حظر شامل لمعظم الأماكن.. إغلاق جزئي للبعض الآخر.. تباعد اجتماعي بين الأسر والعائلات.. تعليم إلكتروني بشكل كامل، تلك بعض تداعيات جائحة كورونا.

بعد تفشي الوباء وإصدار الكثير من التوجيهات واللوائح بغلق المدارس والجامعات وإرشادات العزلة والتباعد الجسدي بين الطلاب، واجه كثيرون منا مشاكل قد تمثل خطرًا أكبر على الفرد من الإصابة بالفيروس ألا وهي الصحة العقلية والنفسية. 

فقد تسبب فيروس كورونا في حدوث فوضى بالصحة العقلية بين طلاب الجامعات والمدارس، لذلك كان على الطلاب التكيف مع آلية التعلم عبر الإنترنت والتعامل مع احتمالية الإصابة والاضطراب الناجم عن Covid 19، وكذلك التكيف مع فقدان رفاهية حياتهم.

الصحة العقلية والنفسية للطلاب في خطر

في أبريل/نيسان 2020 ومن خلال دراسة أكاديمية أجرتها مؤسسة "Active Minds" على 2086 طالبًا بشأن تأثير Covid-19 على صحتهم العقلية والنفسية، تبين أن 89% من الطلاب يعانون التوتر والقلق النفسي نتيجة تداعيات كورونا، حيث صرح 1 من كل 4 طلاب بازدياد حالة الاكتئاب بعد تفشي الفيروس.

كما أظهرت الدراسة تأثر 80% من الطلاب باضطراب الصحة النفسية، فعانى 91% منهم من القلق والتوتر، وكان للحزن والشعور بالعزلة والوحدة النصيب الأكبر فيهم. 

كما استطلعت تجربة مسح لعدد الطلاب في اتحاد الجامعات البحثية (SERU) 30725 طالبًا جامعيًا و15346 طالب دراسات عليا في تسع جامعات بحثية عامة، ووجدت أنه بين مايو/أيار ويوليو/تموز، كان 35% من الطلاب الجامعيين و32% من طلاب الدراسات العليا والمهنيين يمرون بحالة اكتئاب وتوتر عالية، بينما كان لدى 39% من كلتا المجموعتين قلق عام.

وللمساعدة في تسوية منحنى COVID-19، حث خبراء الصحة المواطنين على البقاء في المنزل وممارسة التباعد الاجتماعي، لكن العزلة الاجتماعية بلا شك يمكن أن تسبب اضطرابات الصحة العقلية مثل الاكتئاب والقلق والإفراط في تناول الطعام.

حالة الطلاب في ظل الجائحة

أشار بعض الطلاب إلى أسباب تأثر صحتهم العقلية والنفسية، التي ترجع إلى افتقاد الاتصال بين المتعلمين من جميع الفئات العمرية بالمدرسة والجامعة، وقطع الوصول المادي إلى أقرانهم، كما تم إلغاء حفلات تخرج الطلاب في جميع أنحاء البلاد.

وبالنسبة لعدد كبير جدًا من الطلاب في العالم، كان ضعف الاتصال بالإنترنت يعني أنهم ببساطة لا يستطيعون التفاعل أو المشاركة على المستوى الذي يريدونه، كما أن عدم القدرة على الاختلاط بالآخرين يسلبهم متنفسًا لفك الضغط والتوتر، فكل هذه المواقف تمثل خسائر حقيقية للطلاب وتضع عبئًا على صحتهم العقلية والعاطفية ويمكن أن تعيق نجاحهم.

إبقاء الطلاب في المنزل بدلًا من الحرم الجامعي يمكن أن يؤدي إلى عواقب أخرى

فإذا واجه الطالب صعوبة في التكيف مع الوضع الطبيعي الجديد أو كان قلقًا بشأن مستقبله، فبكل بساطة يبدأ في الشعور بتوتر شديد من شأنه أن يؤثر على جوانب كبيرة من حياته: روابطه الاجتماعية وصحته الجسدية، وكذلك أدائه الأكاديمي.

وعلى الصعيد الآخر، فإبقاء الطلاب في المنزل بدلًا من الحرم الجامعي يمكن أن يؤدي إلى عواقب أخرى، فبعد إصدار القرارات بإغلاق الجامعات والمدارس تأثر بعض الطلاب بالعودة إلى وضع متعثر أو موارد غذائية محدودة أو ليس لديهم منزل على الإطلاق، كما فقد آخرون وظائفهم داخل الحرم الجامعي أو وظائفهم المحلية.

فطوال الوقت، يمر طلاب الجامعات بهذه التغييرات المفاجئة وغير المتوقعة في أثناء فصلهم جسديًا عن أنظمة الدعم المألوفة داخل الحرم الجامعي، فحقًا الوضع الذي يعيشونه مرهق ومثير للقلق، حيث يوجد خوف دائم من المجهول بالإضافة إلى فقدان السيطرة، ما يجعلهم بشكل خاص أكثر عرضة لتطور مشاكل الصحة العقلية لديهم.

اليونسكو تحقق المعادلة الصعبة

في ضوء تكاتف جميع الجهات والأفراد لتخطي الحواجز النفسية والعقلية للجميع بشكل عام وللطلاب بشكل خاص، تلتزم اليونسكو بهدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لضمان تعليم جيد ومنصف وشامل وتعزيز التعلم مدى الحياة للجميع رغم وجود تحديات قبل أن يضرب COVID-19 العالم، والآن بعد أكثر من عام من التعايش مع الفيروس، أصبحت الأمور أسوأ، خاصة بالنسبة للفئات المهمشة كالفتيات والطلاب المعاقين وأولئك الذين يأتون من خلفيات فقيرة أو الذين يعيشون بعيدًا عن المراكز الحضرية.

ففي وقت سابق من هذا العام، بدأت اليونسكو حملة Minding Our Minds لأنه من الواضح لنا أن إستراتيجية شاملة للصحة العقلية هي عملية ضرورية لتقليل الانتكاسات التي يواجهها الطلاب خلال تلك الجائحة، لذلك سوف يتطلب الأمر جهدًا جماعيًا وتركيزًا لضمان حصول الطلاب على الرعاية التي يحتاجونها للنجاح.

اليوجا والرياضة لصحة عقلية أفضل

ومن أجل مكافحة الآثار السلبية لهذا الوباء، أشارت اليونسكو بضرورة التأكد من حصول الطلاب على دعم الصحة العقلية اللازم لمواجهة الخسائر والتحولات التي حدثت في العام الماضي.

لذلك يُعد التأمل واليوجا من أهم وأكثر الأدوات التي لا تقدر بثمن التي يمكن أن تستخدم التنفس والتحكم في التركيز لمساعدة حتى أصغر الطلاب على التعامل مع قلقهم وارتباكهم خلال عصر الاضطراب هذا، وبالنسبة لليوجا، فإن فرصة ممارسة الرياضة البدنية تجلب المزيد من الفوائد للعقل.

ولحسن الحظ، فهذه الأساليب التقليدية متاحة للجميع - خاصة أولئك الذين يعملون أو يتعلمون من المنزل - من خلال مقاطع الفيديو عبر الإنترنت والتطبيقات المجانية والمصادر الأخرى الإلكترونية.

وهناك العديد من التدابير المهمة الأخرى التي يمكن للأسر اتخاذها لحماية الصحة العقلية لأبنائهم من الطلاب منها: الحفاظ على نظام غذائي صحي وتشجيع ممارسة الرياضة البدنية واستخدام الألعاب عبر الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي للبقاء على اتصال مع الأصدقاء والأقران، وكذلك الحفاظ على روتين منتظم والحصول على قسط كاف من النوم.

فرصة لوضع طبيعي جديد للصحة العقلية

كيف يمكننا تعزيز الصحة العقلية للطلاب في حقبة COVID-19 لتقليل تأثير الفيروس والتباعد الاجتماعي وتطوير وضع طبيعي جديد أكثر صحة ومرونة للمستقبل؟ هل سنعير أخيرًا اهتمامًا جادًا للصلة بين تنظيم الإجهاد والصحة النفسية والعقلية؟

أولًا، هناك خمس حقائق عن التوتر والدماغ والصحة العقلية يمكن أن تساعد في علاج الصحة النفسية والعقلية، فلا يوجد في الواقع مرض أو إصابة لا تساعدها الصحة العقلية الجيدة، لماذا؟

1- ترتبط عقولنا وجهازنا المناعي ارتباطًا وثيقًا ببعضهم البعض، فجهاز المناعة هو الوسيط الرئيسي للعوامل البيئية مثل الميكروبات والمواد الكيميائية وCOVID-19، كما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمزاجنا وعدد من أمراض الدماغ مثل مرض الزهايمر إلى السكتة الدماغية والاكتئاب.

2- الإجهاد والتوتر أمر طبيعي ويمكن أن يكون صحيًا ويحفز السلوكيات الصحية، لكن الإجهاد المستمر ليس كذلك، فمستويات الإجهاد العالية وغير المنظمة الناتجة عن تأثير تفشي للفيروس لها عدد من العواقب السلبية على الدماغ والمناعة، ما يؤدي إلى اختلال توازن السكر في الدم وارتفاع ضغط الدم وضعف المناعة وهو عكس ما نحتاجه لمحاربة فيروس COVID-19.

3- تعتبر التمارين البدنية كما ذكرنا عنصرًا أساسيًا في تحسين الصحة البدنية والعقلية، وقد تم ربط التمارين المنتظمة بالتغيرات في التغذية العصبية للدماغ وانخفاض الإجهاد التأكسدي الذي يضر بالخلايا والأنسجة.

4- تطبيق تقنيات اليقظة والاسترخاء يمكن أن تحسن الحالة المزاجية ونوعية النوم من خلال تعزيز التحكم في نظام اليقظة والتركيز في الجسم وكذلك إدارة القلق والمخاوف.

5- هناك ارتباط وثيق إلى حد كبير بين الصحة العقلية والبدنية، فكل منهما يؤثر في الآخر بشكل غير مباشر، فالاستثمار في الصحة النفسية يؤتي ثماره طويلة الأمد، فقد أظهرت الدراسات أن الصحة العقلية والبدنية المستقبلية مرتبطة بالاستثمارات السابقة في الصحة العقلية والبدنية، لذلك لا بد من تغيير أنماط الحياة الروتينية دون الإخلال بقواعد الصحة العامة. 

عادات للسلامة العقلية والنفسية

تظهر هذه الحقائق الخمسة التحدي الكبير للصحة الجسدية والعقلية وفرصة كبيرة للنجاة بهم، فكيف نجمعها جميعُا؟

1- ركز كل يوم على ما يمكنك فعله من مهام مهما كانت صغيرة، فقط اذهب للخارج واستمتع بالطبيعة (على النحو الذي تسمح به الإرشادات المحلية) بوتيرة أبطأ للحصول على جرعة يومية من التمارين البدنية والاسترخاء وفيتامين د، فيمكننا جميعًا أن نتعلم أن نكون أكثر مرونة لما يمكننا فعله بالحاضر بدلًا من ما لا يمكننا فعله.

2- استكشف - بل شكل - مجموعة أدوات الصحة العقلية الجديدة، فيجذب COVID-19 اهتمامًا كبيرًا إلى الموارد المتزايدة المتاحة عبر الإنترنت، فدعنا نستكشف ونتقن النطاق الكامل للفرص للاتصال الاجتماعي الهادف والرعاية الذاتية والتعلم عن بعد، وغير ذلك.

فليس هناك وقت مثل الوقت الحاضر لمراجعة استخدامنا للتكنولوجيا بشكل عام وتكنولوجيا الصحة العقلية بشكل خاص، وبالطبع لن تمنح التطبيقات بطريقة سحرية العافية أو النوم أو وضع حد للصحة العقلية السيئة، لكنها أدوات يمكننا تعلم استخدامها بحكمة.

يمكن أن يؤدي الحفاظ على نظام غذائي متوازن والحد من المنبهات والكافيين والحصول على قسط كافٍ من النوم إلى تحسين الصحة العقلية

واستجابةً لـCOVID-19، يقدم العديد من المطورين أدوات مجانية عبر الإنترنت يمكن استخدامها لإثارة المزيد من التفكير الذاتي ولتطوير عادات أفضل للنوم وممارسة الرياضة والعناية الذاتية، فربما يمكن أن يكون لتنمية هذه العادات آثار مهمة مثل التغييرات في أنظمتنا المناعية، وإذا كان واسع الانتشار بدرجة كافية، يمكن لهذا الإدراك أن يحدث ثورة في كيفية تعاملنا مع الصحة العامة والعقلية في المستقبل.

3- تبني عادات صحية جديدة لتخفيف القلق والتوتر مثل: التنفس العميق والتأمل والنوم الصحي وموسيقى هادئة ونظام غذائي متوازن وتقليل المنبهات والكافيين.

وهناك طرق عديدة لمعالجة الصحة النفسية، فيمكن للطلاب تجربة إستراتيجيات المواجهة في أثناء وجودهم في المنزل أو الاستفادة من الموارد الافتراضية مثل الرعاية الصحية عن بُعد لتلقي مزيد من الدعم.

كما أن الطريقة المباشرة لتخفيف التوتر هي من خلال ممارسة تقنية التنفس البطيئ والعميق، بالإضافة إلى التأمل والموسيقى أيضًا لتحويل الحالة المزاجية المتوترة إلى حالة أكثر صحة وإيجابية.

ولنفترض أنك تشعر بالإحباط بسبب فرط التوتر أو القلق أو الذعر، ففي هذه الحالة، يوصي نظام Mayo Clinic الصحي باستخدام تقنية "5 ، 4 ، 3 ، 2 ، 1"، فيساعدك هذا التمرين على التركيز على ما يحيط بك بدلًا من التركيز على ما يسبب هذه المشاعر، ويمكن أن يساعد أيضًا في منع أنماط التفكير الضارة.

وفقًا لجمعية القلق والاكتئاب الأمريكية، يمكن أن يؤدي الحفاظ على نظام غذائي متوازن والحد من المنبهات والكافيين والحصول على قسط كافٍ من النوم إلى تحسين الصحة العقلية، وعلى الرغم من أنه من السهل أن تضيع الوقت أو تبتعد عن الروتين اليومي في أثناء العزلة الاجتماعية، فإنه من الضروري مراقبة كيفية تعاملك مع عقلك وجسدك.