عقب ردود الفعل التي شهدتها تركيا جراء الانسحاب من اتفاقية إسطنبول (الخاصة بحماية الأسرة والمرأة)، جاءت تصريحات رئيس البرلمان التركي مصطفى شانتوب، عن أن معاهدة إسطنبول قد لا تكون الأخيرة التي ستنسحب منها تركيا بموجب قرار رئاسي قد يصدر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد أكد أن الخروج من معاهدة إسطنبول بمرسوم رئاسي يعد دستوريًا، ولا حاجة لأخذ موافقة البرلمان التركي بحسب التعديل الأخير في الدستور الذي جرى خلاله تغيير نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي.

وعند سؤاله عن صلاحية الرئيس بالانسحاب من أي من المعاهدات الدولية المهمة، أجاب شانتوب أن أردوغان يمكنه الخروج من الاتفاقية الدولية التي يريدها بمرسوم رئاسي، وألمح إلى إمكانية بلاده الانسحاب من اتفاقية مونترو (الخاصة بإدارة المضائق البحرية التركية)، عندما قال "الرئيس أردوغان وكما انسحب من اتفاقية إسطنبول بمرسوم رئاسي، يمكنه أن ينسحب من اتفاقية مونترو، ومن أي من الاتفاقيات الدولية الأخرى". 

في المقابل أصدر 103 أميرالات بحريين متقاعدين، منتصف ليلة الأحد 4 من أبريل/نيسان، بيانًا بخصوص الخروج من معاهدة مونترو، جاء فيه "مونترو ليست مجرد اتفاقية تحكم مرور السفن عبر المضائق التركية، بل هي انتصار دبلوماسي كبير أعاد لتركيا سيادتها على مضائقها الإستراتيجية، كما تعتبر مونترو الوثيقة الأساسية لأمن البلدان المشاطئة للبحر الأسود، وبفضلها أصبح البحر الأسود بحرًا من السلام". 

في هذا التقرير سنتناول معاهدة مونترو ونلقي الضوء على بعض بنودها المهمة، كما سنتتبع أثر الأحداث على جانبي الطريق الواصلة إلى المعاهدة، وسنستعرض أبرز المحطات التاريخية قبل وبعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في 9 من نوفمبر/تشرين الثاني 1936، بالإضافة لمناقشة تداعيات انسحاب تركيا من المعاهدة وأثر ذلك على الساحة الدولية. 

اتفاقية مونترو (Montrö Sözleşmesi)

تم توقيع معاهدة لوزان (Lozan Antlaşması) في 24 من يوليو/تموز 1923 بمدينة لوزان السويسرية، وذلك تتويجًا للنصر الذي حققه الشعب التركي بقيادة مصطفى كمال أتاتورك إبان حرب الاستقلال والتحرير التركية في مواجهة قوى الاستعمار الغربي، التي على إثرها تأسست الجمهورية التركية الحديثة.

ليجري بعدها بـ13 عامًا توقيع معاهدة مونترو (Montrö Sözleşmesi)، وهي الاتفاقية المتممة لاتفاقية لوزان، التي أعادت السيادة الكاملة لتركيا على المضائق الإستراتيجية من خلال تنظيم حركة الملاحة في مضائق البسفور والدردنيل وبحر مرمرة.

كفلت المادة الأولى من الاتفاقية مبدأ حرية النقل والتنقل إلى مدة أبدية

وجرى توقيع معاهدة مونترو في 20 من يوليو/تموز 1936 بمدينة مونترو السويسرية بمشاركة كل من تركيا والاتحاد السوفيتي وبلغاريا ورومانيا وبريطانيا وفرنسا واليونان ويوغسلافيا واليابان وأستراليا، ومنحت الاتفاقية تركيا سيطرة كاملة على المضائق البحرية، وضمنت الحق لتركيا بتنظيم حركة مرور السفن التجارية عبر مضائق البحر الأسود في أوقات السلم والحرب، وتتكون المعاهدة من 29 بندًا و4 ملحقات وبروتوكول. 

ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ في 9 من نوفمبر/تشرين الثاني 1936، وتم تسجيلها في سلسلة معاهدات عصبة الأمم في 11 من ديسمبر/كانون الأول 1936.

وكما كفلت الاتفاقية حرية المرور عبر مضائق البحر الأسود للسفن التجارية في أوقات السلم والحرب، سمحت أيضًا للسفن الحربية التابعة لدول حوض البحر الأسود بالمرور دون أي تحديد، وجرى تقييد حركة السفن الحربية التي لا تنتمي إلى دول البحر الأسود ضمن شروط معينة، أبرزها: أن تكون سفن خفيفة ولا يتجاوز عددها 9 سفن عند العبور من المضائق، بالإضافة إلى أن لا تتجاوز الحمولة الإجمالية للسفينة 15 ألف طن، ويسمح للسفن الحربية الأجنبية الوجود في حوض البحر الأسود لمدة لا تزيد على 21 يومًا.

وقد كفلت المادة الأولى من الاتفاقية مبدأ حرية النقل والتنقل إلى مدة أبدية، بينما جرى تحديد مدة صلاحية المعاهدة لـ20 عامًا، وعقب انتهاء مدة صلاحية الاتفاقية في 20 من يوليو/تموز 1956، حاولت الدول التي وقعت على معاهدة مونترو تغيير بعض الشروط، لكنها لم تنجح، لتبقى المعاهد سارية على ما تم الاتفاق عليه منذ البداية دون أي تغيير.

الطريق إلى معاهدة مونترو 

منذ فتح إسطنبول عام 1453 والخلاف سيد المشهد بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية بسبب مضائق البحر الأسود، ففي عام 1774 وقعت معاهدة قاينارجه بين العثمانيين والروس، التي اعترفت بحق المراكب الروسية في المرور بحرية في المضائق، وأضيفت إنجلترا إلى المعاهدة عام 1840.

وبعد توقيع اتفاقية موندروس عام 1918، سيطرت دول الحلفاء على المضائق، لتنتهي سيطرتهم على المضائق الإستراتيجية عقب حرب الاستقلال التركية بعد توقيع معاهدة لوزان عام 1923، وفي العام 1936 وقعت معاهدة مونترو التي أعادت السيادة الكاملة لتركيا على المضائق.

حاول الاتحاد السوفييتي مرارًا تغيير شروط الاتفاقية

وبفضل معاهدة مونترو التي جرى توقيعها قبيل الحرب العالمية الثانية بـ3 سنوات، تم تحييد الصراع العسكري عن مياه البحر الأسود، ونجحت تركيا بالتخلص من المشاركة بالحرب العالمية من خلال الالتزام بالمعاهدة وتطبيق شروطها.

فبحسب يلماز أوزديل الكاتب في صحيفة "سوزجو"، فإنه في عام 1941 طلب هتلر من عصمت أينونو رئيس الجمهورية التركية آنذاك بأن تسمح تركيا بعبور 6 غواصات ألمانية للبحر الأسود، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، وبذلك تجنبت تركيا الدخول في صراع مع الاتحاد السوفييتي.  

وبعد خروج الاتحاد السوفييتي منتصرًا في الحرب العالمية الثانية عام 1945، وبروزه كقوة عظمى مهددة لاستقرار تركيا، طالبت روسيا السوفييتية تعديل معاهدة مونترو، كما طالبت بالحصول على مواقع عسكرية في منطقة المضائق التركية، إلا أن انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي عام 1952 حال دون ذلك، لتصبح تركيا بعد ذلك الحصن الأول لحلف شمال الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفييتي.

حاول الاتحاد السوفييتي مرارًا تغيير شروط الاتفاقية، بهدف ضمان حماية حدوده من جهة البحر الأسود، وتأمين ممر سالك لقواته البحرية إلى البحر الأبيض المتوسط، لكن محاولاته باءت بالفشل كما باءت محاولات الولايات المتحدة في إقناع تركيا بالتحايل على الاتفاقية للسماح بقوات شمال حلف الأطلسي بالعبور لمياه البحر الأسود في أثناء فترة الحرب الباردة. 

تبعيات إلغاء معاهدة مونترو

في الوقت الحاضر، ومع الأنباء الواردة من مضيق "كيرتش" قبالة شبه جزيرة القرم، التي تحذر من بوادر حرب قد تنشب مجددًا بين روسيا وأوكرانيا، فإن الحديث عن احتماليه إلغاء تركيا لمعاهدة مونترو ستعتبره روسيا تهديدًا مباشرًا لها ولمصالحها، ومحاولة لتضييق الخناق عليها وعلى أسطولها البحري في مياه البحر الأسود، فأي تغيير في اتفاقية مونترو الحاليّة سيصب في مصلحة تركيا وحلفائها في حلف شمال الأطلسي بطبيعة الحال. 

في الوقت الذي تهدف فيه الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي إلى تعزيز مواقعها في البحر الأسود، فالولايات المتحدة ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي تسعى لكسب موطئ قدم لها في البحر الأسود من خلال قبول ضم بعض دول حلف وارسو السابق إلى المعسكر الغربي ومواصلة جهودها لتطويق روسيا بقواعد الناتو العسكرية. 

الاتفاقية تحمي حقوق الطرفين ولو بشكل غير كامل، والأهم أنها تجنبهم الصدام العسكري بذريعة حماية مصالحهم الإستراتيجية

تركيا من جهتها ترغب بالاستفادة المادية من خلال فرض رسوم مالية على مرور السفن من المضائق كون الاتفاقية الحاليّة تمنحها الحق بتحصيل رسوم تنظيم عملية المرور وهي مبالغ مالية رمزية لا تشكل أي إضافة لخزينة الدولة، بالإضافة لنية تركيا تخفيف الازدحام والحد من الحوادث التي قد تلحق أضرارًا بالأماكن الأثرية على ضفتي البسفور، ولأخذ تدابير أكثر صرامة بما يخص عبور سفن نقل البترول ومشتقاته لما تشكله من عظيم الخطر على البيئة. 

قناة إسطنبول ومعاهدة مونترو

تزامنًا مع تعطل قناة السويس منذ أيام، بسبب جنوح سفينة شحن عملاقة، أقرت السلطات التركية خططًا لتطوير قناة ضخمة متاخمة لمدينة إسطنبول، تربط بحر مرمرة بالبحر الأسود على موازاة مضيق البوسفور، وفقًا لتصريحات وزير البيئة التركي مراد كوروم، فقد كتب على صفحته عل موقع تويتر: "وافقنا على خطط تطوير مشروع قناة إسطنبول، وطرحناها للتشاور العام، وسنتخذ خطوات سريعة لإثراء بلدنا ومدينتنا المقدسة بقناة إسطنبول".

فإلغاء معاهدة مونترو يتعارض كليًا مع مساعي الرئيس التركي لشق قناة إسطنبول، التي تهدف إلى تقليل الضغط عن المضيق وجني عائدات مالية عالية، لذلك لو كان هناك نية لإنهاء العمل باتفاقية مونترو لما توجه أردوغان لهذا المشروع الذي سيكلف الدولة عشرات المليارات.

في النهاية، اتخاذ قرار الخروج من معاهدة مونترو ليس بالأمر السهل سواء من طرف تركيا أم روسيا من الطرف الآخر، كون الاتفاقية تحمي حقوق الطرفين ولو بشكل غير كامل، والأهم أنها تجنبهم الصدام العسكري بذريعة حماية مصالحهم الإستراتيجية، فالخروج من المعاهدة سيصب في مصلحة الولايات المتحدة من خلال تعزيز وجودها العسكري في منطقة البحر الأسود، الأمر الذي قد يقود إلى حرب عسكرية بين روسيا والولايات المتحدة، تكون تركيا طرفًا بها.