لا تنفك تظاهرات الناصرية - مركز محافظة ذي قار - جنوب العراق تهدأ حتى تشتعل مرة أخرى مخلفة قتلى وجرحى، إذ وعلى مدى الأشهر التي أعقبت التظاهرات الشعبية الواسعة التي اندلعت في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019 كانت مدينة الناصرية عاصمة التظاهرات بحسب العديد من المراقبين. 

وعلى الرغم من أن التظاهرات في ذي قار - مليونا نسمة - شهدت تراجعًا كبيرًا خلال الأشهر الماضية مع خفوت التظاهرات في غالبية المدن العراقية، فإن متظاهري الناصرية عادوا قبل أسابيع لساحات التظاهر بالمدينة وبأعداد كبيرة مطالبين باستقالة الحكومة المحلية وتوفير فرص عمل ومحاربة الفساد في مؤسسات الدولة بالمدينة.

لماذا الناصرية؟

تتلخص مطالب المتظاهرين في الناصرية بالسعي لإقالة محافظ ذي قار ناظم الوائلي المتهم - وفق المتظاهرين - بالفساد وتوجيهه أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين خلال الأشهر الماضية مع إقالة مديري الدوائر الرئيسية ومحاكمة قتلة المتظاهرين، وذلك بحسب أحد نشطاء مدينة الناصرية الذي فضل عدم الإفصاح عن هويته لأسباب أمنية.

ويضيف الناشط أن مدينة الناصرية تعاني من سوء كبير في الخدمات العامة، إضافة إلى انعدام فرص العمل والفقر والبطالة، مضيفًا في حديثه لـ"نون بوست" أن المدينة تعاني من ظلم كبير والصراع السياسي فيها يفوق غالبية مدن الجنوب بسبب عدد سكانها الذي جعلها المحافظة الجنوبية الثانية في عدد مقاعدها بمجلس النواب العراقي. 

وعلى الرغم من وعود الحكومة الاتحادية برئاسة مصطفى الكاظمي بتوفير فرص العمل والمشاريع الخدمية، فإن التظاهرات مستمرة حتى اليوم، ما أسفر عن مقتل 3 متظاهرين وإصابة نحو 90 آخرين في حصيلة أولية أعلنتها القوات الأمنية الجمعة 26 من فبراير/شباط الحاليّ، وهي حصيلة تضاف لما سجلته المحافظة الخميس الماضي في مقتل متظاهر وإصابة 18 بينهم رجال أمن.

يقول الباحث السياسي محمد عزير في حديثه لـ"نون بوست" إن الناصرية وبسبب ما تعرضت له من بطش خلال التظاهرات، جعلت شبابها ثائرين لا يرضون بأي وعود تطلقها الحكومة الاتحادية، خاصة أنه على مدى الأشهر التي أعقبت تظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2019 لم تشهد الناصرية أي تحسن في وضعها الخدمي، وبالتالي تأتي التظاهرات الشعبية المستمرة تحديًا لما تعد به الحكومة المحلية والاتحادية. 

وأوضح مصدر أمني أن الإصابات في صفوف المتظاهرين لا تزال مستمرة حتى الآن، وذلك إثر اشتداد الاحتجاجات على جسري النصر الزيتون، حيث استخدمت بعض القوات الأمنية الرصاص الحي في محاولة لتفريق المحتجين الذين يحاولون السيطرة على جسر الزيتون لأجل الوصول إلى مبنى ديوان المحافظة.

تحذيرات من الأسوأ

لا يبدو أن الأوضاع في الناصرية تتجه للتهدئة على الرغم من تكليف الحكومة العراقية رئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي بإدارة شؤون المحافظة مؤقتًا، ريثما يتم تنصيب محافظ جديد بعد تقديم محافظها ناظم الوائلي استقالته الجمعة 26 من فبراير/شباط الحاليّ.

إلا أن الساعات الماضية كشفت عن تكليف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي رئيس جهاز الأمني الوطني عبد الغني الأسدي بمنصب المحافظ بصورة دائمة في وضع يبدو من خلاله محاولة الحكومة الاتحادية ترضية المتظاهرين قبل أن تخرج الأوضاع في المدينة عن السيطرة.

من جهتها، وصفت مفوضية حقوق الإنسان الحكومة الاتحادية بـ"الضعيفة" من حيث الإجراءات، مشددة على ضرورة تقديم وتنفيذ خطة واضحة لمعالجة الأسباب التي تبقي المتظاهرين في ساحات الاعتصام بالناصرية. 

عضو مفوضية حقوق الانسان علي البياتي قال: "الأحداث الدامية التي تشهدها محافظة ذي قار، هي دليل ضعف الحكومة ومؤسساتها، إضافة إلى ضعف التدابير المتعلقة بالمحتجين وسوء الخدمات بشكل عام".

وأشار البياتي إلى ضرورة إبعاد كل الصراعات السياسية من داخل المدينة التي تمتلك ثاني أعلى المقاعد من بين المحافظات الجنوبية في مجلس النواب العراقي بعد البصرة، ما ينعكس أثره على المشاهد الدموية واستمرار التظاهرات الاحتجاجية وردود الفعل، ومن ثم سقوط ضحايا وجرحى من الجانبين، سواء في صفوف المتظاهرين أم القوات الأمنية.

وفي حديثه، حذر البياتي من أنه وفي حال استمرار الأحداث على ما هي عليه في الناصرية لحين إجراء الانتخابات المقبلة في نوفمبر/كانون الأول القادم، فإنه لن تتوافر أجواء سليمة لإقامة الانتخابات بأي حال.

من جهته، يقول الخبير الأمني حسن العبيدي في حديثه لـ"نون بوست" إن الناصرية تشهد صراعًا سياسيًا كبيرًا أسهم في تأجيج أوضاعها الأمنية المتعلقة بالتظاهرات، مبينًا أن المحافظ المستقيل ناظم الوائلي الذي تولى المنصب العام الماضي جاء بعد دعم كتل سياسية له وهي بدر والعصائب وسائرون والدعوة. 

وأضاف العبيدي أن الناصرية ولما لها من ثقل سكاني مؤثر في الانتخابات القادمة وما لذلك من علاقة بمنصب المحافظ وحصص الأحزاب في ميزانية المحافظة المرتقبة، فإن الكتل السياسية تسعى لفرض إراداتها من خلال التظاهرات الشعبية. 

صراع سياسي

كان مصدر نيابي عن محافظة ذي قار قد كشف قبل أيام في حديثه لإحدى وكالات الأنباء المحلية عن خفايا صراع سياسي وصفه بـ"الخفي" انطلقت شرارته بعد الكشف عن حجم ميزانية المحافظة التي تعتبر الأكبر في تاريخها على الإطلاق، ما فجر احتجاجات دامية لإقالة المحافظ ناظم الوائلي.

وبين المصدر أن للمحافظ المستقيل ناظم الوائلي صلة وثيقة بالأمين العام لمجلس الوزراء حميد الغزي التابع للتيار الصدري، حيث يتلقى الوائلي دعمًا كبيرًا من الغزي. 

وتابع النائب أن الصراع الحاليّ في المحافظة يقوده محوران، حيث يتمثل الأول بالوائلي والأطراف السياسية الداعمة له، أما المحور الثاني فيتمثل بنواب المحافظة الذين تقف خلفهم جهات سياسية مناوئة للمحور الأول، مبينًا أن ما أدى لتفجر الصراع بين الجانبين ميزانية المحافظة المرتقبة في 2021 التي تبلغ أكثر من تريليون دينار (690 مليون دولار).

وتحاول جهات سياسية بالمحافظة الحصول على غنيمتها من تلك الميزانية، والضحية الوحيدة في هذا الصراع هم شباب ذي قار الذين يتساقطون مع كل موجة احتجاجية تدفع بها الأحزاب السياسية.