يحيا الوسط الصحفي المصري هذه الأيام حالة من الجدل بسبب الضبابية المخيمة على أجواء انتخابات نقابة الصحفيين التي كان مقررًا لها في الـ19 من مارس/آذار الحاليّ غير أنها أجلت للـ2 من أبريل/نيسان المقبل بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني للجمعية العمومية (50 بالمائة +1).

انقسام بين الصحفيين بشأن آلية انعقاد الانتخابات في ظل تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد 19) لا سيما أنه وبحسب قانون النقابة فلا بد من إجرائها داخل المبنى وهو أمر يحمل الكثير من المخاطر بشأن صحة الصحفيين، فمن المفترض أن يتجاوز عدد المشاركين في العملية الانتخابية 2500 صحفي على الأقل لإكمال النصاب في المرة الثانية (25% من أعضاء الجمعية العمومية) داخل مبنى ضيق لا يمكنه أن يتسع لهذا العدد.

الأجواء المحيطة بالانتخابات تذهب بالذاكرة إلى أجواء الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخرًا، من حيث العزف على وتر احتياجات الصحفيين ومعاناتهم المادية، وهو ما دفع البعض إلى وصف تلك العملية بـ"انتخابات الكراتين" في إشارة إلى الرشاوى الانتخابية التي اتهم بتقديمها حزب "مستقبل وطن" للناخبين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات الشيوخ والنواب، ومن قبلها الانتخابات الرئاسية.

تأتي تلك الانتخابات في وقت تعاني فيه الصحافة من تضييق خناق غير مسبوق، وانحدار تاريخي في منسوب الحريات، الأمر الذي رفع سقف طموحات البعض في أن تسفر نتائج تلك العملية عن دماء جديدة قادرة على إعادة كرامة المهنة وقدسيتها، لكنها الطموحات التي من المرجح أن تصطدم بالواقع في ظل السيطرة الحكومية على المشهد كما سيرد ذكره تفصيلًا.

جدل بشأن عقد الانتخابات

حتى كتابة هذه السطور لم تستقر النقابة على مكان إجراء الانتخابات، ورغم النقاشات المطولة بهذا الشأن، لم يستقر بعد على القرار النهائي، إذ كان هناك اقتراح بإقامة سرادق كبير في شارع عبد الخالق ثروت الذي يوجد به مبنى النقابة، إلا أن وزارة الداخلية رفضته دون إبداء أسباب ما وضع الصحفيين في مأزق.

أحاديث تدور بشأن اللجوء إلى مكان مفتوح بجوار النقابة، لكن هناك تخوفات من بطلان العملية برمتها، إذ تلزم اللائحة بإجراء الانتخابات داخل المبنى أو في محيطها على أقصى تقدير، وهنا مأزق جديد للأسرة الصحفية التي باتت بين مطرقة إقامة الانتخابات داخل المبنى ما قد يمثل تهديدًا لحياة المئات من الصحفيين وسندان بطلانها حال إقامتها في مكان مفتوح.

حالة من التشكيك تسيطر على مسألة انعقاد الانتخابات من عدمها، فالفريق الذي يطالب بإجرائها يتهم أنصار التأجيل بالبحث عن مصالحهم والحفاظ على كراسي الأعضاء الست المقرر خوضهم للانتخابات، في الوقت الذي يتهمون هم فيه الراغبين في إقامتها بتعمد تعريض حياة الزملاء للخطر.

ينفي رشوان دومًا ما يؤكده الصحفيون بأنه "مرشح الدولة"، فهو أحد موظفيها الكبار والساعي طيلة ولايته الأخيرة وما سبقها من ولايات أخرى، لتجنب الصدام مع الحكومة في أي من مسارات الخلاف

وقبل أسبوعين تقريبًا على الموعد المقرر للانتخابات، يسيطر العزوف على قرار شريحة كبيرة من أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، لا سيما بعد ارتفاع معدلات الإصابة بكورونا بين زملائهم، الأمر الذي دفع البعض إلى تفضيل السلامة عبر الامتناع عن الحضور والمشاركة في الماراثون الانتخابي.

معضلة أخرى تواجه الصحفيين في هذا المضمار تتعلق باستمرار الإبقاء على "السقالات" على سلالم النقابة، وما تحمله من دلالات سلبية تؤثر على دور النقابة وقيمتها، فيما تقدم بعض المرشحين لعضوية المجلس بمذكرات للجنة المشرفة على الانتخابات بإزالتها قبيل موعد العملية الانتخابية حتى تفسح المجال للصحفيين وتعيد سمت النقابة مجددًا بعد التشويه الذي تعرضت له منذ وضعها منذ أكثر من عام.

رشوان لولاية جديدة

يسعى النقيب المنتهية ولايته، ضياء رشوان، للفوز بولاية جديدة كنقيب للصحفيين، رغم ما أثير بشأن عدم دستورية ترشحه في ظل جمعه بين وظيفتين: الأولى صحفي والثانية رئيس الهيئة العامة للاستعلامات (حكومي)، لكن الطعون المقدمة في هذا الشأن رفضت قضائيًا رغم النص الصريح في ذلك.

ينفي رشوان دومًا ما يؤكده الصحفيون بأنه "مرشح الدولة"، فهو أحد موظفيها الكبار، والساعي طيلة ولايته الأخيرة وما سبقها من ولايات أخرى، لتجنب الصدام مع الحكومة في أي من مسارات الخلاف، منوهًا أن علاقته بالسلطة جيدة لكن ليس شرطًا أن يمثل النظام.

العديد من القرائن استعان بها الصحفيون للتأكيد أن رشوان هو المرشح الأوفر حظًا والمدعوم بشكل كبير من الجهات السيادية، أبرزها تراجع النقيب السابق عبد المحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، عن الترشح بعدما أعلن ذلك، بخلاف تسهيل عملية الإفراج عن بعض الصحفيين المعتقلين، وهو ما فسره البعض بهدية تقدمها السلطات لمرشحها لتوسيع دائرة شعبيته على غرار فيلم "طيور الظلام".

وينافس ضياء على موقع النقيب خمسة مرشحين آخرين، أبرزهم النقابي المخضرم كارم يحيى، ممثلًا عن جريدة "المشهد" الخاصة، وهو المحسوب على تيار الاستقلال المعارض لرشوان، وكان أحد الطاعنين في قانونية ترشح النقيب الحاليّ مرة أخرى كونه موظفًا حكوميًا.

كذلك هناك الصحفي رفعت رشاد، عن جريدة أخبار اليوم، وله قاعدة جماهيرية معقولة لا سيما من أبناء الصحف القومية الممولة حكوميًا، كونه أحد أبنائها، بجانب سيد الإسكندراني الذي يترشح للمرة التاسعة في تاريخه على منصب النقيب، ومعه طلعت هاشم عن جريدة "مصر الفتاة"، ومحمد مغربي عن جريدة "الشعب".

الصحف القومية في المقدمة

كالعادة تسيطر الصحف القومية الحكومية على النصيب الأكبر من خريطة المرشحين لعضوية نقابة الصحفيين، وهو ما يجعل النقابة في معظم الأحيان "في جيب الحكومة" بعيدًا تمامًا عن أدوارها المفترضة والمتعلقة بحماية المهنة والتصدي لكل من يحاول التغول عليها حتى لو كانت السلطة ذاتها.

يبلغ عدد مرشحي المؤسسات الحكومية 27 مرشحًا من إجمالي المرشحين بنسبة 48.21%، بينما بلغ عدد مرشحي المؤسسات والصحف الخاصة 21 مرشحًا بنسبة 37.5%، وبلغ عدد مرشحي المؤسسات الحزبية 3 مرشحين فقط، بنسبة 5.35 %، وفق التقرير الصادر عن المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

المغريات التي تضمنتها بعض برامج المرشحين أثارت سخرية البعض، فأحدهم قدم عرضًا على دراجات، وآخر على مقابر للأموات، وثالث على قروض سيارات مخفضة، ورابع على شقق سكنية بأقساط بسيطة، وخامس على خدمات صحية

مؤسسة الأهرام تتصدر المركز الأول في قائمة عدد المرشحين الأكبر بمعدل 12 مرشحًا بنسبة 21.42%، تليها جريدة الجمهورية بمعدل 6 مرشحين بنسبة 10.71%، ثم مؤسسة أخبار اليوم، أما فيما يتعلق بالصحف الخاصة، فجاءت الدستور في المرتبة الأولى بمعدل 4 مرشحين بنسبة 7.14%، يتساوى معهما فئة الصحفي الحر وهو غير المعين في صحيفة محددة بمعدل 4 مرشحين أيضًا، تليها مجلة الإذاعة والتليفزيون وصحف الشروق والبديل والسوق العربية والوفد بمعدل مرشحين لكل منها بنسبة 3.57%.

معروف أن الكتلة التصويتية لصحفيي المؤسسات التابعة للحكومة تعادل قرابة ضعفي كتلة الصحف الخاصة والحزبية، وهو ما يجعل القرار النهائي يصب في صالح ممثلي الصحف القومية، وتعد تلك الوضعية إستراتيجية ممنهجة حتى إن لم يتم كشفها بصورة مباشرة أو علنية.

الرشاوى الانتخابية.. كراتين من نوع خاص

تصاعدت الوعود والتعهدات التي ساقها المرشحون في الانتخابات بصورة حولت نقابة الصحفيين إلى سوق كبير للمزايدة، كل يدلي بدلوه، عازفًا على حالة العوز والفقر التي يعاني منها غالبية الصحفيين في ظل المستوى المتدني للأجور وسيطرة الشللية على المشهد وتضييق الخناق على عمل وأداء الصحف.

البدل الشهري الذي يحصل عليه الصحفي والمسمى "بدل التكنولوجيا" وقيمته 2100 جنيه (135 دولارًا) أحد أبرز مجالات المزايدة بين المرشحين على منصب النقيب تحديدًا، فصاحب العلاقة الأوثق بالسلطة هو الأوفر حظًا في الحصول على زيادة في قيمة هذا البدل.

وعليه تتوجه الأنصار صوب رشوان، بحكم العلاقة التي تجمعه بالنظام، في محاولة للحصول على نسبة زيادة معقولة، وهو ما يعول عليه الكثيرون ممن يعيشون على هذا البدل فقط، ومن ثم لا يترددون في منح النقيب المنتهية ولايته أصواتهم طالما هو القادر على زيادة هذا الحافز ولو كانت جنيهات لا تسمن ولا تغني من جوع.

المرشح على عضوية المجلس، حسام السويفي، كان قد رفع أكثر من قضية أمام القضاء المصري لزيادة البدل بنسبة سنوية تلقائية تقدر بـ20%، معتبرًا أن هذا يعد جزءًا من الراتب، في محاولة منه لغلق الباب أمام مرشحي الدولة لابتزاز الصحفيين من خلال هذا الوتر، ضمانًا لنزاهة العملية الانتخابية.

الطريف في الأمر أن المغريات التي تضمنتها بعض برامج المرشحين أثارت سخرية البعض، فأحدهم قدم عرضًا على دراجات، وآخر على مقابر للأموات، وثالث على قروض سيارات مخفضة، ورابع على شقق سكنية بأقساط بسيطة، وخامس على خدمات صحية، وتحول الأمر إلى مزاد، فيما لم يتحدث أحد عن هموم المهنة وأزماتها إلا القليل.

على مدار 8 عقود كاملة، منذ نشأتها في 1941، خاضت خلالها نقابة الصحفيين عشرات المعارك، واجهت فيها مساعي أنظمة الحكم المتعاقبة لفرض الحصار على الصحافة، إذ بها على وشك التحول إلى جمعية استهلاكية، وسوق جملة لبيع السلع المخفضة، لتحيد عن الهدف الأسمى الذي أنشئت من أجله

قنابل موقوتة

يواجه مجلس النقابة، القادم والسابق، العديد من القنابل الموقوتة التي تعتبر خطرًا يحدق بالأسرة الصحفية ككل، أبرزها ملف الحريات، وهو الملف الأبرز على الساحة الآن بعدما وصلت مستويات الحريات الصحفية إلى القاع، في ظل قبضة أمنية مطبقة على كل نوافذ الخريطة الإعلامية.

كذلك ملف صحفيي الصحف الحزبية والخاصة المغلقة، الذي يتجاوز عددهم 500 صحفي، ويعانون من تجاهل متعمد من كل المجالس النقابية لحل أزماتهم المتتالية، التي وصل بعضها حد اضطرار عدد منهم إلى العمل كسائقي توك توك أو أوبر، فيما غير آخرون مسارهم وعملوا بقطاع العقارات وتجارة الخضراوات.

هذا بجانب "أزمة تكويد الصحف" وهي الأزمة التي اختلقتها النقابة مع عدد من الصحف الجديدة المتخذ بحقها قرار للاعتراف بها داخل النقابة في المجلس السابق، ومن ثم قبول صحفيين منها كأعضاء جمعية عمومية، إلا أن المجلس الحاليّ تلكأ في تنفيذ هذا القرار وأعاد دراسة الملف برمته، واضعًا شروطًا وصفت بـ"المجحفة" تعرض مستقبل عشرات الصحفيين للخطر، بعضهم يعمل في المهنة منذ 20 عامًا.

ثم تأتي أزمة الأجور والمرتبات لتتصدر المشهد في السنوات الأخيرة، التي تراجعت فيها الرواتب بشكل غير مسبوق، فبينما يسعى الجميع لتعويض العاملين عن الظروف الاستثنائية الناجمة عن الأزمات الاقتصادية الطاحنة والأوبئة من خلال زيادة في الرواتب، نجد أن الساحة الصحفية تسير عكس الاتجاه، فالفصل التعسفي وتقليص الراتب ومضاعفة الجهد المبذول هو السمة الأبرز حضورًا في أغلب المؤسسات الصحفية.

رغم التاريخ الحافل لنقابة الصحفيين المصرية في الدفاع عن حرية واستقلال الصحافة، والزود عن كرامة العاملين بها، على مدار 8 عقود كاملة، منذ نشأتها في 1941، خاضت خلالها عشرات المعارك، واجهت فيها مساعي أنظمة الحكم المتعاقبة لفرض الحصار على الصحافة، إذ بها على وشك التحول إلى جمعية استهلاكية، وسوق جملة لبيع السلع المخفضة، لتحيد عن الهدف الأسمى الذي أنشئت من أجله.

وفي الأخير ووفق القراءات المتعددة للمشهد الحاليّ لا يُتوقع أن تسفر نتائج الانتخابات القادمة عن جديد يذكر، فالمؤشرات تذهب إلى بقاء الوضع على ما هو عليه، سيطرة حكومية شبه تامة، ووأد ما تبقى من حلم الاستقلال والتحرر، لتواصل نقابة الصحفيين سيرها على الأشواك التي تستنزف دماءها يومًا بعد يوم.