تعاني الساحة الإثيوبية من توترات حامية الوطيس منذ إعلان الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، الحربَ على إقليم تيغراي في الشمال، وسط تحذيرات من نشوب حرب أهلية شعواء من شأنها أن تخلف خسائر جمة في الأرواح والممتلكات.

الأوضاع في مجملها كانت مهيأة لتلك الوضعية الحرجة، في ظل تصاعد السجال بين السلطة الجديدة بقيادة آبي أحمد، والجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF) بزعامة جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، والتي قادت حكم البلاد لقرابة 27 عامًا قبل انسحابها من المشهد في أبريل/ نيسان 2018.

القتال الدائر بين الطرفين خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أسفر عن مقتل المئات وتشريد عشرات الآلاف، فضلًا عن تمزيق البلاد وتعميق حدة الانقسام بين التيارات الطائفية والقبلية، في الوقت الذي يتبادل فيه الجانبان (السلطة والجبهة) الاتهامات بشأن مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة.

عززت الأجواء الراهنة مخاوف البعض من تكرار سيناريو الحرب الأهلية الإثيوبية (1974-1991)، تلك الحرب التي تعد واحدة من أكبر جرائم الإبادة في القارة الإفريقية في التاريخ الحديث، والتي أطاحت بمئات الآلاف من القتلى من الجانبَين، فماذا نعرف عن تلك الحرب؟ وهل تسير الأوضاع الحالية إلى السيناريو ذاته مرة أخرى؟

مليون ونصف قتيل

في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974 أطاح التنظيم العسكري الشيوعي الذي عُرف بـ"الدرع" (اختصارًا للجنة التنسيق بين القوات المسلحة والشرطة والجيش في أقاليم البلاد)، بنظام الإمبراطور هيلا سيلاسي الذي كان يحكم إثيوبيا، في انقلاب مدعوم من الاتحاد السوفيتي وقتها، وحكمَ هذا التنظيم البلد الأفريقي بالحديد والنار.

ووضعت الطغمة العسكرية التي حكمت في ذلك الوضع حزمة من القوانين والتشريعات القاسية، كان لها مردودها السلبي على الشارع الذي كفر بها وأعلن فيما بعد الثورة عليها، وقد تسببت تلك الممارسات فيما عُرف إعلاميًّا باسم "الإرهاب الأحمر" سيئ السمعة، حيث قُتل عشرات الآلاف من الشباب من دون جرم أو محاكمات.

وقد اتخذت السلطة الجديدة بعض الإجراءات والقرارات التي أشعلت المشهد برمته، أبرزها إلغاء النظام الملكي، وسجن عدد من أفراد الأسرة الحاكمة، منها والدة الإمبراطور وتدعى أمها سيلاسي، وابنته الأميرة لجيجاييهو (توفيت في السجن)، وشقيقته الأميرة تيناجنيورك، وبعض أقاربه وأصهاره.

كان من الصعب أن يتجول سكان البلاد في الشوارع والطرقات نهارًا، بسبب شدة القصف والطائرات التي لم تتوقف ساعة واحدة.

وخلال الفترة بين عامَي 1975 و1977، أقصى الانقلابيون كل المنافسين السياسيين المحتملين، وشنوا حملات وحشية ضد المعارضين من التيغراي وأبناء الجبهة، بجانب عمليات الإعدام والاغتيال وسجن عشرات الآلاف من دون محاكمات، فضلًا عن إعادة توزيع ثروات البلاد والأراضي الزراعية بما يخدم أجنداتهم.

وفي بدايات الثمانينيات من القرن العشرين، تعرضت إثيوبيا لموجة مجاعات قاسية، ضربت قرابة 8 مليون مواطن، توفي منهم مليون جوعًا، وهي الوضعية التي دفعت لنشأة الكثير من حركات التمرد ضد الحكم الشيوعي، والتي سقط بسببها مئات الآلاف من القتلى في المواجهات مع حكومة منغستو هيلا مريام، الرئيس الذي أشرف على الإرهاب الأحمر الإثيوبي.

وعلى مدار قرابة 17 عامًا، نشبت واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في أفريقيا، ففي تلك السنوات سقط عدد من الضحايا لم تشهده القارة، حيث تشير التقديرات إلى أن العدد يتراوح بين ربع مليون ومليون ونصف إثيوبي، فقدوا حياتهم جراء تلك الحرب.

زعيم الجبهة المعارضة بعد تسلمه السلطة، قال إن هدفه الأول خلال مرحلة ما بعد الطغمة هو أن يتمكن الإثيوبيون من تناول 3 وجبات يوميًّا كبقية شعوب العالم.

العديد من الوثائق التي أرّخت لتلك الحقبة الحمراء، نسبةً إلى دمويتها، تناولت بعض الشواهد التي تكشف طبيعة الوضع الذي كان عليه الشعب الإثيوبي تحت هذا الحكم الفاشي، إذ كان من الصعب أن يتجول سكان البلاد في الشوارع والطرقات نهارًا، بسبب شدة القصف والطائرات التي لم تتوقف ساعة واحدة، الأمر الذي أجبر الأهالي على التحرك ليلًا فقط.

وفي إحدى الغارات الجوية العشوائية على أحد الأسواق في منطقة هاوسين شمال البلاد، قُتل في أقل من دقائق أكثر من 1800 من المتسوقين، فيما حوّل دخان القنابل والقاذفات الأجواء إلى ظلام دامس بمعنى الكلمة، فكان الرجل لا يرى من بجواره من شدة الغبار والظلام الذي خيّم على المكان.

الجبهة الديمقراطية ومقاومة الحكم الشيوعي

لم يستسلم الشعب الإثيوبي لهذا الحكم الوحشي الظالم، حيث شكّل عدة آلاف من الرجال والنساء والطلاب من سكان تيغراي النواة الأولى للمقاومة، أسموها "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية"، مرتكزين على عدد من الاستراتيجيات على رأسها استنهاض الوعي الجماهير، والاهتمام بالتعليم والمدارس لتخريج جيل من الشباب المثقف الواعي.

استطاعت تلك الجبهة أن تتمدد في أنحاء البلاد يومًا تلو الآخر، حتى باتت على أرض صلبة، قادرة على مناهضة ومجابهة تلك الطغمة التي كانت تتلقى دعمًا غير مسبوق من الحكومة السوفيتية، وخاضت العديد من المعارك ضد الحكومة الشيوعية أبرزها معركة شاير بين 15 و19 فبراير/ شباط عام 1989.

استطاع آبي أحمد أن يطيح بمرشح التيغراي شيفيرو شيغوت، ليسدل الستار على حكم التيغراي رسميًّا بعد 27 عامًا من السيطرة على المشهد.

وأمام قوة المعارضين المتنامية، أطيح بنظام منغستو على أيدي الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، بعدما نجحت في السيطرة على العاصمة أديس أبابا، ليضطر الرئيس حينها للفرار خارج البلاد بعد تدخل الولايات المتحدة، طالبًا حق اللجوء السياسي إلى زيمبابوي.

ومع أول يوم لتسلُّم الجبهة المعارضة السلطة في البلاد، كشف زعيم الجبهة، ميليس زيناوي، الذي أصبح رئيسًا للحكومة بعد ذلك، أن هدفه الأول خلال مرحلة ما بعد الطغمة هو أن يتمكن الإثيوبيون من تناول 3 وجبات يوميًّا كبقية شعوب العالم، وهو التصريح الذي كشف عن حجم المعاناة التي كان يعانيها الشعب الإثيوبي في ظل الحكم الشيوعي.

ديكتاتورية جديدة

لم يهنأ الإثيوبيون كثيرًا بالإطاحة بالحكومة الشيوعية الوحشية، إذ خرجوا من ديكتاتورية إلى ديكتاتورية من نوع آخر، لكنها هذه المرة ديكتاتورية طائفية، حيث خضعت البلاد إلى حكم الجبهة الثورية الديمقراطية التي كانت تقودها جبهة التحرير الشعبية لتيغراي، برئاسة ميليس زيناوي الذي أصبح رئيسًا للحكومة الجديدة حتى وفاته عام 2012.

ومن عام 1991 وحتى عام 2018 مارست السلطة الجديدة بحكوماتها المتعاقبة العديد من أشكال القمع وتضييق الخناق، فضلًا عن الفشل الواضح في التعامل مع الملفات الحياتية المهمة، كالملف الاقتصادي والطائفية والصراعات القبلية، ما أدى إلى تزايد سخط الشارع حيال تلك السلطة.

ضاق الإثيوبيون ذرعًا بجبهة التيغراي، لذا كان رد الفعل قاسيًا وعنيفًا خلال الانتخابات التي جرت لرئاسة الجبهة الثورية في 2 أبريل/ نيسان 2018، حيث صوّت أعضاء اللجنة من مناطق أمهرة وأورومو وشعوب قوميات الأمم الجنوبية، لصالح آبي أحمد الذي استطاع أن يطيح بمرشح التيغراي شيفيرو شيغوت، ليسدل الستار على حكم التيغراي رسميًّا بعد 27 عامًا من السيطرة على المشهد.

زعيم التيغراي، دبرصيون: "لقد قمنا بإعداد جيشنا وميليشياتنا وقواتنا الخاصة. وتهدف استعداداتنا إلى تجنب الحرب، لكن إذا أردنا القتال، فنحن جاهزون للفوز".

تلقّى أعضاء الجبهة الخسارة بامتعاض شديد، فيما انتقلوا بعدها إلى إقليم تيغراي واستمروا بإدارة المنطقة لمدة 3 سنوات، دخلوا خلالها في معارك جانبية مع الحكومة الفيدرالية الجديدة، بجانب أنهم عرقلوا أداء الحكومة في هذا الإقليم، الأمر الذي ساهم في توتير الأجواء بين الجانبَين بصورة كبيرة.

في ديسمبر/ كانون الأول 2019، رفض التيغراي الانضمام لحزب "الازدهار الجديد"، الذي دمج فيه رئيس الحكومة الأحزاب العرقية والإقليمية للجبهة الثورية الديمقراطية، التي حكمت إثيوبيا قبل ذلك، وفي المقابل اتهمت الجبهة آبي أحمد بأنه حاكم غير شرعي، بسبب تأجيله للانتخابات العامة التي كان إجراؤها مقررًا في 29 أغسطس/ آب 2020، وتم تأجيلها مرتين إلى تاريخ غير محدد بسبب جائحة كورونا.

شهد العام الماضي تصاعد التوترات بين آبي أحمد وجبهة التيغراي، وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن تسخين الأجواء، حيث اتهم رئيس الحكومة أعضاء التيغراي بمحاولة تقويض سلطته، فيما يعتبر الأخير أن رئيس الحكومة الحالي فاقدًا للشرعية لعدم إجراء الانتخابات في موعدها.

وأمام موجات المد والجذر بين الجانبَين، والأزمات والتحديات التي يواجهها آبي أحمد وحكومته على المستوى الداخلي والخارجي، جاء قراره المثير للقلق في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، حين أعلن الحرب على إقليم تيغراي، لتدخل البلاد دوامة عنف جديدة.

على أعتاب حرب جديدة

أدى التوتر بين الجبهة والسلطة منذ إعلان الأخيرة الحرب على الأولى، إلى مزيد من التصعيد الميداني، حيث أسفرت عشرات الاشتباكات والمعارك الجانبية عن سقوط مئات القتلى، هذا في الوقت الذي بلغ فيه السجال بن الجانبين حد التهديدات المباشرة والتلويح بالمواجهات العسكرية.

شهدت الأشهر الأخيرة تحركًا لافتًا للنظر من قبل التيغراي، يتمثل في إصدار وثائق لجمع الأموال من أجل التجهيز للحرب ضد الحكومة الفيدرالية، وهو ما أكده زعيم التيغراي، دبرصيون، قائلًا: "لقد قمنا بإعداد جيشنا وميليشياتنا وقواتنا الخاصة. وتهدف استعداداتنا إلى تجنب الحرب، لكن إذا أردنا القتال، فنحن جاهزون للفوز".

وفي الجهة المقابلة، ألمحت الحكومة إلى احتمالية التصعيد العسكري، مبررة ذلك باتهام الجبهة بـ"الاستفزاز المستمر والتحريض على العنف"، كما إنهم "تجاوزوا الخط الأحمر الأخير" كما جاء على لسان مكتب رئيس السلطة آبي أحمد، الأمر الذي زاد من حجم التخوفات بشأن الوضع الميداني.

يذكر أنه في مارس/ آذار الماضي فقط، أسفرت المواجهات بين الطرفين عن سقوط قرابة 300 قتيل، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، التي أشارت في بيان لها أن أكثر من مليون شخص نزحوا عبر 178 موقعًا، يمكن الوصول إليها فى منطقة تيغراي الإثيوبية وعفر وأمهرة المجاورتين، خلال الفترة بين 2-31 مارس/ آذار 2021، ما يجعل من سيناريو عام 1974 شبحًا يفرض نفسه مرة أخرى.