في العادة، لا يعد الاحتفاء بلاعبي كرة القدم حدثًا مهمًا، إذ بات الحديث عن نجوم اللعبة الذين يتقاضون رواتب فلكية ويحظون بشهرةٍ مبالغة، قياسًا على المردود غير الضروري الذي يقدمونه أمرًا مستفزًا لكثير من شرائح الجمهور.

لكن اللاعب الذي نتحدث عنه، المصري مصطفى محمد، قد يكون حالةً مختلفةً، فتجربة احترافه في تركيا وحصوله على اهتمام الجماهير، بالوقت الذي تشهد العلاقات الثنائية بين القاهرة وأنقرة توترات سياسية ممتدة، يعد أمرًا مثيرًا للاهتمام. 

كما أن مسيرته وأداءه وتفاعل الأتراك معه وتفاصيل صفقته المالية، بالإضافة إلى ما يتنبأ له به من كونه نسخةً جديدةً من النجم المصري العالمي المحترف في ليفربول الإنجليزي حاليًّا "محمد صلاح"، عوامل تدفعنا إلى تسليط الضوء عليه.

مصطفى والزمالك

مصطفى محمد هو لاعب كرة قدم يلعب في مركز رأس الحربة، ويعد من أبناء نادي الزمالك المصري، وعلى الرغم من هذه البنوة الرمزية، فإن مصطفى لم يحظ بالتقدير المناسب في نادي الزمالك، وبالأخص في بداية مسيرته.

يقول مصطفى في أحد اللقاءات التليفزيونية إن المسؤولين في قطاع الشباب لم يكن عندهم إيمانٌ كافٍ بقدراته في مركز المهاجم، لذلك حاولوا توظيفه في مراكز أخرى داخل الملعب مثل مركز الظهير الأيمن، وهو ما كان يتحفظ عليه اللاعب.

ورغم تألقه مع المنتخبات القومية الناشئة، عانى مصطفى أيضًا من تهميش معظم الأجهزة الفنية التي تولت إدارة الفريق الكبير بالزمالك، في ظل وجود مهاجمين أكثر شهرةً، ما أدى إلى تردده على عدد من فرق الدوري المحلي على سبيل الإعارة مثل نادي طنطا.

 

كان محمد يتألق مع كل فريق يذهب إليه معارًا من الزمالك، فضلًا عن تألقه مع منتخبات الشباب والأوليمبي، ومع ضغط الجماهير الزملكاوية التي ترى ابنها يتألق بالخارج وتعثر الفريق في إيجاد مهاجم جيد الموسم الماضي وإمكانية استعادة مصطفى من الناحية القانونية، عاد مصطفى إلى بيته من جديد، الزمالك.

التألق والأزمة

فور عودته إلى الزمالك الموسم الماضي، انفجر مصطفى ذو الـ22 عامًا، كرويًا بشكل غير مسبوق، وذلك بالتزامن مع فترة قيادة المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون واقتراب نهاية حقبة رئيس النادي المثير للجدل مرتضى منصور.

استطاع مصطفى أن يسجل 19 هدفًا، وقاد وزملاؤه الفريق إلى الفوز على الأهلي، الغريم التقليدي للزمالك، مرتين، والفوز بـ3 بطولات، هي كأس السوبر الإفريقي والمحلي وكأس مصر، ومع تألقه وتحوله إلى محط أنظار الفرق الأجنبية، حصل على وعدٍ من الإدارة بالسماح له بالاحتراف في الخارج، بعد الانتهاء من دوري أبطال إفريقيا.

لكن جرت الأمور بما لا تشتهي السفن، فقد خسر الفريق بطولة إفريقيا في النهائي على يد غريمه التقليدي في الدقائق الأخيرة، وأقيل مجلس مرتضى منصور بعد هذه الهزيمة على خلفية تجاوزه رمزيًا في حق "كبار البلد" كما قيل، وذلك بعد أن أطيح به (مرتضى) من سباق الانتخابات البرلمانية أيضًا، وعينت وزارة الشباب مجلسًا مؤقتًا لإدارة النادي، لحين عقد انتخابات جديدة.

رفضت اللجنة المؤقتة الوفاء بعهد الإدارة السابقة بخصوص احتراف مصطفى محمد، لأنها لجنة مؤقتة لا تريد أن تبت في قرار بهذا الحجم، ولأن الفريق بحسب هذه اللجنة في حاجة إلى خدمات مصطفى، ولأنه إذا لم يكن هناك بدٌ من احترافه، فمن الأفضل أن يكون عقب الأولمبياد القادمة، منها أن يكون هناك مجلسٌ منتخب، ومنها أن يكون محمد قد سوق بشكل أفضل في هذه البطولة.

في هذا التوقيت، كان هناك عرضان في الأفق، أحدهما من سانت إتيان الفرنسي والثاني من جلاتاسراي التركي، وكان الأول أكثر جديةً وأعلى سعرًا. من ناحيته، امتنع مصطفى عن التدريب، وقال إن الطرح المعروض من اللجنة المؤقتة لا يرضي طموحه، لأنه من الوارد ألا تعقد هذه "الأولمبياد" أصلًا في ظل تداعيات كورونا، وإذا عقدت فقد لا يتألق كما يراهن البعض، ومن ثم فإن ما سيجنيه فقط سيكون خسارة العرض الفرنسي وتأخير احترافه، بينما سنه آخذ في الازدياد.

رب ضارةٍ نافعة

لم تكن هناك رغبةٌ حقيقية لدى مسؤولي الزمالك لقبول عروض احتراف مصطفى محمد، وقد ارتكب النادي الفرنسي خطأ فادحًا ساعد في تملص مسؤولي الزمالك من التزامهم أمام اللاعب، حيث اتهم رولان رومير رئيس النادي الفرنسي مسؤولين في الزمالك لم يسمهم بطلب "عمولات" مقابل تسهيل انتقال اللاعب للنادي، وهدد بإنهاء المفاوضات خلال 48 ساعة، إذا لم يوافق الزمالك على بيع محمد.

رد الزمالك لم يكن متوقعًا، فقد أصدر بيانًا رسميًا طالب فيه النادي الفرنسي بالإفصاح عن هوية هؤلاء المسؤولين، وأعلن من جانبه إيقاف المفاوضات نهائيًا مع النادي الفرنسي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال هذه التصريحات التي تعد تشهيرًا وتشويهًا للنادي.

كان رد الزمالك غير متوقع، حيث رفض اعتذار النادي الفرنسي، لأنه صدر بصيغةٍ رأى النادي أنها لا تليق به، فلم يصل إلى النادي بريد رسميٌ بالاعتذار، وإنما مجرد ورقة مكتوبة بخط اليد، بالإنجليزية، من كبير موظفي النادي الفرنسي

حاول النادي الفرنسي تدارك الأمر، ورد ببيانٍ قال فيه إن التصريحات التليفزيونية للرئيس الفرنسي مع إحدى القنوات المصرية أسيئ ترجمتها، لأن الرئيس كان يقصد "الوكلاء" وليس المسؤولين، مؤكدًا أن النادي يكن لنظيره المصري كل الاحترام، وأنه ما زال مهتمًا بالتعاقد مع اللاعب والتعاون مع النادي بشكل عام.

للمرة الثانية كان رد الزمالك غير متوقع، حيث رفض اعتذار النادي الفرنسي، لأنه صدر بصيغةٍ رأى النادي أنها لا تليق به، فلم يصل إلى النادي بريد رسميٌ بالاعتذار، وإنما مجرد ورقة مكتوبة بخط اليد، بالإنجليزية، من كبير موظفي النادي الفرنسي، بلا توقيعات أو أختام رسمية، جرى نشرها على الإنترنت.

وأمام تعقد المفاوضات مع النادي الفرنسي ورغبة اللاعب الشديدة في الاحتراف الخارجي واقتراب موعد إغلاق باب الانتقالات الشتوية ورؤية مسؤولي الفريق عدم جدوى عقاب اللاعب على امتناعه عن التدريب، وافق الزمالك على انتقال "الأناكوندا"، مصطفى محمد، إلى جلاتاسراي التركي، بحلول يوم الـ28 من يناير/كانون الثاني الماضي.

الانتقال والتألق

خلافًا لما حدث مع النادي الفرنسي، أظهر الناديان، المصري والتركي، رغبةً كبيرةً في إعلاء مبدأ الشفافية حيال تفاصيل انتقال مصطفى إلى جلاتاسراي، فبوضوحٍ أجمعت كل الأطراف أن قيمة الانتقال هي مليونا دولار أمريكي، على سبيل الإعارة، عامًا ونصف، تنتهي يوليو/تموز 2022، وأن قيمة راتب اللاعب في العام الأول 400 ألف دولار أمريكي، تزيد في العام الثاني إلى 750 ألف دولار، مع أفضلية للنادي التركي إذا رغب في شراء اللاعب.

بمجرد أن أعلن إتمام الصفقة، حتى بدا أن الجميع في إسطنبول يعرفون محمد، فحصل المقطع الترويجي الذي صنعه الفريق التركي للاعب على تويتر مطلع فبراير/شباط الماضي على أكثر من 50 ألف إعجاب ومئات التعليقات، وحضر عدد كبير من المشجعين والإعلاميين للمطار لاستقبال اللاعب، كما لو كان نجمًا عالميًا.

من ناحيته، كان اللاعب جديرًا بثقة المجتمع الرياضي التركي، حيث أحرز هدفًا في أول لقاءٍ مع جلاتاسراي ضد فريق إسطنبول باشاكشهير ليساهم في فوز الفريق بثلاثيةٍ نظيفة، وسجل هدف الفوز الوحيد في المباراة التالية بالدوري أمام فنربخشة، النادي العريق والمنافس لجلاتاسراي على البطولة المحلية.

 

ساهمت هذه البداية المذهلة في توطيد علاقة اللاعب بعناصر اللعبة، فقال زميله العالمي لاعب برشلونة السابق أردا توران إنه اتفق مع محمد على احتفال معين إذا سجل أي منهما في "الديربي" أمام فنربخشة، "غير أن أخي محمد، أخبرني، وأخبرنا جميعًا أنه سيسجل في هذا اللقاء، وهو ما حدث بالفعل".

جماهير الزمالك اشتبكت مع الإدارة المؤقتة التي أبرمت عقد الإعارة الخاص بمصطفى، الذي يعطي النادي التركي أفضليةً في شراء اللاعب بقيمة 4 ملايين دولار

عقب هذه البداية، احتفت الصحافة والميديا، مثل مجلات "Hurryet" و"CNN" التركية وغيرهما بمحمد كثيرًا، فارتبطت باللاعب أغنية "أنا بحبك يا مصطفى" المعروفة بأشكال مختلفة في الشرق، وقال النقاد إن مصطفى أنسى مدربه المهاجمين السابقين للفريق مثل الكولومبي المشهور راداميل فالكاو، ونشأت بينه وبين الجمهور علاقة ود، إلى حد التجييش على مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن اللاعب من الإساءات التي وجهها له أحد اللاعبين السابقين في الكرة المصرية.

الأزمة الطريفة

إذا تغاضينا عن البطاقة الحمراء التي نالها مصطفى محمد في المباراة الأخيرة لفريقه أمام أنقرة جوجو في الجولة الـ28 من الدوري التركي، التي أثارت جدلًا تحكيميًا واسعًا بعد أن اعتبرها كثير من خبراء التحكيم عقوبةً مبالغةً وقال مسؤولو جلاتاسراي إنهم سيحتجون أمام لجنة التحكيم المحلية ضدها، فإن مصطفى يكون سجل 6 أهداف، خلال 6 لقاءات خاضها مع الفريق التركي، 5 أهداف في الدوري وهدفًا واحدا في الكأس.

مع هذا المعدل الرائع، طرح مسؤولو الفريق التركي الذي يلعب له مصطفى مسألة شراء مصطفى نهائيًا بشكل أسرع من المتوقع، فقال المدرب فاتح تريم إن هذا الملف سيجري بحثه خلال اجتماع قريب مع اللاعب والإدارة، وقالت أسماء رفيعةٌ في الإدارة إن نادي الزمالك كان محقًا حينما أصر على متطلباته المالية بخصوص إعارة مصطفى للنادي التركي، في إشارة إلى القيمة الفنية الكبيرة للاعب.

جماهير الزمالك اشتبكت مع الإدارة المؤقتة التي أبرمت عقد الإعارة الخاص بمصطفى، الذي يعطي النادي التركي أفضليةً في شراء اللاعب بقيمة 4 ملايين دولار، إذا تألق مصطفى بحيث يرغب النادي في ذلك، ولم يمانع الزمالك، وقد جاء غضب الجمهور بسبب ما وصفوه بضعف الصياغة القانونية، وغياب الرغبة في الحفاظ على حقوق النادي، في ظل الأزمة المالية التي يعاني منها بسبب تضييق الدولة وضعف الموارد وارتفاع المصروفات وتراكم المشكلات المالية من الإدارة السابقة.

حاول بعض مسؤولي الشؤون القانونية والمالية في النادي تلطيف الأزمة واحتواء غضب الجمهور، فقالوا إن النادي التركي ملزم، حال رغب في شراء مصطفى محمد، بتفعيل بند أفضلية الشراء في موعد أقصاه نهاية ديسمبر/كانون الأول المقبل، على أن يكون دفع مبلغ الشراء المقدر بـ4 ملايين دولار، مع نهاية مدة الإعارة، نهاية يونيو/حزيران القادم، ومن الضروري أن يكون اللاعب موافقًا على هذا الأمر، في إشارة إلى إمكانية إقناع مسؤولي الزمالك لابن النادي، مصطفى، بعدم الموافقة على العرض، للحصول على عرض بقيمة أكبر نسبيًا.

تاريخ ممتد

في الحقيقة، مصطفى محمد لا يعد أبدًا أول لاعب مصريٍ يحترف في الدوري التركي أو يحقق إنجازات معينة، وإن كان الأهم والأفضل من حيث الانطلاقة والأكثر فرصًا للتألق في المستقبل، فقد سبقه عددٌ من اللاعبين المصريين الذين تركوا بصمةً في الكرة التركية.

أهم الأندية التركية التي تستقطب اللاعبين المصريين هي أندية الوسط، مثل دينزلي سبور ومالطيا سبور وجنشلربرليجي وقونيا سبور، حيث يجد اللاعب المصري العادي في مثل هذه الأندية جوًا مشابهًا للأجواء الموجودة في الدوري المحلي، وقد مر على هذه الأندية أسماء غير هينة في الكرة المصرية، مثل أحمد حسن القائد التاريخي للمنتخب المصري وعميد لاعبي العالم وأيمن عبد العزيز وعبد الظاهر السقا.

 

وفي الأعوام الأخيرة قبل احتراف مصطفى تألقت أسماء مصرية في الدوري التركي، مثل محمد النني الذي ذهب إلى باشكتاش على سبيل الإعارة قادمًا من أرسنال الإنجليزي، حيث لعب مع النادي التركي 36 مباراة موسم 2019/2020 قبل أن يعود إلى أرسنال مجددًا، كما لعب محمود حسن "تريزيجيه" في نادي قاسم باشا لموسمين قادمًا من أندرلخت البلجيكي، سجل خلالهما 25 هدفًا وصنع 18، وذلك قبل أن يحترف في أستون فيلا الإنجليزي حاليًّا.

ويزامل مصطفى من اللاعبين المصريين في الدوري التركي الآن الظهير الأيسر الشاب كريم حافظ، الذي يلعب في مالطيا سبور التركي، بعد أن مر على أندية باشاك شهير وقاسم باشا، وقد لعب مع ناديه الحاليّ 29 مباراة صنع خلالهم 6 أهداف وتجاوزت مجموع مبارياته في الدوري التركي 60 مباراةً.

ومن بين اللاعبين المصريين الذين احترفوا في تركيا، تتشابه مسيرة مصطفى مع محمود حسن "تريزيجيه" الذي انتقل من قاسم باشا إلى أستون فيلا، حيث يقول مصطفى أيضًا إنه يحلم بالاحتراف في الدوري الإنجليزي، وقد أوردت الصحف التركية بالفعل إن نادي كريستال بالاس الإنجليزي يضع مصطفى تحت المجهر خلال الموسم الحاليّ لضمه في الموسم القادم، وهو ما سيفتح الباب أمام مزيدٍ من الاستفادة المالية لكلٍ من نادي الزمالك والنادي التركي، وسيعزز مكانة الدوري التركيٍ، كمسابقةٍ وسيطة، مثل الدوري السويسري والبلجيكي والفرنسي في أوروبا.