يغمض الطفل عينيه على حكايات أمه، ويفتح عقله أبواب الخيال على مصراعيها، ومن هنا دائمًا تبدأ الحكايات، تلك الحكايات التي لم تنته قط، التي يكبر الأطفال على أحداثها وإضافاتها التي تهتم بها كل أم وجدة حين ترويها، لذلك من الصعب أن نعرف متى بدأ أدب الطفل ونحدد تاريخًا له، فهو موجود منذ وُجد الخيال ووُجدت الجدات اللاتي يجمعن أولادهن حولهن في الليل لتجود ألسنتهن بما يسعفهن عقلهن من أحداث حدثت وأخرى لم تحدث وترتدي الحكايات ثوب الحكمة والموعظة ليتعلم الأولاد القيم والمبادئ الأخلاقية الاجتماعية.

ما هو أدب الطفل؟

لا يوجد تعريف واضح لأدب الطفل سوى أنه عبارة عن الأدب الموجه للأطفال، والتعريف المستخدم والمتداول في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية هو أنه الأدب الموجه للأطفال من سن الحضانة وبداية نموهم حتى سن تخرجهم في المدرسة أي 16 عامًا، وهو فيما يبدو التعريف الأكثر منطقية.

أنواع أدب الطفل

بدأ أدب الطفل ككتب تعليمية نشرت في أوروبا خلال القرن السابع عشر، واعتبرت تهويدات الأمهات التراثية من أدب الأطفال أيضًا التي تطورت لتكون أناشيد وأغنيات لها توجهها الخاص.

والقصص المصورة أكثر الأنواع انتشارًا، بينما القصص السردية ربما تكون أقل انتشارًا وتأليفًا، والأشعار نوع مهم جدًا لكنه لم يأخذ حقه كما يجب، إضافة إلى ذلك ظهر منذ عقد من الزمن أو يزيد تلك القصص التي تُكتب على أنها موجهة للأطفال، لكنها استهوت البالغين كذلك مثل هاري بوتر.

فلا يخفى علينا أن أدب الأطفال رغم أنه موجه للطفل تحديدًا، فإنه يُكتب دائمًا بأقلام الكبار الذين يستوحون القصص من عدة مصادرة حياتية وغالبًا ما تكون طفولتهم الشخصية أهم تلك المصادر، ومن النادر أن نرى قصصًا للأطفال مكتوبة بقلم طفل لأن معايير أدب الطفل محددة وربما أعلى من معايير أدب الكبار، فأدب الطفل يجب أن يحتوي على قصة ممتعة وجذابة وفي ذات الوقت عبرة وحكمة دون أن يكون فيها خدش للحياء أو ألفاظ سوقية أو شتائم أو وصف للجنس والمشاهد الفاضحة.

ورغم أننا نعتقد أن أدب الطفل أمر يسهل كتابته، فإن التوجه لعقلية الطفل وفهم ما يفكر به والتعامل على هذا الأساس قد يكون أصعب مما نتخيل، لذلك غالبًا ما يستعين كتاب الطفل باختصاصيين تربويين لتقييم القصص والمبادئ التي تحملها والقيم التي تريد إيصالها، لأن القصص لا تكون لمجرد الاستمتاع بل لا بد من إدخال مضامين وأهداف تربوية فيها، على عكس أدب الكبار الذي يمكن أن يكون للمتعة فقط.

لم يقتصر الأمر على مناقشة الأمور الأخلاقية والقيم والمبادئ الإنسانية، بل أمكن من خلال قصص وُجهت للأطفال مناقشة قضايا فلسفية مهمة وعميقة بطريقة مبسطة مثل رواية "مرحبًا هل من أحد هناك" للكاتب جوستان جاردر صاحب رواية عالم صوفي ورواية "أوسكار والسيدة الوردية" للكاتب إيريك إيمانويل شميت، التي تحدثت عن الموت والمناجاة والفراق والمرض والابتلاءات، وأعتقد أن الترجمة العامية المصرية أعطتها جمالًا وعمقًا وأكثر قدرة على إيصال فكرتها للكبار والصغار.

تاريخ أدب الطفل

يُقال إن أول ما كُتب لأدب الطفل كان في القرن السابع عشر في كتاب "العالم المرئي بالصور" الذي ألفه كومينيوس ككتاب تعليمي للأطفال باللغة اللاتينية ثم أُعيد نشره مع إضافة لغات أخرى إليه، ثم نُشرت بعض القصص الشعبية ككتيبات صغيرة طولها 10 سنتيمترات مع رسومات مرسومة بشكل يدوي ومنسوخة يدويًا وملونة، ثم تطور مفهوم أدب الطفل وتوسع حتى وصلت بعض روايات الأطفال هذه الأيام مثل هاري بوتر إلى أربعمئة صفحة.

ألغاز المغامرين الخمسة للكاتب المصري محمود سالم هي أول ما كُتب بأجواء عربية بحتة دون أي تقليد ودون أن تحمل صيغةً وعظيةً مباشرةً أو طابعًا دينيًا

أما أدب الطفل العربي فغالبًا ما كان يوجه بشكل ديني أخلاقي، حيث تجد القصص الموجهة للأطفال عبارة عن سلسلة السيرة النبوية وقصص الصحابة وقصص تعليمية أخلاقية تعلم الصدق والأمانة والوفاء بأشكال وتقديمات مختلفة.

وأعتبر أن ألغاز المغامرين الخمسة للكاتب المصري محمود سالم هي أول ما كُتب بأجواء عربية بحتة دون أي تقليد ودون أن تحمل صيغةً وعظيةً أخلاقيةً مباشرةً أو طابعًا دينيًا، ثم جاءت بعدها سلسلة روايات مصرية للجيب مثل رجل المستحيل للكاتب الدكتور نبيل فاروق رحمه الله ومن ثم سلسلة ماوراء الطبيعة التي تُعتبر موجهة للأطفال واليافعين للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله.

فجاءت هذه السلاسل في أسلوبها غير الوعظي الذي لا يحمل حكمةً مباشرةً ودرسًا واضحًا في نهاية القصة تغييرًا جذريًا لمفهوم أدب الطفل واليافعين العربي.

تحديات أدب الطفل في العالم العربي

1- انعدام الأصالة والابتكار

في خطوات خجلة للغاية يحاول أدب الطفل في العالم العربي تكوين شخصيته الخاصة به دون نسخ أو تقليد وخلق أدب يتناسب مع الثقافة العربية بعد أن وجد في استنساخ الأدب الغربي طريقة سهلة لتقديم أدب جذاب دون بذل جهد عظيم، وعلى الناحية الأخرى فإن القصص الدينية الموجهة للأطفال التي قد نرى أنها تميز الثقافة العربية ما زالت حبيسة إطار تربوي مباشر دون أي تطوير في طريقة تعاطيها مع القضايا التربوية الحديثة للجيل الحاليّ.

فنحن أمام طرفين: قسم ينسخ الأسلوب الغربي ويحاول جعله موائمًا للثقافة العربية وقسم ما زال غير قادر على الخروج من القوالب التقليدية الوعظية المباشرة.

وهو كحال أغلب الفنون العربية غير قادرة على الابتكار، أو لنقل لا تجرؤ على الابتكار، فالإبداع في الأدب يحتاج نفسًا طويلًا وعدم النظر إلى الموضوع على أنه تجارة ستثمر ربحًا وفيرًا قريبًا، فأدب المغامرات والرعب - إلا فيما ندر - كما ذكرنا آنفًا عبارة عن تقليد غير ناجح للقصص البوليسية الأجنبية بأسماء عربية وشوارع عربية، وهذان النوعان هما اللذان يجذبان اليافعين أكثر من غيرهم، فمن أين لنا برواية تبدع عالمها الخيالي الخاص بها وتقدم ضمن شخصياتها أبعادًا نفسيةً وتربويةً كما هي رواية هاري بوتر؟

2- عدم تحديد الفئة العمرية

ففي حال أنك ذهبت إلى قسم الأطفال في أي مكتبة، فإن اختيار القصة المناسبة غالبًا يعتمد على وعي الأهل بما يناسب أطفالهم لأن شراء قصة أبسط من اللازم أو أعقد مما يستطيع الطفل فهمه قد تكون سببًا بجعله ينفر من القراءة، ونادرًا ما تكتب دور النشر العمر المناسب على القصة، وذلك لأنها لا تعتمد مرشدًا تربويًا لقسم الأطفال يقوم بتوجيه القصص وتحديد مناسبتها والعمر الملائم لها.

تطور أدب الطفل في الوطن العربي بشكل أكبر، وحاول الكثيرون نشر قصص وإنشاء تطبيقات إلكترونية تحوي قصصًا إضافة إلى مجلات الأطفال

3- الحالة الاقتصادية

لا يمكن أن تنفصل الحالة الاقتصادية عن الحالة الثقافية للمجتمع، ففي مجتمع يكافح لتأمين الطعام واللباس والصحة لأطفاله لن يكون أول اهتماماته الإنفاق على قصص الأطفال التي غالبًا ما تكون مكلفة بسبب الرسوم والألوان والطباعة.

4- عدم تضمين أدب الطفل ضمن الخطط التسويقية

لا أعتقد أن المتابع سيبذل جهدًا ليعرف رواية س أو ع من الكتاب للكبار، لكن متى يُصدِر كتاب للأطفال ضجة على السوشال ميديا أو يصبح "تريندًا"؟ أو متى يتم الإعلان بشكل واسع عن مسابقة لأدب الطفل؟ كم كاتبًا للأطفال نعرف؟ قلة قليلة وبعضهم مبدعين لو تابعنا، لكن خطط التسويق غالبًا ما تتجه نحو روايات الكبار التي تُكسب دور النشر ربحًا سريعًا.

في السنوات الأخيرة تطور أدب الطفل في الوطن العربي بشكل أكبر، وحاول كثيرون نشر قصص وإنشاء تطبيقات إلكترونية تحوي قصصًا إضافة إلى مجلات الأطفال التي تحمل على عاتقها عبئًا كبيرًا في هذا المجال لسهولة تداولها ومتعة قصصها، والحديث عنها يطول، لكننا ما زلنا بحاجة إلى خطوات أكثر جرأة في هذا المجال، يحدها العائق المادي في أكثر الأحوال، وعوائق اجتماعية أخرى كثيرة.