أول زيارة خارجية للمنفي كانت لفرنسا

أول زيارة خارجية للمنفي كانت لفرنسا

تحاول فرنسا جاهدةً الظهور في ثوب الداعم للسلطات الليبية الجديدة بعد أن كانت إحدى أبرز الدول التي تسببت في انهيار الدولة الليبية ونشر الفوضى والعنف هناك بدعمها الميليشيات الرافضة للشرعية الدولية. مساع فرنسية حثيثة يأمل الليبيون أن تكون صادقةً هذه المرة وألا تعود باريس إلى لعب أدوارها المشبوهة في البلاد.

دعم وفتح السفارة

اختار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي ونائبه موسى الكوني، أن تكون أول زيارة خارجية لهما إلى فرنسا، وذلك بطلب من الإليزيه، حيث التقيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتناولت المباحثات التطورات خلال الفترة الانتقالية بعد تسلم الحكومة الليبية.

في هذا اللقاء، ظهر ماكرون بمثابة الخائف على أمن واستقرار ليبيا، إذ شدد على ضرورة مغادرة كل القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب الموجودين في ليبيا، وتمكين قوات الأمن الليبية الموحدة تحت سلطة المجلس الرئاسي من تولي مهمة الأمن في البلاد.

وقال في هذا الشأن: "علينا أن نعمل معًا كي تغادر القوات الأجنبية الموجودة على الأراضي الليبية بأسرع ما يمكن. المقاتلون الروس والأتراك والمقاتلون الأجانب الذين تم استقدامهم إلى الأراضي الليبية يجب أن يرحلوا بأسرع ما يمكن".

يذكر أن الأمم المتحدة تقدر عدد المرتزقة الموجودين في ليبيا بنحو 20 ألفًا، ومن بين هؤلاء نجد آلاف الروس والسودانيين والتشاديين يقاتلون مع قوات حفتر التي تسيطر على سرت ومنطقة الجفرة، بالإضافة إلى الشرق كله وأجزاء من الجنوب، وقد ساهم ذلك في تعقيد الوضع الليبي أكثر وإطالة أمد الصراع هناك.

يعلم العديد من الليبيين يقينًا أن فرنسا لا يمكن لها أن ترفع يدها عن بلادهم وتكف شرها عنهم

فضلًا عن ذلك دعا ماكرون كل من له أجندة خاصة إلى الكف عن زعزعة استقرار ليبيا، مؤكدًا أن فرنسا ستساعد السلطة في ليبيا على بسط سيطرتها الكاملة على حدود البلاد، مبينًا أن القوات الموحدة تحت السلطة الليبية الجديدة هي وحدها القوات الشرعية.

بالتزامن مع ذلك، أعلن ماكرون أيضًا أن بلاده ستعيد فتح سفارتها في العاصمة طرابلس اعتبارًا من الإثنين المقبل، يذكر أن البعثة الدبلوماسية الفرنسية في ليبيا أغلقت مع نشوب القتال في طرابلس في يوليو/تموز 2014، واتخذ سفيرها من تونس مقرًا له.

وسبق أن أعلنت الخارجية الفرنسية تقديم دعمها الكامل للسلطة التنفيذية في قيادة الانتقال السياسي في ليبيا حتى انتخابات 24 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، وأفادت الخارجية أن الوزير جان إيف لودريان أكد للمنفي والدبيبة دعم فرنسا الكامل في مهمة استكمال الانتقال الذي عهد بها إليهما منتدى الحوار السياسي الليبي.

استفاقة متأخرة؟

إيمانويل ماكرون الذي أيد صراحة الانقلابي خليفة حفتر، من خلال استقباله في باريس في أكثر من مرة كأنه بديل عن حكومة الوفاق الشرعية، يعمل حاليًّا على الظهور في ثوب الداعم لمسار السلام في ليبيا، ما يعني أنه اختار التأقلم مع التطورت الأخيرة.

وفي فبراير/شباط الماضي، اختير دبيبة (61 عامًا) رئيسًا للوزراء، فيما اختير محمد يونس المنفي لقيادة المجلس الرئاسي في 5 من شباط/فبراير من 75 مسؤولًا ليبيًا من جميع الأطراف اجتمعوا في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة، وحصلت حكومة الدبيبة التي تتألف من نائبي رئيس و26 وزيرًا و6 وزراء دولة، على ثقة البرلمان الليبي في الـ10 من الشهر الحاليّ.

يُفهم من هنا أن إستراتيجية فرنسا التي كانت معتمدة فشلت، فتبني أجندة الثورة المضادة التي تقودها بعض الدول العربية على رأسها الإمارات العربية المتحدة لم تؤت أكلها في ليبيا، والدليل خسارة حليفهم حفتر وتراجع قوته.

وكان ماكرون قد اختار جانب اللواء المتقاعد والمتمرد على الشرعية الدولية خليفة حفتر، بغية فرض نظام عسكري ديكتاتوري في البلاد، يساعده في القضاء على الإسلام السياسي، وأيضًا في السيطرة على ثروات ليبيا الكثيرة.

وثبت في أكثر من مرة، التدخل الفرنسي المباشر في ليبيا، وذلك من خلال الوجود المُثبت للمديرية العامة للأمن الخارجي والقوات الخاصة إلى جانب خليفة حفتر، فضلًا عن تزويد باريس قوات حفتر التي تتهم بارتكاب جرائم حرب بالأسلحة المتطورة لاستخدامها في حربها ضد حكومة الوفاق، وذلك ضمن الاتجاه العام للسلطات الفرنسية بدعم موجة الثورات المضادة للربيع العربي.

فرنسا ماضية في برامجها المناهضة للسيادة الليبية، ذلك أنها ترى في ليبيا مدخلًا لإعادة إحياء دورها التاريخي الاستعماري في إفريقيا

سبق أن قتل عدد من الجنود الفرنسيين في تحطم مروحية في مدينة بنغازي فبراير/شباط 2016، كما سبق أن ضبط الأمن التونسي 13 فرنسيًا بأوراق دبلوماسية محملين بأسلحة وذخيرة على الحدود الليبية مع تونس، كُشف فيما بعد أنهم كانوا مع حفتر.

مواصلة التدخل في السيادة الليبية

لا يستبشر العديد من الليبيين خيرًا بالموقف الفرنسي، فهم يعلمون يقينًا أن فرنسا لا يمكن لها أن ترفع يدها عن بلادهم وتكف شرها عنهم، والدليل أنها كانت سابقًا تدعي دعم حكومة الوفاق الشرعية علنًا وتقدم يد العون لحفتر وقواته سرًا.

يقول المحلل السياسي الليبي عصام الزبير ل"نون بوست": "لا يمكن لنا الحكم على فرنسا إلا بعد أن يروا أفعالها، خاصة أنها دائمًا تراوغ"، ويضيف الزبير: "فرنسا لها مشروع وأهداف وأجندات تريد تحقيقها في ليبيا مهما كلفها ذلك".

يتابع محدثنا "كان لديها حفتر أكبر حليف لها رغم أنها كانت تؤيد حكومة السراج وتقول إنها تدعمها ولا تعترف إلا بها، وفي نفس الوقت تعرقل عملها وتعرقل جهود السلام الدولية عن طريق دعم المتمردين بقوة واستغلال الأمر بدعوى محاربة الإرهاب".

هذا الأمر يؤكد وفق عصام الزبير أن فرنسا ستمضي في أهدافها المشبوهة بليبيا، خاصة أن ماكرون ركز في كلمته عقب لقاء المسؤولين الليبيين أمس على وصف القوات التركية في ليبيا بـ"المرتزقة"، رغم علمه أنهم جاؤوا إلى ليبيا بناءً على اتفاقية أمنية مع السلطات الشرعية في البلاد.

في هذه الزيارة رأينا التدخل الفرنسي الواضح والانحياز لطرف دون آخر، وفق الزبير، "فتسمية فرنسا القوات التركية بالمرتزقة هذا أمر خطير جدًا، ومطالبتها بخروج تلك القوات يعد تعديًا على السلطة الليبية، فالحكومة الليبية حرة للتعاقد مع أي دولة للحفاظ على أمن بلادها".

يضيف: "هذا الأمر ليس من اختصاص فرنسا، وهو اختصاص حصري للحكومة الليبية فقط، ويعتبر ذلك تدخلًا في الشأن الليبي ومسًا بسيادة البلاد، فليس لفرنسا الحق في أن تفرض رأيها على الحكومة وأن تتدخل في حلفاء ليبيا ولا أن تبدي رأيها في اتفاقيات شرعية أبرمتها الدولة مع حكومات دول صديقة ومعترف بها أمميًا".

يوضح هذا الأمر، أن فرنسا ماضية في برامجها المناهضة للسيادة الليبية، ذلك أنها ترى في ليبيا مدخلًا لإعادة إحياء دورها التاريخي الاستعماري في إفريقيا، فباريس منحت نفسها - دون الرجوع إلى أحد - حق التدخل في أغلب الدول الإفريقية التي تمتلك ثروات باطنية مهمة لحماية مصالحها هناك.