لشبكة السكك الحديدية في مصر قصة أخرى تختلف كثيرًا عن باقي العالم العربي، فرغم التاريخ الطويل لهذا البلد في استغلال السكة الحديد باعتبارها ثاني دولة على المستوى العالمي تعرف القطار وذلك في بداية الخمسينيات من القرن الـ19 أي مباشرة بعد إنجلترا التي ظهرت فيها وسيلة النقل هذه في 1814، فإن الأرواح التي حصدتها السكة الحديد حولت القطار من نعمة إلى نقمة، وذلك وسط عجز الأنظمة الحاكمة عن تطوير شبكة الخطوط بما يضمن حسن سير هذا المرفق الحيوي.

تاريخ الشبكة

عام 1851 وقع الخديوي عباس الأول مع البريطاني روبرت ستيفن سن، وهو نجل جورج ستيفنسن مخترع القاطرة الحديدية عقدًا بقيمة 56 ألف جنيه إنجليزي لإنشاء خط حديدي يربط بين العاصمة المصرية والإسكندرية بطول 209 كيلومترات، ليتم تسيير أول خط بين القاهرة ومدينة كفر الزيات عام 1854.

اكتمل الخط الحديدي الأول بين القاهرة والإسكندرية عام 1856، ليفتتح الخط الثاني بين القاهرة والسويس بعد عامين، ثم بدأ إنشاء خط القاهرة بورسعيد عام 1860، فيما لم يشرع في إنشاء خط حديدي في صعيد مصر إلا عام 1887.

في عام 1898 بدأ إنشاء الخط الحديدي الثالث من القاهرة إلى الأقصر وتولت شركة خاصة مد خط السكك الحديدية إلى مدينة أسوان في أقصى الجنوب باسم شركة قنا أسوان للسكك الحديدية.

بعد دخول البريطانيين السودان عام 1899 قررت سلطات الاحتلال تعديل خط القطار من الأقصر حتى أسوان ثم الشلال الأول في أقصى جنوب مصر، ليصبح امتدادًا طبيعيًا لشبكة السكك الحديدية في مصر، وتم ذلك المشروع عام 1926، إذ امتد الخط إلى وادي حلفا داخل الحدود السودانية.

بعد ذلك التاريخ، دخلت مصر عصر قطارات الضواحي عندما تم مد خط قطارات حلوان الذي يربط بين قلب القاهرة بضاحية حلوان خلال الفترة من 1870 حتى 1872، لتنتشر في القاهرة خطوط قطارات المدن "الترام" وتولت إدارته شركة بلجيكية وشركة فرنسية وأصبحت هذه القطارات وسيلة المواصلات العامة الأولى في عاصمة مصر خلال الربع الأول من القرن العشرين.

 

وفي أثناء الحرب العالمية الأولى بدأ الإنجليز يفكرون في إقامة خط للسكك الحديدية يربط بين مصر وفلسطين لخدمة المجهود الحربي، ليتم بناء الخط من القنطرة شرق على الضفة الشرقية لقناة السويس، وحتى غزة في 1918، كما ازداد اهتمامهم بسكك الحديد إبان الحرب العالمية الثانية من أجل استخدام تلك الخطوط في نقل العتاد والذخائر والجنود.

أما بعد ثورة 23 من يوليو/تموز 1952 عملت الحكومة الجديدة على تطوير تلك الخطوط وإمدادها بالعربات لنقل المواطنين، كما أدى الاهتمام ببناء السد العالي إلى تعزيز استعمال خطوط السكك الحديدية في نقل أدوات البناء اللازمة والمهمات للعاملين في هذا المشروع الضخم، ليتراجع هذا الاهتمام مع الأنظمة اللاحقة.

 

شبكة الخطوط

تعد منظومة السكك الحديدية المصرية واحدة من أقدم منظومات السكك الحديدية بالعالم فهي الثانية بعد إنجلترا، ويصل إجمالي شبكاتها نحو 10 آلاف كيلومتر، هذا الانتشار لمنظومة سكك حديد مصر يضفي عليها الكثير من الأهمية في نقل الركاب والبضائع معًا، وتعمل هيئة السكك الحديدية على زيادة شبكاتها ووضع حجر الأساس لإنشاء خطوط السكك الحديدية للقطارات الكهربائية فائقة السرعة، والعمل من أجل الربط بين المناطق اللوجستية والربط مع دول الجوار بإجمالي أطوال مزمع إنشاؤها تبلغ نحو 1813 كيلومترًا.

ووفق الإحصاءات الرسمية فقد استقل القطارات نحو 270 مليون مسافر عام 2018-2019، ارتفاعًا من 228 مليونًا عام 2014-2015، و247 مليونًا عام 2009-2010، وتمثل خدمة نقل المسافرين نحو 90% من أنشطة الهيئة، وهي واحدة من أعلى خطوط السكك الحديدية كثافة مرورية في العالم، فتنقل نحو 1.4 مليون مسافر كل يوم، بينما تراجع نشاطها في نقل البضائع الذي وصل لنحو 4% فقط من أنشطة الهيئة عام 2016، وما يمثل نحو 1% فقط من جميع البضائع المنقولة على مستوى الجمهورية.

كما تربط السكك الحديدية جميع الموانئ الرئيسية بوصلات حديدية تربطها بشبكة سكك حديد مصر، فيما بلغ إجمالي عدد المحطات 705 محطات رئيسية وفرعية ومتوسطة، وهي تُمثل الرئة التي يتنفس منها المصريون، فتاريخيًا كانت الوسيلة الوحيدة التي يعتمدها الغلابة في تنقلهم بين المحافظات، وكثيرًا ما كان القطار حاضرًا في الأفلام والمسلسلات المصرية ينقل أحوالهم ويصور معاناتهم.

تدهور النقل الحديدي

تشهد مصر التي تمتلك شبكة قطارات كبيرة، على مدار السنوات الماضية، بصورة متكررة حوادث قطارات ومرور مأساوية بسبب الفوضى التي تعم الطرق وتقادم العربات وسوء حال الشبكة الحديدية التي لا تخضع لصيانة جيدة أو مراقبة كافية، إضافة إلى فشل الأنظمة المتعاقبة في هيكلة هذا المرفق.

يؤكد المراقبون المصريون أن منظومة النقل الحديدي متهالكة ولم يحدث فيها أي تغيير أو إصلاح على مدار أكثر من 20 سنة، وأن هذا المرفق شهد عقودًا من الإهمال وعدم التطوير والصيانة على مستوى الشبكة والوسائل والبنية التحتية حتى وصل إلى حالة من التقادم والخطورة الشديدة.

في سياق متصل، فإن عملية التحكم وإدارة شبكة خطوط كبرى تمتد لآلاف الكيلومترات كانت تتم بعامل يدوي، أي أن عملية التشغيل البشري تسببت في جزء كبير من الحوادث، فيما شكل الفساد وإهدار الموازنات المخصصة للإصلاح عنصرًا رئيسيًا في تدهور النقل الحديدي في مصر.

تكرار الحوادث في مصر ترجعه السلطات وهيئة السكة الحديد إلى العامل البشري وفق جدول التبريرات التالية:

- افتقاد العنصر البشري للكفاءة اللازمة.

- السلوكيات الخاطئة لبعض العاملين بالهيئة التي تتسبب في حوادث جسيمة.

- تزامن أعمال التطوير مع انسياب حركة القطارات وعدم توقفها (غياب التنسيق والتحكم).

- فشل الأنظمة الآلية والإشارات الإلكترونية.

- أخطاء في التشغيل بالاعتماد على الطرق التقليدية في إدارة المرفق.

- الإساءة والتعدي على الممتلكات العامة (القضبان الحديدية).

 

من جانب آخر، فإن تراجع الإنفاق الحكومي أدى إلى تراجع مستوى الخدمة، فبحسب دراسة للمبادرة الشخصية لحقوق الإنسان، نشرتها في مارس/آذار 2019، فإن حوادث القطارات المتكررة تعود إلى تراجع الإنفاق على هذا المرفق الذي يستخدمه ملايين الأشخاص سنويًا.

وتتبعت الدراسة الإنفاق على السكك الحديدية في ربع القرن الأخير، منذ عام 1990 حتى عام 2016 وكشفت أنه في خلال الفترة محل الدراسة، زادت النفقات الجارية والاستثمارية، من 1.47 مليار جنيه مصري في السنة المالية 1990/91 إلى نحو 8.57 مليار في السنة المالية 2015/2016.

هذه الزيادة صاحبها انخفاض حاد في قيمة الجنيه المصري، وبحساب معدل التضخم والقيمة الحقيقية للعملة، بلغت القيمة الحقيقية لميزانية السكك الحديدية في 1990 نحو 14 مليار جنيه (بأسعار 2016)، ويعني هذا باختصار أن الإنفاق الحقيقي على السكك الحديدية انخفض في الربع قرن الأخير بنحو 39%.

تاريخ من الكوارث

- ديسمبر/كانون الأول 1993: قتل 12 شخصًا وأصيب 60 في تصادم قطارين على بعد 90 كيلومترًا شمال القاهرة.

- ديسمبر/كانون الأول 1995: قتل 75 راكبًا وأصيب المئات في تصادم قطار بمؤخرة قطار آخر، وأكدت التحقيقات وقتها أن المسؤولية تقع على عاتق سائق القطار الذي تجاوز السرعة المسموح بها رغم وجود ضباب كثيف، ما جعله عاجزًا عن اتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب.

- فبراير/شباط 1997: وتحديدًا في محافظة أسوان، أدى خطأ بشري وخلل في الإشارات إلى وقوع تصادم بين قطارين شمال مدينة أسوان، ما أدى إلى سقوط 11 قتيلًا على الأقل والعديد من الإصابات.

- أكتوبر/تشرين الأول عام 1998: اصطدم قطار بحاجز إسمنتي في مدينة كفر الدوار، وأدى الحادث إلى مقتل 50 شخصًا وإصابة 80.

- نوفمبر/تشرين الثاني 1999: اصطدم قطار كان يتجه من القاهرة إلى الإسكندرية بشاحنة نقل وخرج عن القضبان نحو الأراضي الزراعية، ما أسفر عن وقوع 10 قتلى وإصابة 7 آخرين كانت حالتهم خطرة.

- أبريل/نيسان من العام نفسه، أدى تصادم قطارين إلى مقتل 10 ركاب وإصابة أكثر من 50، كان معظمهم حالات خطرة.

- فبراير/شباط 2002: شهدت مصر في ذلك الشهر أسوأ حادث قطار في تاريخ السكك الحديد المصرية (أي في 150 عامًا)، إذ أسفر حريق اندلع في إحدى عربات قطار كان في طريقه من القاهرة إلى أسوان‏ عن مقتل أكثر من 361 شخصًا، إلا أن بعض المصادر ذكرت أن عدد الضحايا تجاوز الألف قتيل.

 

- أغسطس/آب 2006: قتل 58 شخصًا وأصيب 144 نتيجة اصطدام قطارين كانا يسيران على السكة نفسها في محافظة القليوبية، وحكم على 14 من موظفي هيئة السكك الحديدية بالسجن لمدة عام بعد إدانتهم بتهمة الإهمال في الحادث.

- يوليو/تموز 2008: لقى 44 شخصًا على الأقل حتفهم إثر اصطدام قطار بحافلة ركاب بالقرب من مدينة مرسى مطروح الساحلية الواقعة بشمال غرب البلاد.

- أكتوبر/تشرين الأول 2009: قتل 30 شخصًا إثر تصادم قطارين في منطقة العياط على طريق القاهرة - أسيوط.

- نوفمبر/تشرين الثاني 2012: قتل 49 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 4 و6 سنوات نتيجة اصطدم قطار بحافلة كانت تقلهم في رحلة مدرسية بمنفلوط في محافظة أسيوط الواقعة على بعد 356 كيلومترًا جنوب القاهرة.

- يناير/كانون الثاني 2013: قتل 19 شخصًا على الأقل وأصيب 117 في حادث خروج قطار كان يقل مجندين بالجيش عن القضبان في منطقة البدرشين الواقعة على بعد 30 كيلومترًا جنوب القاهرة.

- نوفمبر/تشرين الثاني 2013: قتل 27 شخصًا على الأقل عندما اصطدم قطار كان متجهًا من مدينة بني سويف إلى القاهرة بحافلة ركاب وسيارة نقل كانتا تعبران أحد التقاطعات بالقرب من العاصمة القاهرة.

- أغسطس/آب 2017: قتل أكثر من 41 شخصًا وأصيب 179 نتيجة اصطدام قطارين قرب محافظة بورسعيد الساحلية كان أحدهما منطلقًا من العاصمة القاهرة، والثاني كان متجهًا من بورسعيد إلى محافظة الإسكندرية الساحلية.

- فبراير/شباط 2018: قتل 12 شخصًا وأصيب آخرون إثر تصادم قطارين بمحافظة البحيرة شمال مصر.

- فبراير/شباط 2019: قتل 25 شخصًا على الأقل وأصيب نحو 50 نتيجة ارتطام جرار قطار بحاجز في محطة قطارات رمسيس بالعاصمة القاهرة، واستقال هشام عرفات وزير النقل آنذاك من منصبه على خلفية الحادث.

 

الغلابة مجرد أرقام

الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، تُظهر أنه خلال عشر سنوات (في الفترة من 2006 وحتى 2016) شهدت مصر أكثر من 12 ألف حادث لقطارات السكك الحديدة.

وشهدت الفترة من 2003 وحتى 2017 نحو 16.174 ألف حادث بالسكك الحديدية، وطبقًا للإحصاءات الرسمية ففي العام 2013 وقع 781 حادثًا، مقارنة بـ1044 حادثًا في 2014، و1235 حادثًا في 2015، و1249 حادثًا في 2016، و1793 حادث قطار في 2017.

الأرقام الأخيرة تُشير إلى أن حوادث القطارات في مصر أخذت في الارتفاع ليصل إلى نحو ثلاثة أضعاف، فمن 781 حادثًا في 2013، سجلت مصر عام 2017 بحسب الهيئة الحكومية 1793 حادثًا، وهو ما يعني فشل النظام المصري في إدارة الأزمة التي تُهدد أرواح المصريين وخاصة منهم الفئة المسحوقة التي تعتمد على هذا المرفق.

كما تكشف الأرقام زيف الخطط التي يروج لها النظام في كل المحافل ووعوده بإصلاح وهيكلة منظومة النقل العمومي في البلاد التي تُعد مرفقًا حيويًا مهمًا في حياة السواد الأعظم من المصريين، وتؤكد استمرار الحكومة في تجاهل عملية تطوير وتحسين الخدمات من خلال تعمدها رفع الأسعار بشكل دوري من دون الاكتراث لمعاناة البسطاء المستمرة.

لكن على ما يبدو أن المصريين أيقنوا أخيرًا أن أرواح الغلابة ليست من أولويات النظام الجديد الذي اقتصرت إجراءاته على تنصيب العساكر على رأس المؤسسات، إذ تداول ناشطون مقطع فيديو قديم للسيسي يعود لعام 2017، عندما رفض إجراء صيانة لشبكة السكك الحديد، ودفع 10 مليارات جنية لتطوير هذه المنظومة المتهالكة.

في مقطع الفيديو، يظهر السيسي قائلًا: "تقولي أنا هصرف 10 مليارات علشان أكهرب، وأعمل ميكنة، الـ10 مليارات دول لو أنا حطتهم في البنك لو خدت عليهم فايدة 10% يعني مليار جنيه، ولو بالوضع الجديد اللي موجود دلوقتي بسعر الفايدة يبقى 2 مليار جنيه".

يدفع النظام المصري بتجاهله لتطوير مرفق السكك الحديدية إلى خصخصة هذا المرفق الذي يرى فيه ثقلًا على الموازنة وعبئًا إضافية على خزينة الدولة، دون مراعاة الجانب الاجتماعي أو الاقتصاد الشعبي القائم على الحركة البشرية، فهيئة سكك حديد مصر تسهم في نقل نحو 1.4 مليون مسافر يوميًا، وقرار الخصخصة سيكون له تداعيات على ارتفاع تكاليف النقل وارتفاع أسعار المواد الأولية والوسيطة، وسيتحمل المستهلك النهائي الارتفاع في الأسعار، وهذا يزيد من الأعباء المالية للمواطنين، إذ يقدر الفقراء في مصر بنحو ثلث السكان.

عملية هيكلة منظومة النقل الحديدي في مصر ليست بالأمر المستحيل كما يُروج النظام السياسي الذي اقتصرت إنجازاته على مشاريع لا تلمس الاحتياجات الأساسية للمواطنين، فهي لا تتطلب إلا دفع المؤسسة لتدريب كوادرها واستثمار في تهيئة وصيانة الخطوط القديمة واعتماد النظام الرقمي والتحكم الآلي، والأهم من ذلك حسن إدارة الموارد واستغلال القروض ومحاربة الفساد.