استعرضت المادة 72 من النظام الجديد أبرزها ومنها "يختص مجلس عمان بإقرار أو تعديل القوانين، ومناقشة خطط التنمية والميزانية العامة للدولة، وله اقتراح مشروعات القوانين، وذلك على النحو الذي يبينه القانون"، فيما تشير المادة التالية (73) إلى أحقية إصدار السلطان لمراسيم لها قوة القانون في حال عدم انعقاد المجلس بين أدوار الانعقاد وتوقف جلسات مجلس الدولة.

مسألة حصر ولاية الحكم في ذرية السلطان، يراها البعض خطوةً إيجابيةً نحو تيسير عملية نقل الحكم بسلاسة دون انقسامات داخلية

النظام الجديد تطرق إلى إحداث تعديلات في طريقة أداء السلطان لليمين الدستورية قبل ولايته للحكم كما جاء في المادة العاشرة التي تنص على أن "السلطان يؤدي قبل ممارسة صلاحياته، في جلسة أمام مجلس عمان، وبحضور أعضاء مجلس العائلة المالكة وأعضاء مجلس الوزراء وأعضاء المجلس الأعلى للقضاء، اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أحترم النظام الأساسي للدولة والقوانين، وأن أرعى مصالح المواطنين وحرياتهم رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه".

وكان السلطان في المادة الـ7 من النظام الأساسي للدولة الصادر عام 2011 يؤدي اليمين الدستورية في جلسة مشتركة لمجلسي عمان والدفاع، دون مجلس الشورى والوزراء والأعلى للقضاء، وبذات نفس منطوق اليمين المذكور سلفًا.

وعن تشكيلة مجلس عمان في التعديل الجديد فمن المقرر أن يتكون مجلس الشورى المنتخب ومجلس الدولة "من رئيس وعدد من الأعضاء لا يتجاوز عددهم بالرئيس عدد أعضاء مجلس الشورى، ويعينون بمرسوم سلطاني، من بين الفئات التي يحددها القانون".

مجلس الشورى العماني

خطوة نحو الإصلاح

تضمنت التعديلات في مجملها التأكيد على مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء كأساس للحكم في الدولة، وهو ما يعد نقلة نوعية في المسار السياسي للسلطنة يضعها على قارعة الطريق الإصلاحي الذي بات دربًا إجباريًا للكثير من الحكومات والدول حتى التي تتمتع بنظام حكم ملكي أو سلطاني.

كما أن تعزيز صلاحيات البرلمان من خلال توسيع نفوذه التشريعي وتعظيم أدواته الرقابية يمثل تطورًا ملحوظًا في الفكر السياسي الذي يدير المشهد برمته، وهو التوجه الذي خطت فيه مسقط خطواتها الأولى منذ 2011 لكنه لم يحقق الغاية المنشودة في ظل التطورات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة خلال تلك الآونة.

مسألة حصر ولاية الحكم في ذرية السلطان، يراها البعض خطوة إيجابية نحو تيسير عملية نقل الحكم بسلاسة دون انقسامات داخلية بين أعضاء العائلة المالكة ربما تذهب إلى توتير الأجواء بما يهدد مستقبل البلاد، لا سيما في حال عدم توصية السلطان بمن يخلفه في الحكم.

منذ تقلده الحكم يسير هيثم آل سعيد على طريق مغاير نسبيًا لما كان عليه السلطان قابوس، من حيث استئثار العائلة الحاكمة بالمناصب كافة داخل الحكومة والقطاعات الحيوية، ففي الوقت الذي كان فيه السلطان الراحل هو الحاكم ورئيس الحكومة وبيده كل الحقائب السيادية، فإن الأمر اليوم بات مختلفًا.

رغم حالة التفاءل التي تخيم على البعض جراء التعديلات الإصلاحية التي أجراها السلطان هيثم، فإن اختبار نتائجها يحتاج إلى وقت للتقييم العملي

ربما كانت الأوضاع خلال ولاية قابوس تسمح بتلك الوضعية، غير أن المستجدات الراهنة والتحديات الإقليمية والدولية كانت دافعة وبقوة لإعادة النظر في مسألة احتكار الحكم وتوزيع المناصب على العائلة المالكة وفقط، وهو ما يسعى ابن طارق للتعاطي معه شيئًا فشيئًا.

السلطان الجديد في خطابه الثاني منذ توليه الحكم في 11 من يناير/كانون الثاني 2020 أكد أن بلاده على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها، متعهدًا بإنجاز العديد من الإصلاحات التي تطال مجالات الإدارة والسياسية والاقتصاد، كما تمسّ قطاع التعليم كإحدى أولويات الدولة في عهده.

كما وعد بإفراد الإصلاحيات الديمقراطية بالمساحة الكبرى، حيث تعهد بتعزيز حرية التعبير والنزاهة والمساءلة وتكريس القانون والمؤسسات القائمة على رعاية الحريات العامة، عاقدًا العزم على وضع بصمته على مسيرة النهضة العمانية وذلك من خلال خبراته الواسعة في العمل التنفيذي والإداري.

ورغم حالة التفاؤل التي تخيم على البعض جراء التعديلات الإصلاحية التي أجراها السلطان هيثم، فإن اختبار نتائجها يحتاج إلى وقت للتقييم العملي، وما إذا كان الشارع العماني سيجني حصادها أم لا، هذا بخلاف التنفيذ على أرض الواقع، ومدى ما تتمتع الأجهزة التشريعية والرقابية من نفوذ وسلطات تخول لها أداء أدوراها المنوطة دون تدخلات سلطوية.. وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة.