لعل أكثر ما يحتاجه الاقتصاد الجزائري اليوم هو استثمارات أجنبية أو محلية تنعشه وقوانين وآليات تحركه، فالاقتصاد في هذه الدولة الواقعة في شمال إفريقيا "مجمّد" وفق ما كشفه رئيس الغرفة الجزائرية للصناعة والتجارة عبد القادر قوري، منذ أيام قليلة لدى نزوله ضيفًا على الإذاعة الحكومية.

ومن بين الأسباب العديدة التي تقف وراء هذا الوضع الذي تفاقمت حدّته بشكل كبير سنة 2019، الظروف السياسية التي شهدتها البلاد ثم جائحة كورونا التي خلفت ندوبًا اقتصادية غائرة. 

ومما زاد الأمور تعقيدًا التأخر في إصدار قانون الاستثمار الجديد، والقوانين غير الواضحة التي تتغير أحيانًا بين قانونَي الموازنة والموازنة التكميلي حسب تصريحات رئيس الغرفة الجزائرية للصناعة والتجارة عبد القادر قوري. فرغم مرور أكثر من سنة كاملة على تنصيب حكومة التكنوقراطي عبد العزيز جراد، غير أن هذا القانون لا يزال حبيس الأدراج رغم جميع الوعود التي أطلقها وزير الصناعة الجزائري السابق، الذي أنهيت مهامه في آخر تعديل حكومي أجراه الرئيس تبون فرحات آيت علي.

هذا الوضع "الصعب" الذي يشهده الاقتصاد الجزائري تترجمه الأرقام والإحصاءات، إذ كشفت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عن "انكماش" ملحوظ للاستثمارات في بعض الدول العربية منها الجزائر برسم عام 2020.

وتتجه أنظار المستثمرون في الجزائر سواء الأجانب أو المحليون، نحو قصر الحكومة ترقبًا للإفراج عن مشروع قانون الاستثمار الجديد

بلد خصب ولكن.. 

وبحسب الأرقام التي كشفت عنها المنظمة الأممية في شمال إفريقيا، التي تضم كل من الجزائر والمغرب وتونس ومصر والسودان، فإن نسبة الانخفاض قدِّرت بـ 32% ببلوغها 9.4 مليار دولار أميركي مقابل 14 مليار دولار أميركي في سنة 2019، مع بلوغ قيمة الاستثمارات بالنسبة إلى المغرب بـ 1.6 مليار دولار أميركي، في وقت بلغت الاستثمارات الأجنبية المُباشرة في الجزائر سنة 2019 حوالي 1.382 مليار دولار أميركي مقابل 1.466 مليار دولار أميركي في 2018، وشهدت تراجعًا ملحوظًا سنة 2020.

ورغم أن الجزائر بلد خصب وفيه فرص استثمار كثيرة، غير أنها لا تملك الجاذبية الكافية لاستقطاب المستثمرين وفق ما كشفه مدير المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير أمين بوطالبي. 

وأقرَّ بوطالبي يوم الجمعة، لدى نزوله ضيفًا على إذاعة حكومية محلية، بعدم امتلاك الجزائر للجاذبية الكافية لاستقطاب المستثمرين بسبب العشوائية وعدم الوضوح في قوانين الاستثمار. 

ومن بين المشاريع التي حالت العراقيل الإدارية والبيروقراطية دون تجسيدها، استدل بوطالبي برغبة أحد البنوك الأجنبية في الاستثمار في الجزائر بـ 1.5 مليار دولار أميركي، إضافة إلى أحد البنوك الألمانية التي تبحث عن الاستثمار في إفريقيا لبناء مطارات وموانئ وسكك حديدية بنسبة 0 فائدة. 

وكانت الملفات الاقتصادية تُسير حسب مُدير المركز العربي الإفريقي للاستثمار والتطوير بـ"المحسوبية" و"الهاتف" و"الرشاوي"، واختتم المتحدث تصريحاته بالقول إن "الجزائر لا تنقصها القوانين والمخططات بل تنقصها قامات لبناء اقتصاد بديل متحرك وديناميكي".

إصلاحات جديدة 

تتجه أنظار المستثمرون في الجزائر سواء الأجانب أو المحليون، نحو قصر الحكومة ترقبًا للإفراج عن مشروع قانون الاستثمار الجديد الذي أعدّته إدارة وزير الصناعة المُقال فرحات آيت علي، الذي أكد مرارًا وتكرارًا الانتهاء من صياغته، حتى أنه تعهّد بعرضه في أول مجلس وزاري يُعقد بعد عودة تبون من رحلته العلاجية الثانية، غير أن كل ما صرح به فرحات آيت علي لم يتحقق. 

وأعطى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في وقت سابق، جرعات أمل للمستثمرين الأجانب والمحليين الذين تكبدوا خسائر مالية كبيرة، بسبب جائحة كورونا التي باغتت العالم بأسره وغيّرت الكثير من الاتجاهات، وتهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد منذ 22 فبراير/ شباط 2019.

مناخ الاستثمار في أحسن الأحوال بطيئًا جدًّا، فمنذ تولي القيادة السياسية الجديدة في البلاد زمام الأمور ما زال الغموض سيد الموقف حتى اللحظة

وفي انتظار إسدال الستار على الخطوط النهائية لمشروع قانون الاستثمار، بعث رئيس الجزائر عبد المجيد تبون برسائل مطمئنة، إذ قال إن القانون الجديد سيعتمد على تبسيط الاستثمار وإلغاء قاعدة 49/ 51 المتعلقة بالاستثمار الأجنبي على القطاعات غير الاستراتيجية، غير أنها ستبقى مسلَّطة على قطاعات أخرى مثل النفط، وكانت هذه القاعدة محل انتقادات كثيرة من طرف دول أجنبية ومنظمات بمبرر أنها حالت دون رغبات الكثير من المستثمرين الأجانب. 

وشهدت الاستثمارات الأجنبية تذبذبًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، إذ بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة للداخل 30.6 مليار دولار أميركي سنة في نهاية 2018 مقابل 29.09 مليار دولار أميركي مجمعة سنة 2017، وهي الأرقام التي يصفها الخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية عبد القادر بريش بـ"الضعيفة"، بسبب قاعدة 49/ 51 وعدم استقرار القوانين وثباتها.

بريش اقترح في حديث لـ"نون بوست" ضرورة تحديد القطاعات الاستراتيجية التي تبقى فيها قاعدة 49/ 51، وعلى أن تكون هذه القطاعات محدودة للغاية، أما باقي القطاعات فتفتح بهدف جلب الاستثمارات الأجنبية. 

وبرأيه أيضًا يجب أن يرافق قانون الاستثمار المرتقب الإفراج عنه تبسيط الإجراءات والقضاء على البيروقراطية برقمنة المعاملات وتخصيص شبّاك موحد لمعالجة ملفات الاستثمار، إضافة إلى تسريع مدة منح الرخص الخاصة بالاستثمار ومنح تسهيلات خاصة بالحصول على العقار الصناعي وتسهيل الوصول إلى التمويل البنكي. 

وأقرَّ في وقت سابق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بصعوبة تحقيق الأهداف المرجوة من قانون الاستثمار دون إرفاقه بإصلاحات في القطاع البنكي، حتى أنه انتقد غياب العقلية التجارية لدى البنوك العمومية. 

ووصف تبون البنوك الجزائرية بـ"الشبابيك العمومية" التي لا تملك عقلية تجارية، واعترف في الوقت ذاته بالقول إن تغيير طرق تسيير البنوك قد يتطلب جيلاً كاملاً، ويستحيل أن يتم بين عشية وضحاها.

وفي نظر الخبير في الشؤون الاقتصادية أحمد سواهلية، إن مناخ الاستثمار في أحسن الأحوال بطيئًا جدًّا. فمنذ تولي القيادة السياسية الجديدة في البلاد زمام الأمور ما زال الغموض سيد الموقف حتى اللحظة.

انعدام الاستقرار التشريعي 

ما زاد الأمور تعقيدًا بالنسبة إلى الاستثمار في الجزائر، يُشير سواهلية في تصريح لـ"نون بوست"، هي المحاكمات العلنية لعدد من رجال الأعمال والوزراء والمسؤولين المتورطين في قضايا الفساد ونهب المال العام، إضافة إلى عدم ثبات القوانين التي تحكم الاقتصاد والاستثمار الأجنبي، ومعروف أن رجال المال والأعمال لا يحبّذون انعدام الاستقرار التشريعي.

من بين المقترحات الأخرى التي تقدمت بها الكونفدرالية في مجال الاستثمار، منح الحرية الكاملة للاستثمار دون الخضوع إلى أي ترخيص أو اعتماد

ويتساءل سواهيلة عن الجدوى من تعديل قانون الاستثمار المعمول به حاليًّا رُغم تعديل أهم القواعد العامة في قانون الموازنة التكميلي لسنة 2020، إذ وضعَ هذا القانون الجدل الذي صنع الحدث طوال عُشرية كاملة من الزمن بخصوص قاعدة 49/ 51، التي تضبط الاستثمارات الأجنبية إلى جانب حق الدول في الشفعة التي تقررت هي الأخرى بموجب قانون المالية التكميلي لسنة 2009، بعد حادثة تنازل أوراسكوم للأسمنت عن مصنعها بالجزائر لصالح مجموعة لافارج. 

ويضيف الخبير الاقتصادي أن الجزائر مطالبة باستغلال الأوراق الرابحة التي بحوزتها، والمتمثلة بالاستقرار الأمني وحتى السياسي، لأن الملف الأمني واحد من المعضلات التي تواجه الاستثمار في أي بلد. 

وإضافة إلى هذه الأوراق يذكرُ المتحدث توجُّه الجزائر نحو التصدير خارج المحروقات، والذي سيصل حسب الأرقام الواردة في خطة الإنعاش الاقتصادي إلى 4 أو 5 مليارات دولار أميركي، وهو ما أكده الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه الدوري بممثلي الصحافة المحلية منذ يومَين. 

ولتحقيق الإقلاع الاقتصادي في الجزائر، اقترحت الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل (منظمة تشكلت على بقايا منتدى رؤساء المؤسسات الذي كان يرأسه رجل الأعمال البارز علي حداد، المتواجد حاليًّا في السجن رفقة رجال أعمال آخرين)، 62 مقترحًا لإنجاح خطة الإنعاش الاقتصادي، ترتكز على أربعة محاور رئيسة، هي: إنعاش ودعم الاستثمار وتقليص رقعة الأسواق الموازية وتبسيط محيط المؤسسة وتحسين مناخ الأعمال من خلال تقديم صورة مغايرة للمتعامل الاقتصادي، ومحو وصمة الفساد والتهرب الضريبي التي رُسمت عن رجال أعمال بارزين خلال حقبة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة. 

ومن بين المقترحات الأخرى التي تقدمت بها الكونفدرالية في مجال الاستثمار، منح الحرية الكاملة للاستثمار دون الخضوع إلى أي ترخيص أو اعتماد. 

ويُضاف إلى ذلك استحداث بنك للاستثمار متخصّص في تطوير المؤسسات والصناعات الصغيرة المتوسطة الخاصة، وتجسيد التخلي عن القاعدة 49/ 51 في مجال الاستثمار الأجنبي.