حينما اندلعت الثورة السورية قبل عقد من الزمن كانت المطالب تدعو للإصلاح قبل أن يلجأ النظام لاستخدام العنف والقوة المفرطة، ما استدعى رفع شعارات تدعو لإسقاطه بشكل كامل حتى الحصول على الحرية والكرامة والعدالة.

ومنذ تشكيل المجلس الوطني السوري أواخر عام 2011، عقد العديد من السوريين الآمال عليه ليكون حاملًا للمشروع الوطني الذي يُمكن من خلاله ترجمة مطالب وشعارات الثورة السورية إلى برامج وسياسات محلية، لكن سرعان ما تراجع التعويل عليه، وفي نهاية عام 2012 تطلع السوريون مجددًا لأن يكون الائتلاف الوطني السوري ممثلًا قادرًا على تلبية مطالبهم والاستجابة لها عبر مشروع وطني، إلا أن أداءه أيضًا كان مخيبًا للآمال.

ومع ذلك، بعد مرور عقد على اندلاع الثورة السورية ما زال لدى السوريين إيمان بضرورة وجود مشروع وطني سوري يُشكل بديلًا ملائمًا لانهيار سلطة النظام السوري ويُقدم حلولًا عملية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية.

هناك اعتقاد خاطئ من بعض المحليين بأن الثورة السورية انتهت بمجرد التحول إلى نزاع مسلح، تدخلت فيه القوى الدولية تباعًا، بشكل جعل مؤسسات المعارضة السورية تفقد القدرة على المبادرة أو الاستجابة لأي مشروع وطني، لكن يبدو هذا الاعتقاد خاطئًا لأنه يختصر تحليل مسار الثورة على العوامل السياسية والعسكرية والأمنية، في حين يُهمل أو يستبعد العوامل الاجتماعية التي كانت وما زالت الأساس الذي انطلقت منه.

على المجتمع المحلي من منظمات وهيئات مدنية والمؤثرين في الرأي العام عدم الاكتفاء بالانتظار، فالمشروع الوطني استحقاق يتطلب مشاركة الجميع به

ترتبط الثورة بجملة من التحولات متوسطة وطويلة الأمد التي يتعرض لها المجتمع والدولة والأفراد، لذلك فإن الدخول في فترة عنف لا تُعبر إطلاقًا عن النتائج إنما عن صعوبة التغيير في ظل استلاب الدولة والمجتمع لصالح السلطة، وعدم توافر الحماية الدولية رغم توافق أهداف الثورة مع شرعة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان.

على أي حال، ما زال المشروع الوطني استحقاقًا ملحًا على جميع السوريين الذين يؤمنون بالثورة من مدنيين وسياسيين وعسكريين والدعوة والمبادرة لإطلاقه، فمن دون تضافر الجهود لا يُمكن إطلاقًا إيجاد الحامل الحقيقي لهذا المشروع، وهذا يقتضي الانتقال من العمل الفردي إلى الجماعي المتمثل بالمؤسسات والمبادرات التي تحتاج إلى إظهار مزيد من الرغبة في التعاون فيما بينها وليس مجرد الانخراط شكليًا فيها لإخلاء المسؤولية.

لطالما افتقد المشروع الوطني السوري لغياب التعاون الوثيق والإستراتيجي بين السوريين الذين ركزوا أكثر على الفردية، التي رغم أهميتها في خلق نماذج ناجحة ومتميزة عن العمل والثورة، تُشكل عائقًا أمام الانتقال نحو الدولة، فمن المفهوم أن النظام السوري لم يمنح السوريين فرصةً للتعاون من أجل خدمة قضايا الشأن العام، لكن بعد عقد من الثورة أصبح لا بد من الاقتناع بضرورة التخلي عن المكاسب الشخصية وتقديم تنازلات قد تكون كبيرة من الأفراد.

إن بلورة مشروع وطني سوري تحتاج في الواقع إلى محطات ومستويات عديدة تبدأ بمبادرة لبناء الثقة بين القوى السياسية تكون عبارة عن إعلان لوثيقة مبادئ تعريفية مشتركة، ليتم بعدها الاتفاق على رؤية مشتركة لعملية إصلاح شاملة للمؤسسات والأجهزة السياسية والخدمية والعسكرية والأمنية والقضائية.

تبدو عملية الإصلاح في مناطق سيطرة المعارضة السورية أهميةً وأولويةً تسبق حتى الاتفاق على وثيقة للعمل المشترك بشأن العملية السياسية، فعلى قوى الثورة والمعارضة السورية إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع المجتمع المحلي الذي من دونه لا يُوفر حماية لا تقل عن الحماية الدولية.

بعد مرور عقد على الثورة السورية لا بد أن الآمال ما زالت معلقة على إطلاق مشروع سوري وطني تكون بوصلة العمل فيه الوصول إلى الحرية والكرامة والعدالة

أيضًا، على المجتمع المحلي من منظمات وهيئات مدنية والمؤثرين في الرأي العام عدم الاكتفاء بالانتظار، فالمشروع الوطني استحقاق يتطلب مشاركة الجميع به، سواءً بالدعوات المستمرة للتظاهر من أجل الضعط على القوى السياسية والعسكرية، لا سيما أن العزيمة تجددت مع مرور الذكرى العاشرة للثورة السورية، أم بتقديم مبادرات لبناء الثقة وحتى تقديم رؤية فعالة للمشروع الوطني السوري.

غالبًا ما شكل الخوف أو التردد عائقًا أمام اتخاذ خطوات فعالة في نجاح المشروع الوطني السوري، لذلك فضلت العديد من قوى المعارضة السورية التعاون مع القوى الدولية بدل المحلية من أجل توفير الحماية لنفسها، أي لفقدان الثقة بالقدرة على الإنجاز الذاتي.

لا يُمكن تجاوز الخوف والتردد إلا بوجود إرادة وضغوط شعبية، كما أن نجاح المشروع الوطني غير مقترن بحصول إجماع عليه، بل بالقناعة اللاحقة الناتجة عن تنفيذ الخطة والأهداف والسياسات التي يتعهد بها، ومع ذلك، لا بد من إيلاء أهمية كبيرة بضرورة توسيع نطاق المشاركة والتمثيل على قاعدة وثيقة بناء الثقة الخاصة بالمبادئ التعريفية.

بعد مرور عقد على الثورة السورية لا بد أن الآمال ما زالت معلقة على إطلاق مشروع سوري وطني تكون بوصلة العمل به الوصول إلى الحرية والكرامة والعدالة، انطلاقًا من المناطق التي تُسيطر عليها قوى معارضة شمال البلاد، بما يجعلها نموذجًا قابلًا لأن يُحتذى به، ويكون نقطة جديدة لإسقاط النظام وإعادة بناء سورية المستقبل.