بعد انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة وموحدة سيكون من مهامها تشكيل الحكومة والتجهيز للانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول لإنهاء عقد من الفوضى، دخلت ليبيا مرحلة انتقالية جديدة قد تُعيد الاستقرار وتُنهي حالة الانقسام التي تسبب فيها طرفا النزاع على السلطة وأججتها دعوتهما لقوى إقليمية ودولية مما حول البلاد إلى ساحة نزاع إقليمي وحروب تخاض بالنيابة.

ويمكن للانتخابات الأخيرة التي أفرزت صعود 4 قادة جدد من المناطق الثلاثة في ليبيا، طي صفحة المرحلة الانتقالية التي بدأت مع اتفاق الصخيرات في المغرب عام 2015 برعاية الأمم المتحدة، الذي أفضى إلى تشكيل حكومة الوفاق الوطني (مقرها طرابلس) برئاسة فايز السراج، وذلك عبر إرساء توافقات مناطقية واسعة وإعادة توحيد مؤسسات الدولة الحيوية كقطاع المالية والجيش.

في مقابل ذلك، تبقى الصعوبات والتحديات في سبيل تحقيق المصالحة الشاملة رهينة سياسة المسؤولين الجدد والأطياف الليبية المتعددة المشاركة في السلطة التي ما زالت ترتبط بتحالفات مع قوى إقليمية ودولية لطالما تحكمت في مسار الأزمة الليبية.

إضافة إلى النزاع الدائر على السلطة بين حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا (طرابلس) وقوات الشرق بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ترزح ليبيا تحت التوتر المتصاعد بين قوى دولية فاعلة على الأرض، وصراع المحاور الإقليمية التي توزعت على دعم طرفي القتال، إذ يدعم محور (تركيا-قطر) الحكومة الشرعية، بينما يدعم محور (مصر-الإمارات-السعودية) قوات شرق ليبيا بقيادة حفتر.

ويتداخل في الأزمة الليبية أيضًا التنافس التركي الروسي والفرنسي الإيطالي وبعض القوى الإقليمية والدولية التي تعمل على تحقيق مصالح اقتصادية وإستراتيجية في المنطقة، لما تمتلكه ليبيا من احتياطات كبيرة من النفط والغاز في إفريقيا، وفيما يلي الجهات المتدخلة في الصراع الليبي:

مصر

بعد الإطاحة بالرئيس الشرعي في مصر محمد مرسي، وصعود حكم العسكر بزعامة السيسي، عملت القاهرة على التدخل في الأزمة الليبية سياسيًا وحتى عسكريًا لصالح قوات الشرق، مدفوعة بعدة عوامل منها الأمني والاقتصادي وكذلك الإيديولوجي المتمثل في حربها على الإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين وتنظيمهم الدولي.

أمنيًا، ترى القاهرة في حدودها الغربية مع ليبيا التي تمتد لنحو 1115 كيلومترًا مصدرًا للتهديد، بوصفها ممرًا رئيسيًا لتهريب الأسلحة وتسرب المسلحين وأعضاء الجماعات الإسلامية المتطرفة، فيما تشكل المصالح الاقتصادية أحد العوامل الرئيسية، فليبيا كانت شريكًا تجاريًا مهمًا لمصر قبيل الإطاحة بنظام العقيد، وبالتالي فإن صادراتها إلى هذا البلد قد تأثرت لتنخفض بنسبة 75% عام 2015.

الانخفاض الكبير في نسبة العمالة المصرية في ليبيا التي كانت تقدر، بحسب تقرير لمنظمة الهجرة الدولية عام 2010، بنحو مليون ونصف عامل، ويصل مجموع تحويلاتهم المالية إلى نحو 33 مليون دولار أمريكي سنويًا، وتطمح القاهرة من خلال دعمها لحفتر ورئيس البرلمان عقيلة صالح في الحصول على حصتها من النفط والغاز الليبي بأسعار مخفضة بما يساعدها في حل مشكلة الطاقة المتفاقمة لديها، إضافة إلى تثبيت دورها في إعادة إعمار ليبيا، لكنها أيضًا بحاجة إلى تعديل أوتار سياستها الخارجية بعد صعود السلطة الجديدة.

الإمارات

عملت أبو ظبي على وأد الثورة الليبية من خلال الأموال التي أنفقتها لتأجيج الحرب، واستخدامها لعلاقاتها الإقليمية والدولية للإطاحة بالحكومة الشرعية في ليبيا وتنصيب حفتر مكانها في البلد الغني بالنفط.

الإمارات عُرفت بخرقها المتكرر للحظر الذي أقره مجلس الأمن الدولي في 2011، على تصدير السلاح إلى ليبيا، ودعمت اللواء المتقاعد لحفتر بأسلحة ثقيلة وإستراتيجية تملك بعضها وتحصل على البعض الآخر من دول أخرى، إضافة إلى تمويلها لرواتب المرتزقة سواء القادمين من روسيا (فاغنر) أم السودان (الجنجويد).

وتحاول الدولة الخليجية جاهدة السيطرة على المسار السياسي في ليبيا من أجل صعود سلطة تدين لها بالولاء، وذلك في سياق حربها على الإسلام السياسي الذي تصدر المشهد في أعقاب الربيع العربي الذي عرفته كل من تونس ومصر، إلا أن الفشل الذريع لوكيلها في ليبيا اللواء المتقاعد، في تحقيق إستراتيجيتها وانتخاب سلطة جديدة، قد يحد من نفوذها مستقبلًا.

روسيا

على غرار مصر، تقف روسيا في المحور الداعم للواء المتقاعد خليفة حفتر، وبحسب تقرير أممي قدم إلى مجلس الأمن الدولي في 24 من أبريل/نيسان، فإن مرتزقة روس (فاغنر) يقاتلون إلى جانب القوات التي يقودها حفتر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2018، فيما اتهمت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" روسيا بتصدير المزيد من الأسلحة إلى ليبيا وانتهاك الحظر على تصدير السلاح إلى أطراف الصراع فيها.

واشنطن أوضحت أن هذه الأسلحة تضمنت طائرات مقاتلة وصواريخ دفاع جوي وألغامًا أرضية وسيارات مدرعة، كما نشرت صورًا ملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية، قالت إنها تُظهر معدات عسكرية أرسلتها مجموعة فاغنر إلى "الخطوط الأمامية" للنزاع في مدينة سرت، مشيرة إلى توثيقها إرسال موسكو 14 طائرة من طراز ميغ-29 وسو-24 إلى ليبيا من خلال مجموعة فاغنر.

تركيا

يعتبر التدخل التركي في الصراع الليبي عاملًا حاسمًا في إعادة توازن القوة على الأرض من خلال الدعم الذي قدمته لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، بعد أن وصلت القوات التي يقودها اللواء حفتر إلى ضواحي عاصمتها طرابلس، وعلى عكس موسكو والقاهرة، فإن الدعم الفني والعسكري الذي قدمته أنقرة لحكومة طرابلس الشرعية، كان مقننًا ومؤطرًا باتفاقات ومعاهدات ثنائية وبموافقة البرلمان التركي، وبطلب من الحكومة المعترف بها دوليًا.

أما دوافع التحرك التركي في الملف الليبي، فتتمثل أساسًا في الموقع الإستراتيجي لليبيا الواقعة شرق وجنوب البحر المتوسط، أي أنها مدخلًا لبسط نفوذها في شمال وشرق إفريقيا لمزاحمة عدد من القوى الإقليمية (الإمارات السعودية) والدولية (روسيا والصين)، وكذلك المصالح الاقتصادية الأخرى التي يمكن تحقيقها كالحصول على النفط وعقود الإعمار.

فرنسا

رغم حرصها على تقديم صورة الدولة المحايدة في الصراع الليبي، فإن محاولات باريس لرعاية الحوار بين الفرقاء، كشف انحياز الفرنسيين المفضوح لمعسكر الثورة المضادة الذي تقوده الإمارات ومصر، واتضح ذلك جليًا من خلال الاتهامات التي كالتها لرئيس حكومة الوفاق فايز السراج، بتعطيل جهود المصالحة التي رعتها.

باريس التي اختارت الوقوف إلى جانب حفتر، من خلال الدعم الفني واللوجستي وتعطيلها إلى جانب روسيا إصدار بيان إدانة شديد اللهجة من مجلس الأمن، كما في الاتحاد الأوروبي، لهجوم حفتر على العاصمة الليبية على الرغم من الإدانات الشديدة التي صدرت عن عدد من الدول الغربية، أكدت بما لا يدع مجالًا للشك تحيزها الإيديولوجي المضاد للإسلام السياسي.

إيطاليا

البلد المستعمر السابق لليبيا يرى في ليبيا منطقة نفوذ تاريخي ومجالًا حيويًا له، لذلك حرصت روما على عدم تهميش دورها في الصراع على النفوذ الدائر هناك وعلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والنفطية، فضلًا عن التركيز على عملية مكافحة الهجرة وتهريب اللاجئين من الشواطئ الليبية إليها.

وعلى الرغم من محاولة روما تحسين علاقاتها مع حفتر، فإنها ظلت مركزة على غرب ليبيا، وركز مسؤولون إيطاليون على مد علاقات مباشرة مع حكومة الوفاق الشرعية ودعمها ضمن برنامجها لمنع الهجرة وتهريب اللاجئين عبر المتوسط.

من جهة أخرى، يمكن القول إن الأزمة الليبية أظهرت طيلة السنوات الماضية أن الأوروبيين ليسوا موحدي الهدف، ويبدو أن هذا الوضع يفتح المجال لإيطاليا الجارة الشمالية لليبيا في المقام الأول لنسج أولى حلقات سلسلة التنسيق والتعاون الأطلسي في الملف الليبي، وهو ما اتضح من المحادثات الهاتفية التي أجراها أنتوني بلينكن مع نظيره الإيطالي لويجي دي مايو، الذي سارع إلى إعلان اتفاقه مع إدارة بايدن بتجميد صفقات الأسلحة للسعودية والإمارات.

ألمانيا

وبخلاف فرنسا التي تدهورت علاقتها مع ليبيا على خلفية دورها في هجمات الناتو التي أدت إلى إسقاط نظام القذافي، ثم موقف باريس بتأييد الجنرال حفتر على حساب الحكومة الشرعية، حافظت ألمانيا على علاقات دافئة مع طرابلس لعبت دورًا محوريًا في التعاون على الأصعدة الاقتصادية والأمنية، كما دعمت الجهود الأممية من خلال احتضانها مؤتمر برلين عن الأزمة الليبية (يناير/كانون الثاني 2020).

أمريكا

يبدو أن الدعوة التي وجهها رئيس البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة ريتشارد ميلز جونيور، لجميع الأطراف الخارجية، بما في ذلك روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة، إلى احترام السيادة الليبية والوقف الفوري لجميع التدخل العسكري في ليبيا"، تعتبر تحولًا ملحوظًا في سياسة الإدارة الجديدة بقيادة بايدن مقارنة بالرئيس السابق دونالد ترامب التي اعتمدت لغة غامضة وملتبسة إزاء اللاعبين الأجانب في الملف الليبي.

الموقف الأمريكي يحمل قلقًا من تداعيات الأزمة الليبية على ملفات إستراتيجية أخرى منها متطلبات أمن مناطق نفوذ حلف شمال الأطلسي (ناتو) وإمدادات النفط والغاز واستقرار منطقة الساحل والصحراء الإفريقية، وهي ملفات تشهد متغيرات متسارعة لا تريد واشنطن أن تتجاوزها لصالح قوى إقليمية ودولية منافسة على رأسها روسيا والصين.

المبعوث الـ7 والتسوية

بعد تعيينه، يُصبح إيان كوبيش المبعوث الأممي الـ7 إلى ليبيا، بعد عبد الإله الخطيب (أبريل/نيسان 2011-أغسطس/آب 2011)، إيان مارتن (سبتمبر/أيلول 2011-أكتوبر/تشرين الأول 2012)، طارق متري (أغسطس/آب 2012-أغسطس/آب 2014)، برناردينو ليون (أغسطس/آب 2014-نوفمبر/تشرين الثاني 2015)، مارتن كوبلر (نوفمبر/تشرين الثاني 2015-يونيو/حزيران 2017)، غسان سلامة (يونيو/حزيران 2017-مارس/آذار 2020)، وتُعد هذه الخطوة بالغة الأهمية لحلحلة المشهد المتأزم، وذلك لأنها تأتي في قت نجحت فيه المبعوثة بالإنابة ستيفاني ويليامز في كسر جمود الملف وفك اشتباك التعقيدات نسبيًا بعد انتخاب السلطة التنفيذية الجديدة.

في مقابل ذلك، سيواجه كوبيش عقبات اختراق المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية، عبر إعادة بناء الثقة في جهود الأمم المتحدة وترسيخ الحياد والموضوعية الذي غاب عن أعمال البعثة الأممية لفترة، وتحقيق الاتصال المتوازن بالأطراف الدولية المتدخلة لتقريب وجهات النظر وحشد الدعم لبرامج وخطط الحل السلمي.

وسيكون على كوبيش أيضًا إنجاح عملية تثبيت قواعد وقف إطلاق النار لتهيئة الظروف الملائمة لقيام سلطة شرعية صلبة في البلاد، واستكمال الاختراق الاقتصادي على اعتبار أنه أحد عوامل الاستقرار والتهدئة ومن أهم مقومات بناء الدولة الجديدة.

من هذا الجانب، من المنتظر أن تتقاطع جهود المبعوث الأممي الجديد مع مساعي السلطة الجديدة في ليبيا الطامحة إلى تعزيز خطوط اتصالها بدوائر صنع القرار الأمريكي التي تعطلت خلال فترة إدارة الرئيس السابق ترامب، ومن المتوقع أيضًا أن تكون هذه الخطوة على حساب اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يقود قوات الشرق، لكن في المقابل، يتعيّن على رئيس الوزراء الانتقالي عبد الحميد دبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد يونس المنفي ونائبيه، العمل على إعادة توحيد المؤسسات البلاد العسكرية والمالية.

بعد 10 سنوات من عدم الاستقرار والفوضى، بات من المؤكد أن حل الأزمة في ليبيا لا يكمن في شخص الوسيط الأممي أو نزاهته، بقدر ما تتلخص في منح الدعم الكامل للسلطة التنفيذية الجديدة وحمايتها من التدخل الخارجي وأطماعه ومساعدتها على توحيد مؤسسات البلاد وإرساء مصالحة شاملة، والأهم من ذلك كله، يبقى الحل بيد الليبيين أنفسهم وذلك متى أيقنت النخب والساسة أنه لا مجال للاستقواء بالأجنبي.