في فبراير/شباط 2021، جدد المغرب ونيجيريا تعهدهما ببناء أنبوب غاز سيمر بعدد من البلدان الإفريقية، تمهيدًا لنقله إلى أسواق أوروبا المغرقة بالغاز الروسي، الذي أضحى ورقةً سياسيةً حولها فلاديمير بوتين إلى لغة للضغط على القارة العجوز. 

الخروج من التبعية

يبحث الاتحاد الأوروبي عن بدائل للخروج من تبعية الغاز الروسي، خاصة بعد أزمة الغاز الروسية الأوكرانية عام 2014، التي هزت ثقة أوروبا في موسكو، فرغم أن الأزمة لم تطلها بشكل مباشر، فقد كانت كفيلة بلفت أنظار الدول الأوروبية إلى خطورة تبعيتها لروسيا وشدة اعتمادها عليها فيما يتعلق بتزويدها بأحد أهم مصادر الطاقة الحيوية. 

سعت روسيا للضغط على أوكرانيا، ليس بهدف تحقيق عائد مادي من وراء محاولتها بيع الغاز بأسعار مرتفعة، وإنما كعقاب لها لمحاولتها الخروج عن فلك موسكو وسعيها إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وبعدما تخلفت كييف عن دفع ديونها وكذا ثمن الغاز مقدمًا إلى موسكو، انخفضت إلى الصفر إمدادات شركة "غازبروم" الروسية نحو أوكرانيا، خصوصًا بعد فشل المحادثات التي جرت بوساطة أوروبية لحل الأزمة بين البلدين.

مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب نحو أوروبا، يسعى إلى تقليل أهمية الغاز الروسي بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي يستورد من موسكو 40% من احتياجاته. 

يعود الاتفاق بشأن مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا وأوروبا مع أبوجا إلى 14 عامًا مضت، بينما بدأ المشروع المغربي قبل نحو 5 سنوات

علاوة على الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية لهذا المشروع المتجلية في ربط الغاز بين القارتين الإفريقية والأوروبية، ومناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، فإن الأهمية القصوى تكمن في الجانب السياسي، خاصة أن هناك لاعبين أساسيين لن يعجبهم مثل هذا المشروع الضخم، خاصة روسيا التي تعد أول مزود للسوق الأوروبية من الغاز. 

منافسة حادة

هذا المشروع خلق منافسةً حادةً بين المغرب وجارته الشرقية الجزائر، التي بدورها تسعى إلى الفوز بهذه الصفقة مع نيجيريا، مُقللة من جدوى أنبوب الغاز مع المغرب بأنه سيعبر عدة بلدان هي بحاجة إلى الغاز، بالتالي فالكمية التي ستصل الأسواق الأوربية ستكون قليلة، بينما الجزائر ليست في حاجة إلى الغاز، ومشروع الربط بينها ونيجيريا سيشمل ثلاثة بلدان فقط.  

يعود الاتفاق بشأن مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا وأوروبا عبر الجزائر مع أبوجا إلى 14 عامًا مضت، بينما بدأ المشروع المغربي قبل نحو 5 سنوات.

وذكرت وسائل الإعلام المغربية أن مشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا ليصل إلى أوروبا عاد بقوة إثر المكالمة الهاتفية التي جرت مساء الأحد 31 من يناير/كانون الثاني 2021، بين الملك المغربي محمد السادس والرئيس النيجيري محمد بخاري.

وخلال المباحثات الهاتفية، عبّر قائدا البلدين عن عزمهما مواصلة المشاريع الإستراتيجية وإنجازها في أقرب وقت، وعلى رأسها خط الغاز بين البلدين، وفق بيان للديوان الملكي.

جرى توقيع المشروع في الرباط بمناسبة زيارة رسمية لمدة يومين قام بها الرئيس النيجيري محمد بخاري إلى المغرب في 2018، وكان قد أعلن عنه في ديسمبر/كانون الأول 2016 بمناسبة زيارة العاهل المغربي محمد السادس إلى أبوجا، إذ التقى محمد بخاري في إطار التعاون الثنائي، وتم إطلاق دراسة الجدوى في مايو/أيار 2017.

في المقابل رأت وسائل إعلام جزائرية أن المشروع في الأصل كان جزائريًا، لكن الرباط دخلت على الخط لإجهاض الشراكة بين نيجيريا والجزائر لإنشاء أنبوب الغاز العابر للصحراء. 

اهتمام أوروبي

لكن هل الاتحاد الأوروبي مهتم في الأصل بهذا المشروع؟ يبدو الأمر كذلك خاصة أن دوله تبحث عن بدائل تجنبها الضغط الذي يظهر بورقة الغاز ضد أحد التكتلات الكبرى التي تستورد 80% من احتياجاتها من الغاز نصفها من روسيا.  

تراقب الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وإسبانيا والبرتغال باهتمام كبير مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا نحو المغرب الذي سيصل إلى أوروبا عبر أنبوب وليس الاستيراد عبر السفن. 

تكلفة أنبوب يمر عبر بلدان إفريقيا الغربية ستكون عالية جدًا، وكيفما كان الحال، يجب أن تبقى هذه التكلفة أقل بكثير من المنافع التي قد تجنيها تلك الدول

تحصل أوروبا على نسبة مهمة عبر أنبوب من روسيا، أيضًا من الجزائر عبر الأنبوب الممتد من وهران نحو ألمرية الإسبانية على حساب الأنبوب الذي كان ينطلق من الأراضي الجزائرية نحو المغرب ثم جنوب أوروبا.

من الصعب أن يتخلى الاتحاد الأوروبي نهائيًا عن الغاز الروسي، لكنه يعمل على تطوير مصادر استيراد بديلة، من شأنها ألا تتأثر بالنزاعات السياسية الدولية، ولا تستعملها للتلاعب بحصص الغاز وأسعارها في السوق الدولية.  

تحدٍ أمني ومالي

كما يبدو الاتحاد الأوربي متريثًا إزاء هذا المشروع الذي لا يزال حبرًا على ورق، ولم يتم إلى حدود الآن الشروع في المرحلة الأولى لمشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب، التي تشمل الربط بين دول غرب إفريقيا القليلة الاستهلاك للغاز، بطول يمتد إلى 5660، ليعبر 12 دولة، وهي بينين وتوغو وغانا وساحل العاج وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا.

وتتجلى المرحلة الثانية - وهي التي تراهن عليها نيجيريا - من المغرب نحو إسبانيا لربطه بالشبكة الأوروبية لتوزيع الغاز في مجموع أوروبا وخاصة البرتغال وفرنسا.

من التحديات التي تواجه أنبوب الغاز، تلك المتعلقة بالأوضاع الأمنية في شمالي نيجيريا، فما زالت تنشط جماعة بوكو حرام الإرهابية ويتنامى نشاط جماعات موالية لتنظيم داعش في دولة النيجر، ما قد يتسبب في عرقلة إتمام المشروع أو تعرضه لهجمات. 

أيضًا يتفق الجميع على أن تكلفة أنبوب يمر عبر بلدان إفريقيا الغربية ستكون عالية جدًا، وكيفما كان الحال، يجب أن تبقى هذه التكلفة أقل بكثير من المنافع التي قد تجنيها تلك الدول ويجب أن تقتنع هذه الأخيرة بذلك وبسرعة.

وتميل نيجيريا إلى أنبوب الغاز عبر المغرب لاعتقادها بوجود دعم أوروبي حقيقي للمشروع، ما يعني التخلي عن مشروع أنبوب الصحراء الكبرى، بالتالي ستكون الجزائر خاسرة في آلية الاتفاق هذه. 

تهتم شركات أوروبية وعلى رأسها فرنسا وإسبانيا بتطوير حقول الغاز في هذا البلد لتصبح نيجيريا ضمن المنتجين السبع الأوائل في العالم، وذلك من أجل ضخ كميات أكبر من الغاز نحو أوروبا.