الأولى آه.. والثانية آه.. والثالثة آه

الأولى مصر وقالوا تونسي ونفوني

والثانية تونس وفيها الأهل جحدوني

والثالثة باريس وفي باريس جهلوني

الأبيات السابقة تصور المعاناة والمرارة الكامنة في نفس قائلها وتُوحي بتمزقه بين الأمكنة والأوطان التي يرتحل بينها ولا يُطيل فيها المقام، فيعبر عما لقاه من مطاردة في مصر وطنه الذي نشأ فيه، وما عاناه في موطنه الأصلي تونس من نكران الأهل وجحودهم وقسوتهم، وما عاشه من مذلة واحتقار في فرنسا.

انشطر إلى نصفين بين مصر وتونس، وهي أوطان لا تعدو أن تكون لبيرم التونسي سوى مهجر ومنفى أحس فيهما بالغربة والاغتراب وبالظلم والضيم، لكن هذه الأمكنة ذاتها صنعت منه أيقونة للزجل فوصفه النقاد بـ"فنان الشعب" و"شاعر العامية الأول" و"بودلير الشرق"، وغيرها من التسميات التي تُدلل على نباهته وعبقريته الشعرية.

نشأته

ولد محمود بن محمد مصطفى بيرم في 12 من مارس/آذار عام 1893 في حي الأنفوشي بمدينة الإسكندرية شمال مصر، لعائلة تونسية الأصل تقيم فيها، وكان والده صاحب مصنع للحرير، وعندما بلغ الرابعة من عمره أرسله إلى الكُتاب فحفظ بعض سور القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والحساب.

لم يستمر بيرم في الكُتاب طويلًا بسبب كرهه لمادة الحساب، لكن مع إصرار والده، أُرسل بيرم إلى المعهد الأزهري بمسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية لاستكمال تعليمه، فانتظم في الدراسة لكن وفاة أبيه دفعته إلى تركها وهو في الثانية عشرة من العمر للبحث عن عمل.

مر محمود بظروف قاسية بعد وفاة أبيه، إذ لم يوفق في إيجاد عمل، وسرعان ما توفيت والدته بعد أبيه بخمس سنوات، ولم يكن يمتلك إلا بيتًا من ميراثه فباعه واشترى آخر أقل ثمنًا، ثم تزوج وهو في السابعة عشر، لكن زوجته توفيت بعد ست سنوات وتركت له طفلين، فاضطر إلى الزواج ثانية.

بداياته

سطع نجم بيرم التونسي بعد حادثة "المجلس البلدي" الذي كان أغلب موظفيه من الإنجليز، وقصيدته بائع الفجل التي نظمها لانتقاد فرضهم ضرائب مجحفة عليه وعلى جيرانه من الباعة وأصحاب المحال الصغيرة في حي الأنفوشي بالإسكندرية.

يا بائع الفجل بالمليم واحدةً      كم للعيال وكم للمجلس البلدي

هذه القصيدة أثارت ضجة واسعة في مدينة الإسكندرية بعد أن نشرتها صحيفة "الأهالي"، ما دفع بيرم إلى إعادة طباعتها وتوزيعها منفصلة، حيث وزع منها مئة ألف نسخة، لتنطلق بعد ذلك بدايته الفعلية لظهور موهبته في كتابة الزجل والشعر العامي.

رددت جماهير الإسكندرية قصيدة بيرم وصار اسمه وأشعاره، حديث الناس في المدينة، ولم يكن هؤلاء الناس إلا الفقراء الذين كان بيرم واحدًا منهم، فلمس بشدة مشكلاتهم وأوجاعهم التي عرفت طريقها إلى قلبه الصغير.

منذ قصيدة بيرم التونسي الأولى، التي عرفها الجمهور، ظهر الطابع اللاذع والنقدي للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أشعاره، وبدت كلماته انحيازًا إلى جانب الفقراء الذين كان منهم، فاختار بيرم لأشعاره اللهجة العامية بقالبها الزجلي الساخر لتكون أقرب إليهم وأكثر تعبيرًا عن أزماتهم وأحوالهم.

من جهة أخرى، فإن انتقال بيرم إلى القاهرة في 1919، شكّل منعرجًا في مسيرته الأدبية ومن خلال جريدته "المسلة" انتقد أعداء الثورة وأعداء زعيمها سعد زغلول، وهاجم الاستعمار والسلطان فؤاد، كما ساهم في الغضب الشعبي من خلال الأعمال التي غناها له سيد درويش، ومن أهمها أغنية "أنا المصري كريم العنصرين".

المنفى.. سنوات الجمر

بعد نقده اللاذع للملك فؤاد وأسرته، لا سيما بعد نشره قصيدة "البامية الملوكي والقرع السلطاني" التي عرض فيها بفضائح الأسرة الملكية، ومقاله "لعنة الله على المحافظ" الذي هاجم فيه زوج الأميرة فوقية بنت الملك فؤاد (محافظ القاهرة)، صدر القرار بنفي بيرم إلى الأراضي التونسية.

أراد بيرم أن يواصل مسيرته الصحفية في تونس، لكنه اكتشف أنه موضوع تحت مراقبة شديدة، بعد أن سبقه صيته في مصر، باعتباره محرضًا على الثورة، فغادر تونس إلى باريس، التي أعجبه نشاط أهلها، لكنه فشل هناك في الحصول على عمل، فانتقل إلى "ليون" لتتفاقم معاناته إلى حد الجوع.

 

أنوار باريس كانت عتمةً وظلامًا غرق فيهما بيرم، فكانت سنواته الأولى التي قضاها بؤسًا وحرمانًا وجوعًا لم يعرفهم في مصر زمن فقره ويتمه، فعمل في مصنع للحديد في ليون لكنه تركه بعد إصابته بالربو، ويقول الشاعر واصفًا حالته في تلك الفترة:

"كنت أثناء الجوع أمر بمراحل لا يشعر بها غيري من الشبعانين، كنت في البداية أتصور الأشياء واستعرضها في ذاكرتي، هذا طبق فول مدمس، وهذه منجاية مستوية، ثم أصل بعد ذلك إلى مرحلة التشهي، يبدأ المغص، ويطوف الظلام حول عيني، وأتمنى من الله أن ينقلني إلى الآخرة فهي أفضل من هذا العذاب الأليم".

عاد بيرم لمصر بجواز سفر مزور في مارس/آذار 1922، لينتقد من جديد العائلة المالكة، لكنه هذه المرة كتب قصيدة هجاء في الملك فؤاد نفسه، ويقول في مطلعها:

ولما عدمنا في مصر الملوك

جابوك الإنجليز يا فؤاد قعدوك

رحل بيرم بسبب هذه الأبيات مرة أخرى إلى فرنسا (9 سنوات) ومنها إلى تونس ثم سوريا ويوضع على ظهر سفينة لنفيه لأي دولة في شمال إفريقيا، واستطاع في أثناء ترحيله أن يهرب عن طريق أحد البحارة المصريين وينزل بورسعيد هاربًا، وقد دام النفي الثاني لبيرم 15 عامًا (1923 و1938) ذاق خلالها الشقاء والبؤس والجوع أضعافًا مضاعفة.

تونس.. مظلمتان

وصل بيرم إلى تونس بعد صدور قرار النفي إلى وطن الأجداد في 25 من أغسطس/آب عام 1920 إلا أن الصد الذي وجده في أقارب أبيه والخذلان الذي لقيه، إضافة إلى الحصار والمراقبة التي فرضتها عليه السلطات التونسية بسبب الدعاية التي أحاطت به منذ وصوله وصورته على أنه من عائلة تركية (بيرم) وأحد المحرضين على الثورات، دفعه إلى الرحيل بعد أربعة أشهر عانى فيها الفاقة والإقصاء والتهميش.

عاد بيرم إلى تونس مرة أخرى بعد نفيه من مصر أواخر عام 1932، فكلف برئاسة تحرير "الزمان" في يناير/كانون الثاني 1933 التي تحولت إلى الجريدة بجهود الشاعر الذي وجد متنفسًا جديدًا يعود من خلاله إلى عالم الصحافة، كما شارك التونسي رفقة ثلة من الأدباء (جماعة تحت السور) في تحرير الصحف ومنها جريدة "السرور" لعلي الدوعاجي (سبتمبر/أيلول 1936)، ليصدر بعدها في أكتوبر/تشرين الأول جريدة بعنوان "الشباب" التي سرعان ما أغلقت بأمر من السلطات.

القرارات الزجرية لم تردع بيرم ولم تحبط عزائمه، فواصل نقده وتهكمه على السلطة من خلال جريدته الشهيرة "السردوك" (الديك)، إلا أن الاحتلال أصدر في نهاية المطاف قرارًا بإبعاده عن البلاد في 21 من أبريل/نيسان 1937.

على الرغم من أن بيرم قضى فترة قصيرة في وطنه الأصلي، فإن أزجاله التي كتبها بتونس، توحي أنه كان شديد الاطلاع على تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ففي نص بعنوان "شاعر عند المسلمين" يردد مرارة المقام بين أناس يجهلونه وينكرون فضله:

راني نادي وأنت هارب طمن قلبك مانيش طالب

هكة الصنعة الله غالب  شاعر عند المسلمين

ويعقب معرفًا بنفسه بأنه رجل علم حاصل على عدة شهادات جامعية، في ملزومته الشهيرة المنشورة بجريدة السرور يوم 13 من أغسطس/آب 1936، وبها تتكرر لازمة "يا سلاك الواحلين":

"شاعر قاري في الزيتونة وشهايدي تكفي طابونة

تقرأ قصايدي سخونة وتشطش كيف الطاجين".

كما تكشف بعض أزجاله الأخرى قساوة عيشه وبؤس البيئة الشعبية التي يقضي فيها سائر أيامه، من دون أن ننسى أنه اضطر أحيانًا لصنع الحلوى وبيعها بنفسه في أسواق المدينة العتيقة، بعد أن كان يعد أمهر قلم ينشط في الصحافة اليومية التونسية، فهو يفضل لقمة العز بيديه على أن يشتغل بما لا يرتضيه ضميره، ويقول مصورًا تفاصيل دقيقة من يومياته:

زيت واسميد مشومها وقفة وقفة  بين أعدا وأحباب بالقفة

الراجل راهو يتوفى ايذا يطلع م الحشامين

يا سلاك الواحلين مشومها الجوع علينا محتمها

المعدة يزيها صيامها وزيد يوجعها لعجين

ياسلاك الواحلي.

 

أمّا في ملزومة "يا محبوبة" الصادرة في جريدة الزمان عدد يوم 23 من يناير/كانون ثاني 1933، فيظهر التجاءه لاستهلاك الحشيش (التكروري) حتى يخفف آلامه وحرمانه:

ياللي خرجتي لحفتك منقوبة والركبتين ظاهرين

سخفتيني بمشيتك يا بنت جنسي وديني في نهج قسطنطين

والتكروري خلا ابن عمك والحشيش والبوري في أسفل السافلين.

إضافة إلى ذلك، كان بيرم مهتمًا بوطنه الأصلي وكان يدلي بدلوه في الأحداث السياسية الجارية بتونس وقتها، كما هو الحال في وطنه مصر، فانتقد المشاركة الشعبية في كتابة الدساتير دافعًا إلى الانخراط في هذا الاستحقاق، ويقول في زجلية له نشرت بصحيفة السردوك يوم 7 من أبريل/نيسان 1937:

راجل ومالوش دستور بهيم ولابس حوايج

لو كان معلق كومندور أو كان مرابط وحاجج.

أعماله

بعد عودته إلى مصر ووفاة الملك فؤاد، التقى بيرم بالفنانة أم كلثوم نهاية 1940 فكتب لها أكثر من 20 أغنية، من أشهرها: أنا في انتظارك والأولة في الغرام وحبيبي يسعد أوقاته وأهل الهوى وشمس الأصيل والحب كده وهو صحيح الهوى غلاب ثم القلب يعشق كل جميل.

كما غنى له مشاهير وكبار المطربين أمثال: سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأسمهان ومحمد فوزي وشادية ونور الهدى وفريد الأطرش برائعته بساط الريح، وترك التونسي أيضًا ديوان شعر يحتوي آلاف القصائد والقطع الزجلية القصيرة والطويلة والأغاني والموشحات وصدرت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات، وقال عنه الشاعر الكبير أحمد شوقي: "لا أخشى على اللغة العربية الفصحى إلا من أزجال بيرم التونسي".

رام بيرم أرضًا يستكين إليها وركنًا يعتمد إليه وأهلًا وخلانًا يستأنس بهم، غير أنه لم يرض عيش الذليل المنكسر فكانت حياته كلها قلق ووحشة وعرق أخرج من جسد المغترب والمنفي شعرًا وفنًا انحاز به للناس وأحيى به أصوات المقهورين والغلابة في مواجهة السلطة والتسلط.