الصورة: حسام تمام (يمين) مع صديقه الدكتور عبدالفتاح ماضي - المغرب/ 2006

(1)

لم أعرفه إلا من خلال حروفه، ولم أقابله إلا في حواراته ونقاشاته ولقاءاته، ولم أتكلم معه إلا من خلال إنصات عقلي لأفكاره وآرائه ودراساته، فهو على صغر سنه ملاذ كثير من المغردين في ميدان الحركات الإسلامية وأبرز من تكلم فيها، لأنه فارس ميدانها وجوادها الباسم الهادىء الجميل، وأفضل من تكلم في التفريق بين الحركة الإسلامية غير المعصومة والإسلام المعصوم، وأفعال الإسلاميين غير المعصومة والنص الديني المقدس المعصوم، بحيادية تامه كاملة غير أسيرة لأيدولوجيا معينة ولا نبت فكرة حاقدة متحاملة، لكنه نقاء السريرة وطيب المعشر وخلق الفارس النبيل الصعيدي النشأة برجولته المعهودة، وإسكندراني الطباع بجماله المشهود، لكنها الدنيا بقسوتها، ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

(2)

وأنت وإن أفردت في دار وحشةٍ ..
فإني بدار الأنس في وحشة الفرد ..
أود إذا ما الموت أوفد معشرًا ..
إلى عسكر الأموات أني مع الوفد ..
عليك سلام الله مني تحية ..
ومن كل غيث صادق البرق والرعد ..

أحسب هذه الأبيات
لابن الرومى في قصيدة: "بكاؤكما يشفي" تعبر عن حالي معك يا تمام.

(3)
توفى حسام تمام - رحمه الله -  يوم الأربعاء 26 أكتوبر2011  عن عمر يناهز 39 عامًا، بعد صراع مع خاطف الأفكار، وعدو الأجيال، وحاصد الأرواح "مرض السرطان"، الزائر الخبيث الذي هتك أستار جسده وماله، لكنه كان صابرًا مؤمنًا محتسبًا متوسط ا بالرضا واليقين، لأنه يعلم أنه ميت يمشي على الأرض، فلا يرى عليه أثر المرض الذي أصاب جميع جسده إلا عقله وفكره ورأيه، وهذه الذكرى الرابعة لوفاته - رحمه الله -  تطل علينا ونحن ننفض الغبار عن كلماته وأفكاره وآرائه ودوره في نقد وترشيد الحركات الإسلامية، وتصويب مسارها وتصحيح بعض انحرافاتها بنيران صديقة محبة مشفقة، عاشت وترعرعت بذرتها في الحاضنة الإسلامية وعاشت آلام الحركة وأمالها، لم يكره تمام - رحمه الله - الحركة الإسلامية أو حقد عليها لكنه حاول ترشيدها ووضعها في مسارها الصحيح.
 

(4)
وبعيدًا عن الباحثين الأمنيين والذين يستلهمون أبحاثهم من الدراسات والتقارير الأمنية للنظام الحاكم، وعن الباحثين الأيديولوجيين والتي تنبع أبحاثهم من المخاض الأيديولجي المقيت المتحامل الحاقد، تكمن قوة وجمال حسام تمام - رحمه الله - وروعة كتاباته في شئون الحركة الإسلامية وأفكارها ومساراتها في أمرين: أولهما أنه لم يتعامل مع الحركة الإسلامية من خلال الكتب والمجلدات والنصوص في صورة نظرية معمليه باهتة، لكنه على العكس تعامل معها من خلال الممارسات الفعلية فعايش وتعايش مبكرًا مع الحركة الإسلامية، وشاهد في بلد المنشأ (أسيوط) صور وحالات للاعتقالات والمداهمات والقبضة الأمنية الشرسة مع أبناء الحركة الإسلامية، ثم عايش وتعايش معها فى الإسكندرية، فكان قريبًا منهم ومتواجد بجوارهم فتجده في (ترييف الإخوان) وكأنه واحد بينهم ومنهم، وثانيهما أنه لم يكن إلا باحثًا حرًا غير متعصب ولا متحيز إلى فئة معينة على حساب الأخرى، ولكن حياديته وواقعيته وموضوعيته أجبرت الجميع على احترامه وتقديره والتعامل معه والأخذ منه، وأن يكون مرجعية في هذا الفن الشائك الملبد بغيوم النقد والتجريح والتشويه لأي أحد من رواده وأبطاله، وذلك من خلال أولتراس الحركات الإسلامية ولجانها الإلكترونية الكثيفة والكثيرة.

(5)
يعد تمام - رحمه الله - مؤسس أول مرصد متخصص لدراسة الحركات الإسلامية، وشغل منصب مدير تحرير قطاع الحركات الإسلامية بموقع "إسلام أون لاين"، وبدأ عمله الصحفي بجريدة آفاق عربية، ثم انتقل إلى "القاهرة"، ثم الأحرار.

وللفقيد - رحمه الله - عدة كتب وترجمات في الحركات الإسلامية أبرزها "مع الحركات الإسلامية في العالم، "رموز وتجارب وأفكار"، و"تحولات الإخوان المسلمين تفكك الأيدولوجية ونهاية التنظيم"، وكان محاضرًا في جامعة زيورخ، وساهم في العديد من الإصدارات المتخصصة في الشرق الأوسط، بالتعاون مع مركز الثقافة الفرنسي وعدد من الجهات البحثية الأوروبية.

ومن أبحاثه أيضًا "تسلف الإخوان .. تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية"، "الإخوان والإصلاح قراءة في الجدل والتدافع"، "الإخوان والدولة بين الوطنية والأممية"، "إلى أين يسير قطار التجديد الإخواني حين يغادر محطة التنظيم"، "ترييف الإخوان"، "الإخوان الديمقراطيون .. الأفكار وخريطة الانتشار"، و"لماذا لا يكتب الإخوان تاريخهم"، وغير ذلك كثير، كما استطاع أن يلخص التاريخ العام للحركة الإسلامية في تأسيسها الثاني من خلال تحريره لشهادة د. عبدالمنعم أبوالفتوح.

رحم الله تمام وغفر له وجعله من أهل الفردوس الأعلى وألحقنا به على خير في الدنيا باستكمال مشواره القصير في الزمن - لكنه كثيف القيمة والمعنى - كباحث في الحركات الإسلامية بواقعية راشدة وحيادية نابضة من أجل ترشيدها وضبط مسارها والتخلي عن عيوبها وآفاتها التي تؤثر بالسلب على ديننا وأمتنا ومصرنا وثورتها المستمرة، وفي الآخرة في مستقر رحمته وصحبة نبيه بعفوه - سبحانه وتعالى - وكرمه وفضله.

للإطلاع على بعض تراث الرجل - رحمه الله - وفكره وآرائه:
موقعه الشخصي

صفحة دراساته ومقالاته على الفيس بوك

أرشيف مقالاته بجريدة الشروق المصرية