تنامي عمليات القرصنة البحرية

تنامي عمليات القرصنة البحرية

زادت الأزمة الصحية الناتجة عن استمرار انتشار فيروس كورونا بين الناس، الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية في أغلب دول العالم، ما ساهم بدوره في ارتفاع الأنشطة غير المشروعة التي يقوم بها القراصنة واللصوص في البحار.

تنامي أعمال القرصنة

سجّلت أعمال القرصنة السنة الماضية ارتفاعا طفيفا مقارنة بالسنة التي سبقتها، حيث شهد العالم حوالي 375 حادثة قرصنة وسطو، وهو ما يتجاوز عددها في عام 2019 الذي بلغ 360.

خلال عام 2020، احتلّت اليونان قائمة الدول الأكثر تعرضًا لهجمات القراصنة بواقع 45 سفينة، تلتها سنغافورة بواقع 30 سفينة، وجاءت ألمانيا في المرتبة الثالثة بواقع 18 سفينة، ثم هونغ كونغ بواقع 13 سفينة، وفي المرتبة الخامسة الدنمارك والإمارات بواقع 9 سفن لكل منها.

شهد خليج غينيا نحو 95 بالمائة من حصيلة عمليات القرصنة البحرية واختطاف سفن حول العالم

إذ ظل عدد أعمال القرصنة (المرتكبة في أعالي البحار، خارج المياه الإقليمية) وأعمال اللصوصية (في المياه الداخلية أو المياه الأرخبيلية أو البحر الإقليمي لدولة ما) في حدود متوسط السنوات الخمس الماضية، فإنه مازال بعيدا عن أعلى معدّل تم تسجيله سنة 2011، حيث بلغت حوادث القرصنة تلك السنة 668، وهو العام الذي بلغت فيه القرصنة العالمية ذروتها.

وفقا لمكتب البحرية الدولي، فإن أبعد عملية اختطاف لطاقم في العام الماضي حدثت على بعد 200 ميل بحري (340 كيلومترًا) عن اليابسة، حيث إن مثل هذه الحوادث كانت تتم سابقاً على بعد 60 ميلًا بحريًا (111 كيلومترًا) عن اليابسة كحد أقصى. وقلما ما تتعرض السفن عند الرصيف للهجمات مع أن العدد الأكبر من الحوادث يقع على السفن الراسية في البحر.

جدير بالذكر، أن جميع الحوادث المبلغ عنها تقريبًا تتمثّل في عمليات خطف للسفن أو حجز رهائن، وقد تم تقسيم الهجمات على السفن في عام 2020 بالتساوي بين ناقلات البضائع وسفن الحاويات بالإضافة إلى أنواع أخرى من السفن. 

الصدارة ليست للصومال

الكثير يذهب ظنه إلى أن أغلب عمليات القرصنة تحدث عند سواحل الصومال، لكن العكس صحيح، فالقرصنة البحرية التي عرفت أوجها في هذه المنطقة -عند نقطة التقاء البحر الأحمر بالمحيط الهندي- تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولم تسجّل أي حوادث منذ عام 2018.

 

هذا التراجع جاء نتيجة أسباب عدّة، حيث أطلقت أغلب دول العالم حملة لمكافحة قراصنة الصومال، لتحول أساطيل أمريكا وأوروبا جيبوتي إلى واحدة من أكبر قواعد الأساطيل البحرية في العالم، وتحوّل القراصنة بذلك إلى حجة في غاية الأهمية من أجل تحقيق الأهداف المتعلقة بالطاقة والخطط الجيوسياسية.

السنة الماضية، لم يتم الإبلاغ عن أي قرصنة أو سطو مسلح في الصومال، لكن المكتب البحري ينصح البحارة بأن يظلوا متيقظين لأن القراصنة الصوماليين ما زالت "لديهم القدرة على شن هجمات في حوض الصومال والمحيط الهندي"، وتعتبر هذه المنطقة واحدة من أنشط المناطق البحرية التي بها أهم ممرات نقل موارد الطاقة حول العالم.

خليج غينيا

في مقابل ذلك، تصاعدت الهجمات المبلغ عنها في خليج غينيا، حيث شهدت هذه المنطقة نحو 95% من حصيلة عمليات القرصنة البحرية واختطاف سفن حول العالم، أي أنه جرى اختطاف 135 فردًا من أطقم السفن هناك، وهو الرقم القياسي الأعلى على الإطلاق.

أكثر من 80% من الهجمات في خليج غينيا وقعت باستخدام أسلحة فردية وفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، ويقف وراء ذلك ارتفاع معدلات الفساد والبطالة في البلدان المطلة على الخليج، أبرزها نيجيريا وغينيا والكاميرون وبنين وتوغو.

يخطف القراصنة المسلحين بالبنادق والسكاكين مجموعات كبيرة من البحارة على مسافات بعيدة عن الساحل، وتحذّر العديد من المنظمات من أن عصابات القراصنة في المنطقة "منظمة جيدًا وتستهدف جميع أنواع السفن على نطاق واسع".

صحيح أن خليج غينيا استحوذ على أغلب عمليات القرصنة لكن ذلك لا ينفي وجود أماكن أخرى ينشط فيها القراصنة

بينما يقع خليج غينيا على حدود أكبر بلدين منتجين للنفط في إفريقيا، نيجيريا وأنغولا، يعمل القراصنة الآن من ساحل غانا إلى غينيا الاستوائية، لتنويع الهجمات على الناقلات من أجل الحصول على فدية والأرباح الكثيرة.

ويمتد الخليج آلاف الكيلومترات من أنغولا جنوبا إلى السنغال شمالا، وتعتبر مياهه من أخطر أنواع القرصنة في العالم، رغم جهود الدول المحيطة به لمقاومة القراصنة ووضع حدّ لهم، والملاحظ أن القراصنة في السنوات الأخيرة تحولوا من اختطاف ناقلات النفط إلى عمليات اختطاف البحارة للحصول على فدية.

أبرز هجوم عرفه خليج غينيا، ذلك الذي تم خلاله احتجاز جميع أفراد طاقم سفينة (19 شخصا) كرهائن، وسرقة وثائق السفينة وكلّ الأشياء الثمينة فيها، بعد أن استقل ثمانية قراصنة مسلحين بمدافع رشاشة ناقلة بضائع في 17 يوليو/تموز الماضي على بعد حوالي 196 ميلًا بحريًا على الخليج.

ونتيجة تصاعدت أعمال القرصنة في خليج غينيا (يضم الخليج 13 دولة في غرب ووسط أفريقيا)، أصبحت شركات التأمين تتقاضى ثلاثة أضعاف الأسعار السارية على الشحنات المتجهة إلى هناك.

مضيق سنغافورة

صحيح أن خليج غينيا استحوذ على أغلب عمليات القرصنة لكن ذلك لا ينفي وجود أماكن أخرى ينشط فيها القراصنة، من ذلك مضيق سنغافورة الذي يعتبر مسرحا لأعمال السطو والقرصنة رغم الجهود الكبيرة للحدّ من ذلك.

خطر مضيق سنغافورة أقل من خليج غينيا، لكنه مستمر على الأطقم، حيث تعرض إجمالي 15 سفينة لهجمات في المضيق باستخدام أسلحة بدائية السنة الماضية، ويعد هذا المضيق واحدا من أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم.

 

قفز عدد حوادث القرصنة والسطو المسلح ضد السفن في المضيق خلال السنوات الأخيرة، ونظرًا لعدم اعتقال مرتكبي هذه الحوادث، فهناك احتمال وقوع المزيد منها، لذلك يجب أن تظل السفن العابرة لمضيق سنغافورة يقظة وأن تحافظ على مراقبة كافية لمكافحة القرصنة.

مضيق ملقا

خارج خليج غينيا ومضيق سنغافورة، نجد أيضا مضيق ملقا الذي يقع بين شبه الجزيرة الماليزية وسومطرة، ما جعله بمثابة بوابة تربط بين المحيط الهادي والمحيط الهندي، حيث يتمتع المضيق بمكانة إستراتيجية وقيمة اقتصادية هامة.

وفق بابل ستريت، وهي شركة تحليل بيانات مفتوحة المصدر مقرها فرجينيا، فإن ما لا يقل عن 50 حادثة قرصنة وسطو مسلح وخطف حدثت في المياه الآسيوية خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2020، الغالبية العظمى منها في بحر سولو ومضيق ملقا، أكثر ممرات الشحن ازدحامًا في العالم.

بحر سولو

على غرار مضيق ملقا، لم تتوقف عمليات القرصنة في بحر سولو، وهو تجمع مائي في المنطقة الجنوبية الغربية من الفلبين، تفصله جزيرة بالاوان عن بحر الصين الجنوبي في الشمال الغربي، ويفصله أرخبيل سولو عن بحر سليبيس في الجنوب الشرقي.

لطالما كان بحر سولو نقطة ساخنة لعمليات القرصنة واختطاف السفن، لكن هناك أسباب تدعو للتفاؤل، فقد انخفضت حوادث القرصنة والسطو البحري هناك في السنوات الأخيرة، بسبب التدابير التي اتخذتها كل من الوكالات الحكومية والشاحنين.

 

تنامي أعمال القرصنة البحرية خلّف خسائر كبرى وكانت تكاليفه مباشرة على المساعدات الإنسانية، كما كانت له تأثير على الأنشطة الاقتصادية البحرية مثل إنتاج النفط والتأمين والشحن والسياحة وصيد الأسماك، ما قلّل من قدرة الدول الملاحية على التجارة عن طريق البحر.

وغالبا ما تضطر شركات الشحن إلى تغيير طرق التجارة ودفع مبالغ أكبر مقابل الوقود وأقساط التأمين، مما يكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولار سنويًا، فضلا عن نواتج أخرى كانت تتحقق من التجارة الساحلية.