منذ ظهور كوفيد-19 في نهايات عام 2019 على الساحة العالمية، كانت أخبار الصحف تدور حول التداعيات السلبية للجائحة على الجوانب الطبية والاقتصادية والسياسية، وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها المجتمعات والدول خلال العام الماضي، فإن لجائحة كورونا وجهًا ثانيًا غفل عنه الكثيرون، لكن هل سيتغير وجه العالم بعد كورونا؟ وهل هناك عالم جديد ينتظرنا بعد التخلص من الجائحة؟

في هذا المقال نستعرض أبرز الوجوه الإيجابية التي طرأت على الساحة نتيجة لتداعيات هذه الجائحة، وهدفنا في هذا الصدد التعرف على ما يمكن فعله مستقبلًا بناء على ما استطاعت الجائحة أن تظهره من أزمات لم نكن مستعدين لها.

إطلالات سريعة على الجانب الإيجابي

1- ازدياد الوعي الصحي منذ الأيام الأولى للجائحة، فقد أحدث السلوك البشري فرقًا واضحًا في المعادلة من حيث اتباع سبل الوقاية والإجراءات التي تهدف إلى تعزيز السلامة الجسدية والعقلية والعاطفية.

فقد أشارت الاستطلاعات إلى أن ما يقارب 80% من المشاركين قرروا الالتزام بالمحاذير الصحية، ونحو نصف المشاركين يبحثون بشكل جاد عن كل الطرق التي من شأنها أن تعزز مناعتهم وتبقيهم أصحاء، فيما أشارت استطلاعات أخرى إلى أن ازدياد الوعي الصحي جعل 25% من الناس يقضون أوقاتًا أطول في الهواء الطلق وتبنوا أنظمة غذائية صحية.

2- كان زيادة اهتمام الحكومات بالواقع الصحي جليًا كنتيجة لما قام به covid-19 من وضع الحكومات ومؤسساتها الصحية أمام اختبار حقيقي، ما أجبر الحكومات على رفع ميزانيتها في المجال الصحي، كما بينت الجائحة انهيار فكرة تفوق الأنظمة الصحية الغربية.

3- الامتثال للتباعد الاجتماعي ولبس الكمامة بشكل تلقائي من المجتمع كان دليلًا على تجدد الثقة بمفاهيم التوعية الصحية وتقبلها اجتماعيًا، وكذلك ما فرضه الواقع الصحي للتعامل مع الفيروس من الاهتمام بالنظافة الذي بدوره قلل أعداد الإصابات بالفيروس، وفي نفس الوقت ضعفت الأمراض الموسمية بشكل واضح، كما أن النظافة خرجت من كونها عادةً شخصيةً لتصبح سمتًا مجتمعيًا.

4- تحسن بيئي تمثل في زيادة نقاء الهواء في المدن الكبرى والمدن الصناعية نتيجة قلة استخدام المركبات وتخفيض ساعات العمل في المصانع، فحسب وكالة ناسا الأمريكية هناك تحسن في نقاء الهواء بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30% في أغلب المدن الصناعية، كما طرأ تحسن ملحوظ على نقاء مياه الأنهار. 

الانتشار الكثيف للوباء في جميع أنحاء العالم والإعلان المتأخر عن الإغلاق الكلي دون ضوابط، دفع الكثير من الناس للتدافع وأنانية واضحة ومصورة عالميًا للحصول على كل مستلزمات الحياة اليومية دون أي تفكير بالآخر

5- بعد انتشار الإغلاق وحظر التجوال الجزئي والشامل تباطأ واتسع الزمان وتوقفت الحياة الراكضة والانشغال بالمعيشة وأصبح لدى الجميع الوقت الكافي للبقاء مع عوائلهم، كما أتاح توافر الوقت الكافي للتفكير والتخطيط  لمستقبلهم وهكذا عاد دفء الأسرة.

6- انخفاض عالمي في عدد الحوادث المرورية لانخفاض عدد المركبات وحالات الإغلاق الكلي والجزئي وكذلك انخفاض معدلات الجرائم بصورة عامة تتراوح بين 10 إلى 42% حسب نوع الجريمة ومكان حدوثها، لكن جرائم العنف المنزلي ازدادت بشكل ملحوظ بعد الإغلاق التام.

7- من الواضح أن شركات البرمجيات انتفعت إيجابيًا من انتشار الفيروس، فقد عملت على تطوير موجة جديدة من الأدوات والبرامج عبر الإنترنت التي يمكن أن تساعدك على التأقلم مع الأوضاع الجديدة من البقاء لفترات طويلة في المنزل كالتحول إلى الفصول الدراسية والمساحات المكتبية الافتراضية، وقد فتح وجود الفيروس وخوف التفشي والإصابة الأبواب لأي تطبيقات تتيح وتعزز سير العمل وإدارة فريق العمل أو التدريس والتعلم رقميًا، كما انتشرت البرامج الخاصة بالرعاية الصحية ومعاينة الطبيب عن بعد مثل برنامج Telehealth.

8- شكل covid-19 تهديدًا لنظام التعليم بأكمله وتم إغلاق المدارس والجامعات ثم وجدت المؤسسات التعليمية طريقة للتغلب على هذه السلسلة الصعبة للغاية من الأحداث، وهكذا بدأت الفصول الدراسية مرة أخرى، وذلك بفضل التكنولوجيا، فأصبحت الفصول الدراسية عبر الإنترنت المعيار الجديد للمؤسسات التعليمية، كما أن التكاليف الدراسية انخفضت لتكون بأسعار معقولة، وعلاوة على ذلك، سيحصل الآباء على معرفة مباشرة بشأن كيفية تدريس الفصول الدراسية ومع نمو نظام التعليم عبر الإنترنت أصبح التعليم متاحًا أكثر لكل المجتمع.

9- كان التأثير السلبي للجائحة على الاقتصاد خاصة بعد الإغلاق وحظر التجول واضحًا للعيان، لكن رافق ذلك تطور واضح في بعض الأعمال التجارية وخاصة التجارة الإلكترونية كشركات خدمات التوصيل، وكنتيجة لاستمرار الحظر المفروض في معظم البلدان زاد الطلب على خدمات توصيل المواد الغذائية إلى المنازل، وبفضل خدمات التوصيل أصبح لدى الناس خيار بديل للحصول على وجبات الطعام، كما تطورت شركات صناعة الألعاب وصانعي ألعاب الألغاز ارتفاعًا في مبيعاتهم، فتستفيد شركات الخدمات التعليمية من التأثير الإيجابي للفيروس، كما انتفعت العملات الرقمية كالبتكوين والسندات الرقمية والاستثمارية كالفوركس التي قدمت نفسها كبديل آمن في الأعمال التجارية.

10- الانتشار الكثيف للوباء في جميع أنحاء العالم والإعلان المتأخر للإغلاق الكلي دون ضوابط، دفع الكثير من الناس للتدافع وأنانية واضحة ومصورة عالميًا للحصول على كل مستلزمات الحياة اليومية دون أي تفكير بالآخر، لكن مع تكشف الحقائق ومرور الزمن بدأ التكافل الاجتماعي والشعور بالآخر يتغلب إلى حد ما على حالات الأنانية الفردية.

كان هذا واضحًا خاصة داخل المجتمعات الشرقية الإسلامية ومن مظاهره تقديم العون والمساعدة للفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة في مثل هذه الظروف، كونها الأكثر عرضة لهذه العدوى، وبشكل خاص الأشخاص المرضى بالأمراض المزمنة وكبار السن وذوي الإعاقة وذوي الدخل المحدود والمعوزين من الفقراء والمساكين وغيرهم، تحسبًا لكل الآثار والانعكاسات الوخيمة التي قد تترتب عن استمرار تفشي covid-19 وعدم انحسارها. وهنا تبرز أهمية التكافل الاجتماعي.

من الواضح أن هناك رغبةً عامةً للتخلص من هذه الجائحة بأقل الخسائر ومحاولة للانتفاع وتوظيف ما فرضه انتشار الفيروس من إغلاق لتطوير بعض الجوانب البديلة وتحسين النمط المعيشي لما بعد الجائحة.