كشفت النيابة العامة المصرية عن توقيع تسوية مع وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان ورجل الأعمال مجدي راسخ (رئيس مجلس إدارة شركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار "سوديك") صهر الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك ووالد زوجة علاء مبارك، في عدد من قضايا إهدار المال العام المتهمين فيها في أعقاب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

اللجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول والموجودات في الخارج، التي يرأسها النائب العام المصري حمادة الصاوي، أعلنت في بيان رسمي لها أنها توصلت لاتفاق تصالح مع المتهمين نظير دفع مبلغ لخزينة الدولة قدره مليار وثلاثمائة وخمسة عشر مليونًا وسبعمائة ألف وواحد وأربعة وعشرون جنيهًا مصريًّا.

وكانت محكمة جنايات القاهرة قد عاقبت وزير الإسكان الأسبق، في ديسمبر/كانون الأول 2016 بالسجن المشدد 3 سنوات وإلزامه برد مبلغ مليار و64 مليون جنيه في إعادة محاكمته في القضية المعروفة إعلاميا بـ"سوديك"، كما عاقبت مجدي راسخ بالسجن 5 سنوات في القضية ذاتها.

المبلغ الكبير الذي أُعلن عنه كقيمة للتصالح في إحدى القضايا أثار الكثير من الجدل داخل الشارع المصري، الذي تساءل عن الحجم الحقيقي لثروة المتهمين إن كان هذا المبلغ الضخم هو قيمة التصالح فقط، في حين استنكر أخرون مبدأ التصالح من الأساس كونه إخلالا لحق الدولة في القصاص ومعاقبة الفاسدين.

أعاد هذا القرار قضية فساد رموز نظام حسني مبارك للأضواء مرة أخرى، تلك القضية التي أخذت حيزًا كبيرًا من الاهتمام الإعلامي عقب الثورة، لكن سرعان ما خفت بريقها بعد مهرجان التصالح الذي أقامه نظام مابعد الثالث من يوليو/حزيران 2013.

سليمان.. أنموذج

تولى سليمان وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية في عهد مبارك خلال الفترة من (1993-2005) وعضو مجلس الشعب (البرلمان) عن دائرة الجمالية الدورة البرلمانية (2005-2010)، ورئيس شركة الخدمات البترولية البحرية في 2009.

خلال توليه الوزارة وما بعدها، تعرض سليمان للعديد من طلبات الاستجوابات البرلمانية نظرًا لعشرات المخالفات التي ارتكبها، حيث كان يتصرف في أراضي الدولة وأصولها العقارية كـ "ممتلكات خاصة"، مهدرًا على البلاد مئات الملايين على شكل عقارات أهداها لأقاربه ورموز مبارك أو باعها بثمن بخس لا يتناسب وقيمتها الحقيقية.

ومن أبرز اتهامات الاستيلاء على المال العام التي واجهها سليمان، منحه زوجته منى صلاح الدين المنيري، وابنتيه جودي ودينا وابنه القاصر شريف، العشرات من قطع الأراضي والفيلات في أرقى الأحياء في القاهرة والساحل الشمالي، بجانب منحه لبعضهم قصورًا فخمة دون وجه حق.

العديد من أعضاء البرلمان المصري اتهموا الوزير الأسبق بالتربح بطرق غير مشروعة من خلال بيع أراضي الدولة للشركات العقارية من الباطن نظير مقابل مادي مستتر، بما يضيع على خزينة الدولة مئات الملايين، وهو ما تم الكشف عنه في التحقيقات التي أوردتها النيابة والتحريات فيما بعد.

حتى بعد تركه للوزارة أصدر رئيس الحكومة المصرية آنذاك أحمد نظيف، قرارًا في يوليو/تموز 2009، بتعيين سليمان رئيسا لشركة الخدمات البترولية البحرية بدلا من المهندس محمد عاطف، وهو القرار الذي أثار غضب العاملين بالشركة لما للوزير من سجل مشين في الفشل وإهدار المال العام.

فاتورة فساد رموز مبارك

قدر البعض فاتورة فساد رموز مبارك الموثق في قضايا رسمية بما يزيد عن 50 مليار جنيه (9 مليار دولار بأسعار الصرف في 2010)، تم سداد الجزء الأكبر منها في صورة تصالحات، لتميط اللثام عن حجم الفساد الذي خيم على أجواء البلاد طيلة حكم مبارك.

نصيب الأسد من حجم مبالغ التصالح كانت من نصيب رجل الأعمال أحمد عز، أمين لجنة السياسات في الحزب الوطني المنحلّ، حيث قام بسداد نحو 13 مليار جنيه لخزينة الدولة، وذلك في قضيتين منفصلتين: الأولى، هي الاستيلاء على المال العام، والإضرار العمدي بأموال شركة "حديد الدخيلة"، التي تم التصالح فيها بسداد نحو 6 مليارات جنيه، أما الثانية، فتتعلق بغسل الأموال، حين اتهمت النيابة العامة أحمد عز بغسل نحو 6.5 مليارات جنيه عن طريق استغلال النفوذ والتربح والاستيلاء على المال العام.

ثم يأتي رجل الأعمال، حسين سالم، إمبراطور صفقة الغاز بين مصر و"إسرائيل"، والذي تصالح مع الدولة مقابل مبلغ 5.8 مليارات جنيه، على أن تغلق قضايا الفساد والتربح الخاصة به، وسدد قيمة التصالح من خلال تنازله عن 21 أصلاً من الأصول المملوكة له بما يعادل 75% من ممتلكاته داخل مصر.

كما تصالح مبارك ونجلاه في قضية القصور الرئاسية بمبلغ 146 مليون جنيه، وهي القضية التي تم اتهام مبارك ونجليه بالاستيلاء على الأموال التي كانت مخصصة لتطوير القصور الرئاسية خلال فترة حكمه، أيضا وزير التجارة والصناعة الأسبق رشيد محمد رشيد الذي تصالح في 4 قضايا، مقابل أكثر من ملياري جنيه، وهو نفس مبالغ تصالح رجل الأعمال سليمان عامر.

ومن أشهر المنضمين لمهرجان التصالح رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف، الذي سدًد مبلغ 48 مليون جنيه، اتهم بتحصيلها بشكل غير مشروع مستغلاً سلطات وظيفته، كذلك رئيس مجلس الشعب الأسبق فتحي سرور بمبلغ 6 ملايين جنيه، ورئيس ديوان مكتب رئيس الجمهورية الأسبق، زكريا عزمي، بمبلغ 42.5 مليون جنيه.

بين الدعم والسخط

انقسم الشارع المصري حيال مهرجان التصالح دائم العرض للعام السابع على التوالي إلى فريقين، الأول داعم وبشدة لهذا التوجه الذي يراه – من منظور براغماتي بحت – في صالح الدولة التي لا تستفيد من سجن رجال الأعمال المتهمين في قضايا فساد، لافتين إلى أن مبالغ التصالح من الممكن أن تنعش خزينة الدولة وتسفيد منها في العديد من المشروعات المدرجة والتي تعاني من نقص في التمويل.

أما الفريق الثاني فيرفض المبدأ من الأساس، لافتًا إلى أنه يفتقر إلى غياب العدالة ويشجع الفاسدين على الاستمرار في فسادهم طالما أن الأمر يتعلق في النهاية بجزء من الأرباح المحققة عن طريق الفساد، وهو ما يفقد قرار التصالح فلسفته القائم عليها والتي يسعى النظام للاستناد عليها تبريرًا لهذه التحركات شعبيًا.

أنصار هذا الفريق يستنكرون وبشدة الإفراج عن رموز نظام مبارك الفاسدين رغم ما اقترفوه من جرائم بعضها قد يصل حد الإعدام إذا ما طبق القانون بشكل عملي، في الوقت الذي يقبع فيه أنصار الثورة والمعارضة ورموز الدولة الثقافية والحقوقية في السجون والمعتقلات دون جريمة أو تهم مثبتة.

وفي الأخير تبقى مسألة القضاء على الفساد في مصر ضربًا من الخيال في ظل تلك المعادلة التي يسعى النظام المصري لتطبيقها، وكما كشفت تلك الأرقام عن حجم فساد حقبة مبارك فإنها في الوقت ذاته تؤكد أن الأمر سيستمر خلال الفترات المقبلة، طالما أن العقوبة لا تتعدى مجرد التنازل عن جزء من الأرباح المحققة، وهي العقوبة الأيسر والأرخص في تاريخ جرائم الفساد في العالم.