جاءت زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل غروسي إلى طهران يوم 20 من فبراير/شباط 2021، لتسلط الضوء على طبيعة التعقيد الذي بدأ يؤطر ملامح العلاقة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصًا بعد إعلان سابق لطهران أنها ستعلق العمل بالبروتوكول الإضافي للاتفاق النووي، الخاص بعدم السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش المواقع النووية الإيرانية.

زيارة غروسي جاءت بعد تقارير سابقة رفعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران بدأت بإنتاج كميات من اليورانيوم المعدني، وهو ما يجعلها تقطع أشواطًا جديدةً نحو امتلاك كميات كافية من اليورانيوم لإنتاج مواد نووية، وهو ما أدخل المجتمع الدولي في حالة ريبة من الخطوات النووية الإيرانية المتصاعدة التي جاءت بعد اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وعلى الرغم من البعد الفني الذي تحمله زيارة غروسي إلى طهران، فإنها من جانب آخر جاءت بعد سلسلة من التطورات السياسية في الأيام الماضية، وتحديدًا بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استعداده للعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة.

كما سحبت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، طلبًا كانت قد قدمته إدارة دونالد ترامب، لفرض عقوبات أممية وفق آلية الزناد، وهي عقوبات كانت مفروضة على إيران منذ عام 2005، وعلى الرغم من ترحيب إيران بهذه الخطوات الأمريكية، واعتبرتها أرضيةً لتبادل الثقة، فقد قالت إنها غير كافية لعودة إيران إلى الالتزام الكامل ببنود الاتفاق النووي.

إجراءات بناء الثقة ما زالت مغيبة بين الجانبين الإيراني والأمريكي، وهو ما يعرقل الجدية الحقيقية نحو الشروع بحل الأزمة النووية الإيرانية

وفي سياق زيارة غروسي، احتج رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي على تسريب المعلومات السرية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى وسائل الإعلام، معتبرًا أن تسريب المعلومات السرية من الوكالة إلى وسائل الإعلام الدولية، يعد تصرفًا سيئًا ما زال مستمرًا.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تسريب هذه المعلومات جعل الحكومة الإيرانية في حرج كبير أمام المجتمع الدولي، خصوصًا بعد أن أظهرت هذه المعلومات البعد العسكري للبرنامج النووي الإيراني، كما أنه مثل انقلابًا واضحًا على الفتوى النووية للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي حرم في وقت سابق، امتلاك وتخزين واستخدام السلاح النووي.

وفي هذا المجال، نقلت وكالة رويترز عن دبلوماسي فرنسي قوله إنه إذا مضت إيران في تعليق العمل بالبروتوكول الإضافي الذي يتيح للمفتشين الدوليين زيارة المواقع التي يرتؤون زيارتها بعد إعلام السلطات بوقت قصير، فإنه سيكون هناك رد صارم على إيران.

اتفاق أم مفاوضات جديدة؟

ما زالت وجهات النظر بين طهران وواشنطن متباعدة فيما يتعلق بآلية العودة للحوار بشأن الاتفاق النووي المبرم في أبريل/نيسان 2015، ففي الوقت الذي تتحدث به طهران عن العودة للاتفاق، مقابل رفع كامل للعقوبات الأمريكية، تتحدث واشنطن عن العودة للمفاوضات النووية، بما في ذلك الحديث عن برنامج الصواريخ الباليستية والسياسات الإقليمية، وهو ما ترفضه طهران.

ففي بيان أصدره وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يوم الجمعة الماضي، تحدث عن أن بلاده مستعدة للعودة عن الخطوات التصعيدية التي اتخذتها، بعد رفع العقوبات بشكل غير مشروط وفاعل، كل العقوبات التي فرضتها أو أعادت فرضها أو أعادت تسميتها إدارة ترامب، في رد فاتر على عرض مبدئي من واشنطن لإحياء المحادثات.

وفي سياق تصريحات ظريف أيضًا، قال عباس عراقجي مساعد وزير الخارجية الإيراني إن بلاده تدرس المقترح الأوروبي بعقد اجتماع -غير رسمي- لمجموعة "4+1" بمشاركة واشنطن وطهران، ومن جهته، قال ممثل إيران في الأمم المتحدة مجيد تخت روانجي، إنه لا معنى لأي عودة إلى الاتفاق النووي دون التحقق من جدية رفع واشنطن العقوبات، مشددًا على ضرورة توفير ضمانات لعودة عائدات النفط إلى إيران عبر النظام المصرفي العالمي في حال رفع العقوبات النفطية.

أغلب ردات الفعل الأوروبية والأمريكية نحو إيران، ستكون مبنية على أساس التقرير الذي سيرفعه غروسي بعد إتمام زيارته لطهران

إن إجراءات بناء الثقة ما زالت مغيبة بين الجانبين الإيراني والأمريكي، وهو ما يعرقل الجدية الحقيقية نحو الشروع بحل الأزمة النووية الإيرانية، فمن جهة يمثل هاجس رفع كامل العقوبات أولوية إيرانية، لأسباب داخلية وخارجية، ومن جهة أخرى تنظر إدارة بايدن بأن أي تعهدات قد تقدم عليها في الوقت الحاضر قد لا تكون ملزمة للرئيس الإيراني المقبل، الذي يعتقد وحسب الكثير من استطلاعات الرأي في إيران، أنه سيكون أصوليًا ثوريًا، وبالتالي قد تطلب إيران المزيد مع قدوم الرئيس الجديد، وعلى هذا الأساس تقابل الإدارة الأمريكية الاندفاعية الإيرانية بتأنٍ سياسي، حتى تتضح ملامح المرحلة المقبلة في إيران في يونيو/حزيران المقبل.

ماذا بعد زيارة غروسي؟

يمكن القول إن أغلب ردات الفعل الأوروبية والأمريكية نحو إيران، ستكون مبنية على أساس التقرير الذي سيرفعه غروسي بعد إتمام زيارته لطهران، وعلى الرغم من إعلان ممثل إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كاظم غريب آبادي، إن إيران والوكالة أجرتا حوارًا مثمرًا خلال اللقاء الذي جمع مدير منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي ومدير الوكالة رفائيل غروسي، فإن هناك مزيدًا من الشكوك عن مدى الجدية الإيرانية للعدول عن إجراءتها النووية الأخيرة، والمتمثلة بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم دون 20%.

وفي هذا الإطار يمكن القول إن المهمة الأساسية لحكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني، تكمن في مدى نجاحها بإقناع خامنئي، للعدول عن إجراءاته الأخيرة من خلال إيعازه بـ:

1. المصادقة على الخطة الإستراتيجية لرفع العقوبات.

2. تأكيده على حكومة روحاني إنهاء العمل بالبروتوكول الإضافي.

وهما إجراءان دفعا غروسي لزيارة طهران، وكذلك يشكلان مفتاحًا لعودة الحديث عن الاتفاق النووي مرة أخرى.

يدرك المجتمع الدولي اليوم، أن المشكلة مع إيران أكبر من أن يتم حصرها بالاتفاق النووي، وهو ما عبر عنه المسؤولون الأوروبيون والأمريكيون الذين يرون أن أي جولة حوار جديدة مع إيران، لا بد أن تشمل برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.

وفي هذا الإطار أيضًا، يطرح الدوران الروسي والصيني نفسيهما، كمعقدات إستراتيجية لأي توجه دولي نحو إيران، فروسيا تطرح نفسها كشريك لإيران ووسيط دولي في ذات الوقت، وكذلك تفعل الصين، وهو ما يجعل التشعب الذي يكتنف الحالة الإيرانية أكبر بكثير في الوقت الحاضر، خصوصًا إذا نظرنا إلى أن هناك استحقاقات إقليمية تشكلت على أساس الاتفاق النووي الإيراني، ولهذا فإن الولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع إيران اليوم، دون أخذ جميع هذه المتغيرات بعين الاعتبار، وهو ما تدركه إيران أيضًا.