تعيش فرنسا على وقع أزمات داخلية عديدة، من بينها تأزم العلاقة بين الشرطة والمواطنين وتراجع الحريات العامة في البلاد وانتشار الفوضى والجريمة في العديد من المدن، إلا أن وزير الداخلية جيرالد دارمانان ترك كل هذا وصوب كل اهتمامه على محاربة المسلمين باعتبارها أولوية في جدول أعماله منذ توليه منصبه قبل نحو سنة.

ابن حركي الجزائر

جيرالد موسى دارمانان، هو ابن جيرارد الذي عمل مديرًا لمقهى في مدينة فالنسيان شمال فرنسا، وهو من أصول يهودية مالطية، وأمه كانت عاملة نظافة من أصول جزائرية، حيث كان والدها جنديًا متطوعًا في الجيش الفرنسي.

ما يعني أن جيرالد دارمانان من أبناء "الحركيين" الذين كانوا في صف الاحتلال الفرنسي ضد الشعب الجزائري، وارتكبوا أبشع المجازر والجرائم في حق أبناء بلادهم وناصروا المحتل لسنوات عدة.

يفتخر جيرالد دارمانان بأنه أغلق مساجد أكثر من جميع أسلافه

يعني "الحركي" عند الجزائريين العميل أو الخائن، ويُطلق على الجزائريين الذين حاربوا في صفوف جيش الفرنسي ضد ثورة التحرير في بلادهم من 1954 إلى 1962، إذ خدم 150 ألف حركي في صفوف القوات الفرنسية، كجزء من إستراتيجية تهدف إلى القضاء على المقاومة التي اتخذت الجبال معاقل لشن هجمات ضد القوات الفرنسية خلال الحرب، فهؤلاء أميون في معظمهم، لكنهم يعرفون التضاريس أفضل من الجنود الفرنسيين، ما يسهل الدوريات التي في المناطق الوعرة.  وبعد توقيع وقف الحرب مع الحكومة الجزائرية المؤقتة استقبلت فرنسا نحو 60 ألف عنصر منهم.

الواجهة الرسمية لعداء المسلمين

منذ توليه منصبه في يوليو/تموز 2020، أصبح الوزير جيرالد دارمانان، البالغ من العمر 38 سنة، الواجهة الرسمية لحملة الإجراءات المشددة التي تثير مشاعر عدائية تجاه المجتمع الإسلامي ككل في فرنسا.

أراد ربيب الرئيس اليميني السابق نيكولا ساركوزي، دارمانان، أن يؤكد التزامه بالأفكار التي صاغها جده لأمه، الجزائري الذي يدعوه "بطل جمهورية"، لأنه قاتل إلى جانب الفرنسيين خلال حرب الاستقلال.

في أول مداخلة له في البرلمان الفرنسي كوزير للداخلية، شدد جيرالد موسى دارمانان على أن الإسلام السياسي عدو قاتل للجمهورية ومؤكدًا على ضرورة محاربة الطائفية، ردًا على أسئلة السيناتورة جاكلين أوستاش-برينيو التي تحدثت عن صعود الطائفية في الانتخابات البلدية.

أراد دارمانان من خلال تلك الكلمات التأكيد على تركيز كل جهوده لمحاربة المسلمين في فرنسا، حتى إنه تجاهل كل مشاكل وزارته التي تواجه تحركات السترات الصفراء في مناطق متفرقة من البلاد منذ أشهر عدة.

تعكس مواقف وزير الداخلية، توجه الرئيس ماكرون الذي عينه في هذا المنصب، فكثيرًا ما ينادي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بضرورة اجتثاث ما يصفه بـ"الإرهاب الإسلامي" من بلاده ومحاربة المنتسبين إليه، وهذا نهج جميع رؤساء الجمهورية الفرنسية دون استثناء.

وأكد دارمانان في أكثر من مرة أن مضايقة ما وصفه بـ"الإسلام الراديكالي" أولوية وطنية بالنسبة لفرنسا، وأنه يرى أن الرئيس ماكرون على صواب في تصريحاته المتعلقة بالإسلام والرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كما أضاف أن فرنسا في حرب ضد الإرهاب الإسلامي، وأن اليهود بشكل خاص هم هدف للهجمات الإسلامية.

إذ تشن فرنسا حملة شرسة على الدين الإسلامي والمؤسسات والجمعيات الإسلامية، شهدت أوجها بنشر رسوم مسيئة للنبي محمد على واجهات مبان في مدن رئيسية بفرنسا بدعوى حرية التعبير وتصريحات مناهضة للإسلام من الرئيس الفرنسي ووزير داخليته.

شرعنة العنصرية ضد المسلمين

توجه وزير الداخلية، شرعن عنصرية الشرطة الفرنسية تجاه المسلمين، فمنذ توليه منصبه لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن ضحية جديدة لعنف الشرطة الفرنسية وممارساتها الوحشية ضد المسلمين في بلاد "الحريات الصورية".

إذ تشهد فرنسا حالات خطيرة من عنف الشرطة ضد المسلمين من وادي رويا جنوب شرق فرنسا، إلى ساحل المانش شمال البلاد، حتى إن أعمال العنف والمضايقات من الشرطة باتت روتينًا شبه يومي، وهذه الوقائع تأتي من نظرة الشرطة الفرنسية إلى المسلمين، فهي تراهم مجرد أرقام أضيفت إلى مجتمعهم، وجب التخلص منها حتى لا تتكاثر وتنافسهم في بلادهم، ناسين أن دولتهم استعمرت معظم دول العالم، خاصة الإسلامية منها ونهبت ثرواتها وخيراتها وما زالت.

غلق المساجد والجمعيات الإسلامية

يفتخر دارمانان بأنه أغلق مساجد أكثر من جميع أسلافه، وفي آخر تصريح له في هذا الشأن قال دارمانان إن بلاده أغلقت 12 مسجدًا ومؤسسةً إسلاميةً منذ شهر ونصف بتهمة التطرف والتشدد الديني، وأضاف دارمانان مقارنًا حصيلته مع الوزراء السابقين "لقد تحدثوا كثيرًا عن إغلاق الائتلاف الفرنسي ضد الإسلاموفوبيا ولم يفعلها أحد، لكنني أغلقته بسرعة. تحدثوا عن إغلاق بركة سيتي ولم يفعلها أحد فأغلقتها فورًا".

وكان دارمانان قد أعلن، الشهر الماضي، أن أجهزة الدولة ستنفذ تحركًا ضخمًا وغير مسبوق ضد ما سماه "الانفصالية" يستهدف 76 مسجدًا، وتابع "سيتم تفتيش 76 مسجدًا يشتبه في أنها انفصالية"، وسيتم إغلاق تلك التي يجب إغلاقها.

يتهم دارمانان وأنصاره، الممارسات الإسلامية بأنها ضد القيم العلمانية الراسخة في فرنسا، لذلك وجب محاربتها ووضع حد لها

بحسب ما ذكرته وسائل إعلام محلية، فإن 16 مسجدًا من تلك المساجد يقع في العاصمة باريس وضواحيها، وأن 18 منها من الممكن إغلاقه، وفي 27 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أرسل وزير الداخلية مذكرة إلى مديري الأمن في سائر أنحاء البلاد توضح بالتفصيل الإجراءات الواجب اتخاذها بحق هذه المساجد.

وكان نفس الوزير قد أكد في 13 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إغلاق السلطات الفرنسية 73 مسجدًا ومدرسةً خاصةً ومحلًا تجاريًا منذ مطلع العام 2020، بذريعة مكافحة الإسلام المتطرف.

الحرب على المنتجات الحلال

ضمن سلسلة تصريحاته وتحركاته المناهضة لكل ما هو إسلامي، عبر درمانان أيضًا عن انزعاجه من وجود أقسام خاصة بالمنتجات الغذائية الحلال بالمتاجر في بلاده، مضيفًا "يجب ألا توجد في تلك المتاجر أقسام خاصة بتلك المنتجات وحدها"، وتابع قائلًا "المذهبية أو الطائفية تبدأ بهذا الشكل، والرأسمالية لها مسؤولية في هذا".

تعرض دارمانان للمنتجات الحلال من باب النكاية بالمسلمين، جاء للتقرب من اليمين المتطرف وكسب ودهم، خاصة أن هذه الجماعة المتطرفة في فرنسا تدعو لحظر بيع المنتجات الحلال رغم ما تدره من أموال طائلة لاقتصاد فرنسا.

تشجيع كراهية الإسلام

هذه الخطوات الخطيرة والاستفزازية لوزير الداخلية الفرنسي من شأنها أن تشجع على كراهية الإسلام والشعبوية المعادية للمسلمين في هذا البلد الأوروبي، وهو ما يتماشى مع رغبة المسؤولين الفرنسيين الذين يحاولون وضع طابع فرنسي على الإسلام، بما يخدم مصالحهم.

يتهم دارمانان وأنصاره، الممارسات الإسلامية بأنها ضد القيم العلمانية الراسخة في فرنسا، لذلك وجب محاربتها ووضع حد لها، وهو ما يشرع الكراهية ضد الإسلام ويضع المسلمين كهدف لهجمات اليمين المتطرف، حتى إن بعض الفرنسيين يرون في رؤية التعبيرات العامة للإسلام (مثل الحجاب أو المصليات والمساجد) أنها اعتداءات على جوهر البلاد العلماني، حتى لو أن الدولة بقيت ملتزمة باحترام العطل خلال المناسبات الكاثوليكية الكبرى.

وسجلت فرنسا، مؤخرًا، زيادة مطردة في الأعمال المعادية للمسلمين، وقد وصل عدد هذه الهجمات إلى ما يقرب من 800 في عام 2019، وفقًا لإحصاءات جمعيات مناهضة للإسلاموفوبيا، وذلك بزيادة قدرها 77% في غضون عامين.

هذه الهجمة الممنهجة التي يقودها وزير الداخلية بمعية ماكرون ضد كل ما يمت للإسلام بصلة، تعكس بعيدًا عن الأبعاد السياسية والدعائية لها، حقد هذا الرجل على الدين الحنيف والمنتمين له، لا سيما أن تاريخه يوثق هذا التوجه العنصري ويعززه يومًا تلو الآخر، ضاربًا بشعارات العلمانية التي يقول إنه يتبناها عرض الحائط.