سيضطر أصحاب المقاهي إلى تسريح العمال في رمضان

سيضطر أصحاب المقاهي إلى تسريح العمال في رمضان

في ظل استمرار جائحة كورونا للعام الثاني على التوالي، واقتراب شهر رمضان المبارك، يجد العاملون في المقاهي أنفسهم عاطلين عن العمل، فالإجراءات الحكومية الجديدة لمجابهة تفشي الفيروس أحالتهم إلى البطالة القسرية في الشهر الكريم، ما من شأنه أن يزيد من تدهور أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي في البلاد.

تشديد الإجراءات

أجبر الوضع الصحي المقلق السلطات التونسية على تشديد إجراءات التباعد الاجتماعي والوقاية، إذ قررت الحكومة تمديد فترة حظر التجول الليلي إلى عشر ساعات يوميًا بدلًا من سبع ليصبح من الساعة السابعة مساءً وحتى الخامسة صباحًا بعدما كان في السابق يبدأ في الساعة العاشرة ليلًا.

من بين القرارات التي اُتخذت وفق الناطقة الرسمية باسم رئاسة الحكومة حسناء بن سليمان، إعطاء الإذن للولاة بإغلاق المناطق ذات مستوى الخطورة حسب المعطيات وآخر إحصاءات المصابين.

يعاني العاملون في قطاع المقاهي من الهشاشة الاجتماعية، في الأيام العادية، فما بالك إن تمت إحالتهم للبطالة

كما سيتم إجبار الوافدين من الخارج على القيام بالحجر الذاتي لمدة 5 أيام، ويتعين عليهم أيضًا إبراز نتيجة فحص مخبري لا يعود تاريخها لأكثر من 72 ساعة تثبت خلوهم من الفيروس للسماح لهم بالصعود على متن الطائرة.

وتقرر بموجب الإجراءات الجديدة، التي ستسري بين 9 و30 من أبريل/نيسان الحاليّ، إغلاق كل الأسواق الأسبوعية، ومنع التجمعات الخاصة والعامة في سائر أنحاء البلاد وتشديد استعمال وسائل الوقاية من العدوى.

وخلال الندوة الصحفية التي عُقدت لإعلان هذه الإجراءات، أكد وزير الصحة التونسي فوزي مهدي أن الوضع الصحي في البلاد بلغ مستوى خطيرًا مع تسجيل أكثر من ألف إصابة جديدة يوميًا وعشرات الوفيات، فيما سبق أن حذر مسؤولون في القطاع الاستشفائي في تونس من انهيار المنظومة الصحية في البلاد.

إحالة عمال المقاهي إلى البطالة

حظر الجولان الليلي في رمضان، يعني أن المقاهي ستغلق أبوابها، وهو ما يعني أيضًا إحالة عشرات آلاف العاملين بها إلى البطالة الإجبارية، في الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه رفع الحكومة للإغلاق حتى تستعيد المقاهي نشاطها خلال الشهر الكريم.

قبل هذه الإجراءات الجديدة، أغلق نحو ألفي مقهى أبوابهم فعليًا وأعلنوا إفلاسهم وسرحوا العاملين فيها نظرًا لحالة الانكماش، لكن في هذه الحالة فكل المقاهي وعددها يفوق 20 ألفًا ستغلق في رمضان، وكل العاملين فيها سيجدون أنفسهم في بلا عمل.

يُعَد قطاع المقاهي من بين أكثر القطاعات المتضررة في تونس نتيجة وباء كورونا، فالإجراءات التي اتبعتها الحكومة لمجابهة الوباء قضت بتقييد عمل المقاهي لساعات معينة وبطاقة استيعاب لا تتخطى 30% في داخل المقهى و50% في فسحته الخارجية، وهو ما أدى إلى تراجع نشاطهم.

 

في هذا الخصوص، اعتبر نائب رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي صدري بن عزوز في تصريح إذاعي أن غلق المقاهي ليلًا في رمضان حكم بالإعدام على أهل القطاع، مؤكدًا أنه سيتم اللجوء إلى تسريح العمالة في صورة الإقرار بغلق المقاهي ليلًا دون تعويض أصحابها.

سليم (29 سنة)، أحد العاملين بمقهى شعبي في حي التحرير بتونس العاصمة، يقول لـ "نون بوست": "في الفترة الأخيرة تراجع عدد رواد المقهى، واضطر صاحب المقهى إلى تسريح اثنين من زملائي وبقيت أعمل بمفردي بأجر منخفض".

ويضيف: "كنا ننتظر شهر رمضان حتى تتحسن الأوضاع وتعود الحركة للمقهى، حتى إنه تم الاتصال بمن سُرحوا للعودة إلى العمل خلال رمضان، لكن الإجراءات التي أعلنتها الحكومة أفسدت كل شيء، فلن أجد عملًا".

لا خطط للتعويض

يؤكد محدثنا أن القرارات الحكومية الأخيرة كانت بمثابة رصاصة الرحمة على قطاع المقاهي، فقد حكمت عليه بالفناء، دون أن تقدم رؤية واضحة لإنقاذه وإنقاذ العاملين به، الذين يقدر عددهم بأكثر من 200 ألف عامل.

في السنة الماضية، عندما قررت الحكومة غلق المقاهي، قدمت الدولة لأصحابها وللعمال مساعدات مالية حتى تساعدهم على تجاوز المشاكل الناتجة عن الإغلاق، لكن موازنة 2021 لم تضع أي مخصصات لمواجهة تداعيات كورونا، ما يعني أن الحكومة لن تقدم مساعدات مالية أو تعويضات لأحد.

في هذا الخصوص، كشف استبيان أنجزته المنظمة الوطنية لرواد الأعمال عن تداعيات الموجة الثانية لفيروس كورونا أن 41% من أصحاب المقاهي والمطاعم في تونس يفكرون في تغيير نشاطهم جراء كورونا و93.6% من أصحاب المؤسسات الصغرى والحرفيين والمهن الحرة يعتبرون أن الدولة لم تدعمهم.

 

 

كل المؤشرات والوقائع، تؤكد أن الوضع صعب في تونس، وجائحة وباء كورونا ألقت بظلالها على العديد من المهن وخصوصًا قطاع المقاهي

وسبق أن نفذ مئات من أصحاب المقاهي وقفات احتجاجية في جهات عدة من البلاد، مطالبين بمساعدتهم في المحافظة على مواطن الشغل والتخفيف من التضييق المفروض على نشاطهم (تسبب في تراجع عدد زبائنهم وانخفاض عائداتهم المالية واضطرارهم إلى تسريح آلاف العاملين في القطاع)، لكن الحكومة تجاهلت مطالبهم فليس لها ما تقدمه لهم.

 

تهديد السلم الاجتماعي

يعاني العاملون في قطاع المقاهي من الهشاشة الاجتماعية، في الأيام العادية، فما بالك إن تمت إحالتهم للبطالة، ما سيضعهم على حافة العوز والفقر، في غياب أي إمكانات لتعويضهم، بسبب الضائقة المالية التي تمر بها الدولة التونسية.

خلال شهر رمضان، سيجد هؤلاء أنفسهم عاطلين عن العمل، في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المواد الأساسية، ما يعني إضافة أرقام جديدة لعدد الفقراء في تونس، حيث يقدر المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) نسبة الفقر في البلاد بـ15.2% من مجموع السكان في دراسة له بالتعاون مع البنك الدولي نشرت عام 2020.

 

يمكن أن نشهد في الأيام القادمة احتجاجات لأصحاب المقاهي والعاملين فيها إما لرفع القرارات الأخيرة وإما لدفع الحكومة لتقديم تعويضات ومساعدات لهم، لكن حكومة المشيشي ليست قادرة على الاستجابة لهذه المطالب فهي بين محرقتين: محرقة الوضع الصحي ومحرقة الوضع الاجتماعي.

عمومًا، فإن تأثير الإجراءات الحكومية المتعلقة بمكافحة فيروس كورونا لا يقتصر على قطاع المقاهي فقط، حيث يتلقى أيضًا صغار التجار والعاملين في المهن الحر ضربات قاسية من الفيروس المستجد والحكومة التي لا تملك خطة واضحة لمساعدتهم في تخطي هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة.