لم يمر على تشكيل الحكومة الأردنية برئاسة بشر الخصاونة أكثر من خمسة أشهر حتى ضربت التصدعات جدرانها بصورة دفعت رئيسها للتفكير في إجراء تعديل سريع لاحتواء الشارع الغاضب بسبب الفشل في التعاطي مع الملفات ذات الصلة بمستوى المواطنين المعيشي.

وتتصاعد موجات الاحتقان ضد أداء الحكومة منذ أدائها اليمين الدستورية في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد تدهور الحالة الاقتصادية للأردنيين والفشل في التعامل مع التحديات التي أفرزتها تداعيات فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

الحكومة منذ اليوم الأول لبداية عملها كانت قد تعهدت بإسراع الخطى لحل الأزمات المعيشية للمواطن، لكن بعد 150 يومًا لم تنجح الوزارة في تحقيق أي نجاحات تحسب لها، وهو ما انعكس في تفاقم معدلات البطالة وتعاظم الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد العام الماضي.

مأزق سياسي جديد بات فيه الخصاونة، بين العجز عن مجابهة الانتقادات الشعبية الحادة تجاه أداة حكومته والتفكير في محاولة امتصاص هذا الغضب قدر الإمكان، فكيف يتعامل رئيس الحكومة مع هذه المعضلة؟ وهل إجراء تعديل حكومي حتى لو كان واسع النطاق سيكون حلًا عمليًا لإرضاء الشارع؟

الاعتراف بالفشل

الطعنة الأولى في ظهر الحكومة الأردنية تلقتها من الداخل، حيث أحدثت التصريحات الصادرة عن بعض الوزراء والمتعلقة بعدم القدرة على التعاطي مع بعض الملفات حالة من الجدل داخل الشارع الأردني، مصدرة له اليأس بشأن قدرة الحكومة على الوفاء بالالتزامات والتعهدات.

ففي الـ20 من فبراير/شباط الماضي، ظهر وزير العمل ووزير الدولة لشؤون الاستثمار، معن القطامين، بفيديو مسجل هو الأول له منذ توليه المسؤولية، أشار فيه إلى عدم وجود رؤية فاعلة للاستثمار، معددًا العقبات التي تقف حائلًا دون إنعاش الحصيلة الاستثمارية للمملكة.

وكشف القطامين عن بعض المشكلات التي تواجه وزارته منها: ضعف الامتيازات المقدمة للمستثمرين خصوصًا في ضوء تغيير قانون ضريبة الدخل وعدم وجود حوافز حقيقية لزيادة الصادرات الوطنية، بالإضافة إلى صعوبة ممارسة أنشطة الأعمال في الأردن.

وتابع الوزير "النافذة الاستثمارية الواحدة هي نافذة غير نافذة، فغالبية المفوضين في النافذة لا يملكون الصلاحيات الكافية لتسريع عمل المستثمر، وبيروقراطية كبيرة في الإجراءات الحكومية، وعدم استقرار التشريعات المتعلقة بالاستثمار، بكثرة تعديلات وتغييرات للقوانين، وارتفاع تكاليف الإنتاج بمختلف أشكاله (ضرائب، رسوم، طاقة، نقل، مواد خام، تمويل) وغيرها، وعدم وجود مظلة واحدة لجميع الإجراءات التي تحكم الاستثمار في الأردن، مثل أن هيئة الاستثمار مفصولة عن وحدة الشراكة بين القطاع العام والخاص، وعن وحدة الاستثمارات الحكومة".

التصريحات أحدثت بلبلة كبيرة في الوسط الاقتصادي، الأمر الذي أثار غضب رئيس الحكومة والعديد من المراقبين الذين حذروا من تداعيات مثل تلك الأحاديث على سوق الاستثمار، لا سيما الأجنبي، حتى إن كان الهدف منها المكاشفة والشفافية في التعامل مع الشارع.

الحصاونة مع العاهل الأردني

تشققات من الداخل

المزاج العام داخل الحكومة الأردنية في مجمله يعاني من تشققات وعدم اتساق، وهو ما تم تصديره للشارع بخصوص غياب التنسيق وفقدان العمل بروح الفريق الواحد بين الوزراء، ما جعل جدران مجلس الوزراء عرضة لمزيد من الخروقات التي ربما يكون لها تداعياتها السلبية لاحقًا.

أمس الأحد، طالب رئيس الوزراء وزيري الداخلية سمير المبيضين والعدل بسام التلهوني، بتقديم استقالتهما بعد مخالفتهما إجراءات السلامة العامة المتخذة للتصدي لفيروس كورونا في البلاد، إذ حضرا وجبة عشاء في أحد مطاعم عمان المشهورة متجاوزين العدد المسموح به على الطاولة حسبما كشف موقع "عمون" الإخباري المحلي.

وبعد ساعات قليلة، تقدم الوزيران باستقالة رسمية، فيما أعلن الديوان الملكي عبر بيان صادر عنه الموافقة على استقالة الوزيرين من منصبهما اعتبارًا من أمس الأحد، وتعيين مندوبين عنهما لإدارة الوزارتين لحين اختيار وزراء جدد، خلال الأيام القليلة القادمة.

وضع اقتصادي صعب

تواجه المملكة واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها منذ تأسيسها، حيث سُجل معدل عجز في الموازنة العامة خلال النصف الأول من 2020 بنحو 98%، ليبلغ 1.58 مليار دولار، مقارنة بنحو 800 مليون دولار لذات الفترة من العام الماضي، بسبب وباء كورونا، بحسب الإحصاءات الرسمية.

وهناك شبه إجماع من المراكز البحثية الاقتصادية على أن العام الحاليّ 2021 لن يقل سوءًا عن العام الماضي من حيث الوضعية الاقتصادية بحسب ما ذكر نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور جواد العناني في تصريحات صحفية له، كشف من خلالها أن الأردن بطبيعة الحال سيتأثر بكل التغيرات التي قد تحدث من ناحية حجم الاستثمار وحوالات المغتربين والبطالة، وغيرها من الأمور التي ستلقي بظلالها على الاقتصاد الأردني.

فيما ذهب الخبير والمحلل الاقتصادي الدكتور حسام عياش إلى أن المملكة كانت تعاني خلال وقبل الجائحة وضعية اقتصادية صعبة، إلا أن الوضع تفاقم سوءًا مع استمرار الوباء الذي كشف الكثير من المشاكل المسكوت عنها في المنظومة الاقتصادية رغم الخطوات الجادة التي خطتها البلاد مع صندوق النقد الدولي في برنامج الإصلاح الاقتصادي.

تظاهرات شعبية أردنية

قرار الحكومة الأردنية بفرض الحظر على الأنشطة الاقتصادية كإجراء احترازي للتعامل مع الوباء قوبل من البعض بالاستنكار والرفض لما تسبب فيه من تعميق للأزمة بحسب ما ذكرت الخبيرة الاقتصادية الأردنية، لما جمال العبسة، التي قالت: "قرار الحكومة بإعادة فرض الحظر الكلي وزيادة ساعات الحظر الجزئي على المواطنين بسبب انتشار فيروس كورونا، يعد من أسوأ القرارات التي يمكن اتخاذها في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، التي جاءت بسبب قرارات مشابهة في السابق، ولم تجد نفعًا بالنسبة لعدد الإصابات".

العبسة اتهمت الحكومة بالتناقض في قرارتها "ففي الوقت الذي تؤكد أن الكثير من المواطنين والأفراد سيتم الاستغناء عنهم في العمل، أو قيام المنشآت التي يعملون بها بإغلاق أبوابها، وتقليص أعمالها، ما يعني زيادة أعداد البطالة، قامت الحكومة بزيادة الغرامات المالية ما سيضاعف الأعباء على المواطنين خاصة عمال المياومة" وفق تصريحاتها لـ"سبوتنيك".

العديد من المصادر ذهبت إلى أن إجراء تعديل وزراي سريع ربما يكون الخيار الأقرب لرئيس الحكومة لامتصاص غضب الشارع ضد أداء وزرائه، كما أنه الحل الأمثل للتخلص من الوزراء الذين باتوا يشكلون عبئًا على الحكومة ويضعفون موقفها شعبيًا.

الخلافات المتصاعدة بين الوزراء بخصوص عدد من الملفات لا سيما المتعلقة بالحياة المعيشية للمواطنين، بجانب الضغوط الشعبية لتقليل عدد الحقائب الوزارية (32 وزيرًا داخل الحكومة الحاليّة) خطوات تدفع الخصاونة لإجراء تغييرات في تشكيلة الحكومة في محاولة لاستعادة ثقة الشارع قدر الإمكان.

التعديل في حد ذاته لن يكون مرضيًا خاصة أن الحكومة الحاليّة لم يمر عليها أكثر من 5 أشهر، ما يعني أن المحك الحقيقي للتقييم سيكون في الأسماء المختارة للحقائب الوزارية ومدى ما تتمتع به من خبرات تؤهلها لتقديم حلول منطقية وعملية سريعة للخروج من المأزق الحاليّ.. فهل ينجح رئيس الحكومة في هذا الاختبار؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.