ترجمة وتحرير: نون بوست

في شباط/ فبراير 2021، استخدمت باكستان اليد العليا لتمرير مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني في الجمعية الوطنية الباكستانية، ما يضع الحكومة الباكستانية في موقف أكثر إحراجًا في ظل تركيز وسائل الإعلام والجمهور العام على هذا المشروع الضخم الذي لا يحرز أي تقدم. وبدأت تظهر بالفعل علامات خفية تشير إلى عدم توافق البلدين بشأن التوجهات المستقبلية والتمويل اللاحق لمشاريع الممر، خاصة في أعقاب تفشي جائحة كورونا.

زار الرئيس الباكستاني ووزير الخارجية الصين في ذروة الجائحة في آذار/ مارس 2020. وفي المقابل، تم تأخير الزيارة المقررة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى باكستان عدة مرات للسبب نفسه. كما اُجّل الاجتماع السنوي للجنة التنسيق المشتركة، وهو الحدث الأكثر ترقّبا بالنسبة للعديد من أصحاب المصلحة في مشاريع الممر الاقتصادي، طوال سنة 2020. وبالمثل، اُجّلت اجتماعات مجموعات العمل القطاعية المشتركة لعدة أشهر، قبل عقدها لأغراض شكلية فقط في وقت لاحق من السنة. 

تكشف نتائج هذه الاجتماعات عن انخفاض ملحوظ في توقعات باكستان فيما يتعلق بإدراج المزيد من المشاريع ضمن المرحلة الثانية من خطة الممر الاقتصادي. منذ فترة طويلة، صورت البلاد مشروع الخط الرئيسي الأول - الذي تبلغ تكلفته 6.8 مليار دولار - بمثابة الشريان الرئيسي للسكك الحديدية الباكستانية وحاولت إقناع الصين بتمويل المشروع، لكن الجانب الصيني تهرب من أي التزام للتمويل. 

حتى بعد عقد الاجتماع أخيرًا، لم يتمكن الجانب الباكستاني من الحصول على أي دعم ملائم، بما في ذلك القرض الميسر بمعدل فائدة قدره واحد بالمئة. كانت الصين مترددة تجاه الموافقة على طلب باكستان، لذلك عرضت بدلاً من ذلك مجموعة من القروض التجارية والميسرة لتمويل مشروع السكك الحديدية المدعوم بضمانات مناسبة من باكستان.

تحاول باكستان جذب المستثمرين من خلال تقديم وعود مستقبلية بتوفير تسهيلات

مع أنه يعتبر أكبر مشاريع السكك الباكستانية، إلا أن الخط الرئيسي الأول ليس المشروع الوحيد الذي يواجه تأخيرات كبيرة. وفقًا لهيئة الممر الاقتصادي الباكستانية، تم حتى الآن إتمام 17 مشروعًا بتكلفة 13 مليار دولار، بينما لا يزال 21 مشروعًا آخر بتكلفة تقدر بحوالي 12 مليار دولار قيد التنفيذ. تواجه أشغال ميناء "جوادر"، وطريق "إيست باي" السريع، وطريق قراقرم السريع الرابط بين ثاكوت ورايكوت بعض التأخيرات بسبب الافتقار للتنسيق بين الوكالات المسؤولة من كلا البلدين. 

على عكس ما روجت له الدعاية الصاخبة الباكستانية، لم يبد عدد كبير من المستثمرين الصينيين اهتمامًا بإنشاء وحدات في المناطق الاقتصادية الخاصة التي يجري بناءها كجزء من التعاون الصناعي في إطار الممر الاقتصادي. والآن، تحاول باكستان جذب هؤلاء المستثمرين من خلال تقديم وعود مستقبلية بتوفير تسهيلات.

وبالمثل، لا تسير الأمور بشكل جيد في صفوف السلطات الباكستانية فيما يتعلق بدعم مشاريع الممر الاقتصادي في جوادر. خلال اجتماع للجنة مجلس الوزراء حول الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني في كانون الثاني/ يناير 2021، كان لا بد من توجيه تحذير لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جاويد غني لتأجيله الإعفاءات الضريبية المطلوبة لمنطقة التجارة الحرة في جوادر. وقد شكّل التأخّر في صياغة سياسة المنطقة الاقتصادية الحرة في جوادر والإجراءات الجمركية والقواعد والتنظيم عائقًا أمام المستثمرين الراغبين في إنشاء أعمال تجارية في المنطقة. 

رغم إصدار 42 ترخيصًا للمستثمرين المحتملين، إلا أنه لا يمكن الشروع في الأنشطة التجارية بسبب الافتقار لسياسة منطقة التجارة الحرة. وشملت المشاكل الأخرى (1) عدم توافر الطاقة، (2) إخلاء الأرض للمرحلة الثانية من مشروع المنطقة الحرة من حرس السواحل الباكستاني والبحرية الباكستانية، (3) إعفاء ميناء جوادر من الضرائب المفروضة بموجب اتفاقية الامتياز، (4) تعطيل عملية بناء حوائل الأمواج وتجريف المواد الخام من منطقة الرسو. وفي محاولة للتكيّف مع الانتكاسات الأخيرة، تعلّق باكستان آمالها الآن على زيارة الرئيس الصيني للبلاد في سنة 2021، وتوفيره بعض الزخم المالي للمشاريع المتعثرة.

إن الدعاية التي روجت لها الحكومة الباكستانية من خلال تصوير الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني على أنه الحل السحري لجميع المشاكل تفقد زخمها بشكل سريع. لا يفتقر المشروع إلى التوجيه الواضح للتقدم للأمام فحسب، بل يستمر في مواجهة صعوبات نظرًا لانعدام التنسيق بين مختلف الوكالات المنفذة. وقد بدأت العديد من الوكالات الحكومية تدرك تدريجيا أن الاقتصاد الباكستاني قد فشل في تحقيق أي فائدة حقيقية من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

الشركات المحلية المتعثرة

فشل قطاع الأعمال المحلية في تقبل مزاعم الحكومة الباكستانية بشأن تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة من المشروع الضخم. تشعر جلّ الشركات الباكستانية بالتهميش والإهمال من قبل السلطات. وما يثير حفيظة رجال الأعمال المحليين المتعثرين استحواذ المستثمرين الصينيين على الصناعات المحلية الرئيسية وأصول الدولة والشركات على حسابهم الفاعلين والمصالح الباكستانية. 

وتجدر الإشارة إلى أن الاستثمار الصيني في القطاع الخاص خارج إطار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني معزز بشكل متزايد بالعمالة الرخيصة وتأمين الوصول إلى المواد الخام التي يتم شحنها مرة أخرى إلى منشآت التصنيع في الصين. كما تقوم الصين ببناء مصانع في باكستان لتصدير السلع النهائية مباشرة إلى الأسواق الأوروبية، مما يحرم المصدرين الباكستانيين من نصيبهم من فرص التجارة مع هذه البلدان.

المزيد من الوظائف: وعود واهية

تلقى مخاوف الشركات المحلية صدى لها بين سكان الطبقة العاملة أيضًا. يعد خلق فرص عمل للشباب مقياسا هاما لتقييم فائدة أي استثمار أجنبي في دولة نامية، ويبدو أن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني قد أخفق في تحقيق هذا الهدف. رسمت حكومة نواز شريف صورة وردية عن مساهمة الاستثمار الصيني في زيادة فرص التشغيل للشباب الباكستاني، ولكن التوجهات الحالية تشير إلى عكس ذلك. 

يفضل المستثمرون الصينيون إنشاء أعمال خاضعة للسيطرة الكاملة، مما سيسفر عن مزيد من التآكل في الأعمال والوظائف المحلية

حسب ما اتضح في مشاريع الطاقة المكتملة للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، فضلت الصين تشغيل عمالها ومهندسيها في الوظائف التي تتطلب مهارات عالية، ولم تتردد في إقامة مبيتات خاصة للعمال الصينيين على امتداد مواقع المشروع؛ ومن المرجح أن تستمر الأمور على هذا المنحى، بل من المتوقع أن تسوء الأوضاع بالنسبة للعاملين في المؤسسات الباكستانية القديمة أيضًا. 

وفقًا للتقارير، يحرص المستثمرون الصينيون على الاستثمار في العديد من الشركات المملوكة للدولة التي ترغب الحكومة في بيعها. ومع وصول الخسائر المرتبطة بالمؤسسات المملوكة للدولة إلى ما يعادل 1.5 تريليون روبية (أو 9.4 مليار دولار)، لم يعد أمام الحكومة خيار آخر. وتشمل القائمة الخطوط الجوية الدولية الباكستانية، وشركة مصانع الصلب الباكستانية.

بصمات الصين المقلقة

صورة

يشعر رجال الأعمال والعمال الباكستانيون بالقلق تجاه أسلوب العمل الصيني الذي نادرًا ما ينطوي على شراكات أو مشاريع مشتركة مع الشركات المحلية. يفضل المستثمرون الصينيون إنشاء أعمال خاضعة للسيطرة الكاملة، مما سيسفر عن مزيد من التآكل في الأعمال والوظائف المحلية. ووفقًا للسجلات الرسمية، سُجّل أكثر من ألفي كيان تجاري صيني بالفعل في باكستان، نصفها في العاصمة إسلام آباد. لكن المحللين المستقلين في شؤون الشركات أشاروا إلى أن الرقم قد يكون أكثر من ذلك بكثير، مع وجود بعض الشخصيات الصينية النشطة في القطاع غير الرسمي في باكستان أيضًا.

مخاوف الاستعمار: نسخة من شركات الهند الشرقية

يشير تحليل الحملات الصناعية التي أنجزتها الصين في باكستان إلى مخططات أكبر تحت مظلة الاستعمار الجديد. يتمثل أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الصينية في صناعة النسيج، التي تعد الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي ودعم سبل كسب العيش لغالبية العمال في باكستان. رغم عدم الإشارة إلى ذلك في البداية، إلا أن الجهات الصينية الخاصة تستثمر بكثافة في هذا القطاع الذي يساهم بنسبة 8.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف ما نسبته 45 بالمئة من إجمالي القوى العاملة الصناعية. 

في البنجاب، استحوذت شركة المنسوجات "شانغهاي تشالنج" مؤخرًا على حصة تبلغ 25 بالمئة في شركات مسعود لتصنيع المنسوجات في فيصل آباد، وهي محطة لمصنعي الملابس والمنسوجات الباكستانيين. تقوم شركة "تشالنج" للملبوسات - التابعة لشركة المنسوجات "شانغهاي تشالنج" - بتشغيل مصنع يقع مقره في فيصل آباد لتوريد الملابس لشركتي "أديداس" و"بوما" للأسواق الأمريكية والأوروبية.

وبينما تعمل إسلام آباد على إزالة العقبات الرسمية لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الصينية في المرحلة الثانية من مشروع الممر، من الواضح أن الصين تركز على قطاعات ما وراء المشروع الضخم. مع فترات إنشاء طويلة والعوائد المالية غير المؤكدة، تبدو الصين الآن أكثر حرصًا على الاستمتاع بالثمار الدانية على حساب الأجيال الباكستانية المستقبلية.

المصدر: مودرن ديبلوماسي