حالة من القلق تخيم على الشارع الأردني منذ إعلان صحيفة "واشنطن بوست" مساء أمس السبت 3 من أبريل/نيسان 2021،  عما أسمته "مؤامرة معقدة لإطاحة الملك عبد الله الثاني" كان على إثرها أن وضعت السلطات الأردنية، الأمير حمزة بن الحسين، ولي العهد السابق وشقيق العاهل الأردني، تحت الإقامة الجبرية.

الإجراءات التي شملت اعتقال زهاء 20 شخصًا آخرين، جاءت على خلفية "مؤامرة بعيدة المدى ضمت أحد أفراد العائلة المالكة وزعماء قبائل ومسؤولين بأجهزة أمنية" بهدف تهديد أمن واستقرار البلاد، وفق الصحيفة الأمريكية، فيما وصفتها وسائل إعلام أخرى بـ"محاولة انقلاب فاشلة".

لم تكشف الصحيفة ولا السلطات الأردنية تفاصيل إضاحية بشأن تلك المؤامرة والشخصيات المتورطة فيها، فضلًا عن دوافعها والأهداف التي تسعى لتحقيقها، كما أنها فرضت حالة من الضبابية على مسألة وجود أطراف خارجية في المسألة، في الوقت الذي وصف مسؤول مخابراتي أردني بأن المؤامرة "منظمة تنظيمًا جيدًا"، وأن المتآمرين - على ما يبدو - لديهم "علاقات خارجية" دون الخوض في أي معلومات.

بين الانقلاب والاضطراب

بعد ساعات قليلة مما نشرته "واشنطن بوست" تناقلت وسائل إعلام عبرية أنباءً تفيد بوقوع محاولة انقلاب داخل القصر الملكي الأردني، وهو ما نفته عمّان بصورة واضحة وسريعة، فبحسب New York Times فإن محادثات جرت مساء أمس بين مسؤولين أمنيين أردنيين ونظرائهم من الإسرائيليين.

المحادثات تناولت تطورات الوضع الداخلي الأردني، فيما نقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله إن قيادات أردنية نقلت لهم أنه لم يكن هناك محاولة انقلاب، وأن الوضع تحت السيطرة، وأن الأمور تسير بشكل هادئ تمامًا، على عكس ما تتناقله وسائل الإعلام الأجنبية.

وزراء سابقون في الحكومة الأردنية أشاروا إلى وجود مبالغة في التعاطي الإعلامي مع ما حدث، لافتين في تصريحات متلفزة لهم على قناة "الجزيرة" أن الوضع لا يتعدى تباين في وجهات النظر أفضى إلى تحركات أمنية بسيطة لإحكام السيطرة على الوضع، وأن ما يثار بشأن وجود انقلاب سيناريو مستبعد على حد قولهم.

 

الإقامة الجبرية للأمير.. بين النفي والتأكيد

في فيديو بثه على مواقع التواصل الاجتماعي قال ولي العهد الأردني السابق، الأمير حمزة بن الحسين، ، إنه وضع قيد الإقامة الجبرية وممنوع من التواصل مع أي شخص، معلنًا أن "الأجهزة الأمنية أبلغته بأنه قيد الإقامة الجبرية وطلبت منه عدم التواصل مع أحد".

وأضاف: "لست مسؤولًا عن أي عملية انقلاب وشركة الاتصالات أبلغتني أنها ستقطع الإنترنت بناءٍ على توجيهات أمنية"، مشددًا على أنه "لم يرتكب أي مخالفات ولم يكن طرفًا في أي مؤامرة".

شارحًا تفاصيل ما حدث معه قائلًا: "تلقيت زيارة من رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الأردنية صباح اليوم، أبلغني فيها أنه لا يسمح لي بالخروج والتواصل مع الناس أو لقائهم. لأنه في الاجتماعات التي كنت حاضرًا فيها، أو على وسائل التواصل الاجتماعي المتعلقة بالزيارات التي قمت بها، كانت هناك انتقادات للحكومة أو الملك".

وتابع: "أنا لست الشخص المسؤول عن انهيار الحكومة والفساد وعدم الكفاءة التي كانت سائدة في هيكلنا الحاكم منذ 15 إلى 20 عامًا وتزداد سوءًا.. ولست مسؤولًا عن قلة إيمان الناس بمؤسساتهم.. لقد وصل الأمر إلى نقطة حيث لا يستطيع أحد التحدث أو التعبير عن رأي في أي شيء، دون التعرض للتنمر والاعتقال والمضايقة والتهديد".

 

اللقاءات التي عقدها الأمير الشاب مع تلك القبائل التي تمثل حجر الأساس لدعم النظام الملكي الهاشمي في المملكة، أثارت قلق العاهل الأردني، لا سيما أن هناك توترات بين الحين والآخر بين السلطات وبعض تلك القبائل

تتناغم تلك الرواية مع ما نشرته وكالة "رويترز" اليوم الأحد 4 من أبريل/نيسان 2021، بحسب مصدرين مطلعين (دون ذكر اسمهما) بأن قوات من الأمن الأردني وصلت إلى منزل ولي العهد الأردني السابق وبدأت في فتح تحقيق بعد حملة اعتقالات طالت شخصيات بارزة في المملكة، فيما نقلت عن مسؤول أمريكي سابق للوكالة البريطانية قوله: "المؤامرة التي وصفها بأنها ذات مصداقية وواسعة النطاق، لكنها ليست وشيكة، لا تنطوي على انقلاب فعلي".

وفي المقابل نفى الجيش الأردني في بيان صادر عن رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللواء ركن يوسف الحنيطي، ما أثير بشأن اعتقال حمزة بن الحسين، رغم الفيديو الذي أكد فيه الأمير ذلك، مؤكدًا أنه طُلب منه التوقف عما وصفه بتحركات ونشاطات توظف لاستهداف أمن واستقرار الأردن.

رئيس الأركان أشار إلى أن الطلب المقدم للأمير جاء "في إطار تحقيقات شاملة مشتركة قامت بها الأجهزة الأمنية، واعتُقل نتيجة لها الشريف حسن بن زيد، وباسم إبراهيم عوض الله وآخرون"، مشدّدًا على أنه "لا أحد فوق القانون، وأن أمن الأردن واستقراره يتقدمان على أي اعتبار".

لماذا ما حدث؟

السؤال الذي فرض نفسه بعد إعلان وضع ولي العهد الأسبق تحت الإقامة الجبرية.. لماذا؟ ما الذي أثار الخوف والقلق من تحركات الأمير؟ وهنا تنقل "رويترز" عن مسؤولين قولهم: "بعض شخصيات المعارضة في المملكة تجمعت حول الأمير حمزة، وهو أمر أثار استياء الملك عبد الله".

حرص الأمير خلال الآونة الماضية على تعزيز حضوره الجماهيري من خلال المشاركة في الفعاليات المجتمعية، بعضها كان يتضمن حضور شخصيات لها ميول سياسية مناوئة للملك وسياساته لا سيما الأمنية، وعلى رأسهم شيوخ ورموز قبلية لها ثقل شعبي قوي.

اللقاءات التي عقدها الأمير الشاب مع تلك القبائل التي تمثل حجر الأساس لدعم النظام الملكي الهاشمي في المملكة، أثارت قلق العاهل الأردني، لا سيما أن هناك توترات بين الحين والآخر بين السلطات وبعض تلك القبائل بسبب عدد من الملفات المتعلقة بالوضع الأمني وثروات البلاد ومناطق النفوذ وغيرها.

وكان حمزة بن الحسين في الفيديو المصور له مساء أمس قد ألمح إلى هذه المسألة، لكنه أشار إلى أنه لم يبادل من يتحدثون بسخط عن الملك ونظامه في جلساته الخاصة، لافتًا إلى تفشي حالة الفساد والفشل في إدارة الكثير من الأمور، وأن هذا هو سبب اقترابه من الشارع.

دعم عربي ودولي

أعلنت العديد من الدول العربية والأجنبية دعمها الكامل للأردن وقيادتها السياسية في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمن واستقرار المملكة، حيث قالت وزارة الخارجية الأمريكية، إن العاهل الأردني الملك عبدالله "شريك رئيسي" للولايات المتحدة وله "كامل دعمنا".

فيما أعربت مصر عن "تضامنها الكامل ودعمها للمملكة الأردنية الهاشمية وقياداتها الممثلة في الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وذلك في الحفاظ على أمن واستقرار المملكة ضد أي محاولات للنيل منها"، مؤكدة على لسان خارجيتها "أمن واستقرار الأردن هو جزء لا يتجزء من الأمن القومي المصري والعربي".

الخارجية الكويتية أعلنت هي الأخرى في بيان لها دعمها الكامل لـ"كافة الإجراءات والقرارات التي اتخذها جلالة الملك عبد الله بن الحسین وسمو ولي العهد الأمیر الحسین بن عبدالله الثاني للحفاظ على أمن واستقرار المملكة الشقیقة"، فيما نقلت وكالة الأنباء البحرينية عن عاهل البلاد، قوله: "إنه يؤيد الإجراءات التي اتخذها ملك الأردن لحفظ الأمن والاستقرار".

وأعربت قطر في بيان نقلته وكالة الأنباء القطرية عن "تضامنها الكامل" مع الأردن، و"دعمها الكامل للقرارات والإجراءات التي أصدرها الملك عبد الله حفاظا على الأمن والاستقرار، ودفع مسيرة التقدم والازدهار"، كذلك العراق والإمارات وفلسطين والجامعة العربية.

ما علاقة السعودية بما حدث؟

أثار إصدار السعودية بيانها السريع بعد ساعة واحدة فقط من بيان الجيش الأردني للتعليق على أنباء اعتقال الأمير حمزة، الكثير من التساؤلات، رغم أن البيان الذي يعد الأول في ردود الفعل الإقليمية والدولية إزاء ما حدث، أكد دعم الرياض ووقوفها إلى جانب النظام الأردني.

البيان السريع في حد ذاته ليس مثار شك، وربما الأمور جاءت متسارعة للإعلان عن دعم السعودية للدولة العربية الشقيقة رغم الخلافات بينهما بشأن عدد من الملفات الإقليمية، لكن علاقة المملكة بأهم اثنين من المعتقلين على خلفية الأحداث، وهما باسم عوض الله والشريف حسن بن زيد، هما كلمة السر في حالة الجدل التي صاحبت الموقف السريع للمملكة.

 

في محاولة لفهم علاقة الرياض بالمعتقلين يجدر بنا العودة للوراء قليلًا، حيث العام 2016 حين عينت عمّان باسم عوض الله مبعوثًا خاصًا للملك الأردني في السعودية

اللافت للنظر أن السلطات الرسمية الأردنية لم تذكر من بين العشرين المعتقلين وفق بيان الجيش إلا هذين الاسمين فقط، وهو ما أثار شكوك خبراء بشأن وجود علاقة ما، مباشرة أو غير مباشرة، بين الأحداث التي وصفتها صحف أجنبية بأنها محاولة انقلاب والسعودية.

وفي محاولة لفهم علاقة الرياض بالمعتقلين يجدر بنا العودة للوراء قليلًا، حيث العام 2016 حين عينت عمّان باسم عوض الله مبعوثًا خاصًا للملك الأردني في السعودية، في محاولة لرأب صدع العلاقات بين البلدين التي توترت بسبب عدة اسباب أبرزها موقف الملك الأردني المتحفظ على "عاصفة الحزم" الذي رأى أنه لا بد من حل سياسي لأزمة اليمن، ومن بعدها استبعاد الأردن من مؤتمر مجلس التعاون الخليجي عام 2016 الذي انعقد في الرياض بحضور ملك المغرب.

تربط عوض الله علاقات قوية بولي العهد السعودي، ورغم أنه أقيل من منصبه كمبعوث للملك لدى السعودية في أعقاب أزمة مقتل جمال خاشقجي، أكتوبر/تشرين الثاني 2018، فإنه تم تعيينه كأحد القائمين على مشروع مدينة "نيوم" تحت إشراف ولي العهد السعودي، ليظهر بعدها جنبًا إلى جنب ابن سلمان في أكثر من مناسبه كما نقلت صحف محلية أردنية.

الأمر ذاته مع الشريف حسن بن زيد، المعتقل الثاني الذي ورد اسمه في البيان الرسمي الأردني، وهو شقيق النقيب الشريف علي بن زيد الذي قتل عام 2010، في أثناء مشاركته في مهمات القوات المسلحة الأردنية في أفغانستان، وينتمي إلى أشراف المملكة.

كان قد عمل مستشارًا في مكتب الملك كمسؤول للاتصال الإستراتيجي، لكنه انتقل للعمل إلى جانب باسم عوض الله حين عُين مبعوثًا للملك الأردني لدى السعودية، وتجمعه هو الآخر علاقات قوية مع الكثير من المسؤولين السعوديين، وتعود تلك العلاقة وصديقه عوض الله إلى عهد العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

الإمارات هي الأخرى كانت على رادار الاتهام من بعض النشطاء، لا سيما في ظل حالة التقارب الكبير مع الحليف الإسرائيلي منذ إبرام اتفاق أبراهام منتصف سبتمبر/أيلول 2020، استنادًا إلى تاريخها سيئ السمعة في دعم ومباركة الانقلابات في المنطقة منذ 2011 وحتى اليوم.

مسألة أخرى يجب الإشارة إليها تتعلق بحالة الاحتقان الشعبي المتصاعد ضد الحكومة الأردنية بسبب فشلها في التعاطي مع العديد من الملفات الحياتية التي تهم المواطن، على رأسها التعامل مع أزمة كورونا، وتدني المستوى المعيشي نتيجة الانهيار الاقتصادي، وهو ما دفع لإشعال الحراك المجتمعي وعودة الاحتجاجات التي تطالب بإقالة الحكومة مرة أخرى.

ليس هناك شك أن ما حدث في الأردن أكبر من مسألة تباين في وجهات النظر أو تجاوز بعض المعارضين في حق الملك وسياساته، كما تقول السلطات الرسمية بعمّان، فالأمر ربما يتجاوز الحدود الجغرافية للمملكة إلى ما هو أبعد من ذلك، كما لا يستبعد البعض تورط أطراف خارجية، وإن كان من السابق لأوانه تقييم المشهد بصورة كاملة في ظل حالة الغموض التي تخيم عليه.