مثلّت درعا استثناءً فريدًا في عمليات "التسوية" والتهجير التي أجبر نظام الأسد الشعب السوري في المحافظات والمدن الخارجة عن سلطته عليها، ومنذ مسرحية الانتخابات الرئاسية قبل شهر، عندما قدمت درعا كما عادتها، صورة المدينة الثائرة التي لا ترضخ للأسد ولا تمنحه الشرعية التي يستجديها عبثًا ولا تشارك بمهازله، وتعلي صوت "الموت ولا المذلة"، عادت المدينة إلى واجهة الأحداث بعد أن قرر النظام معاقبتها وإرضاخها ولو بالنار والبراميل.

حاصر الأسد مدينة درعا البلد، وشن هجمات على المدنيين فيها، في خرق واضح لاتفاقيات التسوية التي حصلت بين فصائل المدينة المعارضة وقوات النظام عام 2018، ومن جديد أدّى قصف النظام إلى مقتل وجرح عدد من الأهالي ما أشعل حركة نزوح جديدة في المنطقة.

بقيت درعا منذ اتفاق التسوية صيف 2018 ساحة للتحركات من عدة أطراف، أبرزها إيران وحزب الله وروسيا، إضافةً إلى الاستهداف الإسرائيلي المتكرر للقواعد الإيرانية المتواجدة بها، عدا عن قوات النظام ومن بقيَ من الأشخاص الذين كانوا ضمن فصائل المعارضة سابقًا، وهي كتلة كبيرة يبدو أن النظام وحلفاءه من الإيرانيين والروس يريدون إنهاء دورها بشتى السبل، ما سيمهِّد لإطباق حصار جديد للمدينة وفرض شروط تسوية جديدة.

بداية الحصار

طلب الجنرال الروسي أسد الله، الذي عُيّن مؤخرًا، من أهالي درعا، تسليم ما يقرب من 200 قطعة سلاح فردي ورشاش يملكها الأهالي والمقاتلين الذين كانوا في صفوف الجيش السوري الحر سابقًا، ومقابل ذلك قدّم أسد الله عرضًا يتم تنفيذه بعد تسليم السلاح، وهو إخراج اللِّجان المحلية التابعة للأجهزة الأمنية من مواقعها في حي المنشية وحي سجنة وجمرك درعا القديم، المسؤولة عن عمليات الاغتيال بحق معارضين سابقين شاركوا في مؤسسات المعارضة العسكرية والمدنية، وعن انتهاكات كبيرة بحق الأهالي.

إضافة إلى الطلبات السابقة، كان أسد الله يريد من أهل درعا تسوية جديدة بشروط جديدة وفتح معبر درعا القديم وإنشاء نقاط روسية في درعا البلد، بالإضافة إلى تسليح مجموعة محدَّدة من المقاتلين، وهو ما قوبل برفض لجنة الأهالي، ما جعل النظام السوري وبتنسيق مع القوات الروسية أن يغلق الطرقات المؤدية إلى درعا البلد، وحشد القوات والجنود على محيط المنطقة والتهديد بعملية عسكرية واسعة.

وفقًا لمركز جسور للدراسات، فإن حصار النظام وروسيا لدرعا يأتي لعدة أسباب، أهمها تصاعُد وتيرة العمليات الأمنية ضد النظام السوري ووكلاء إيران منذ مطلع عام 2021، والهجمات المباشرة ضد نقاط النظام والحواجز العسكرية في أنحاء متفرقة من المحافظة، بالإضافة إلى عودة الشعارات السياسية إلى المدينة متمثِّلة بالمظاهرات الرافضة لحكم بشار الأسد، والسبب الثالث بحسب المركز هو سياسي إذ إن موسكو تريد أن تعطي مساحة للميليشيات الإيرانية في درعا، مقابل أن تحصل على بعض المكاسب من طهران.

وخلال شهر كامل شهدت مدينة درعا عدة جولات مفاوضات بين لجنة الأهالي من طرف، وروسيا والنظام من طرف آخر، لرفع الحصار المفروض، لكن النظام انتهج سبيل الحل العسكري، إذ حشد آلاف الجنود والدبابات والمدرّعات باتجاه المدينة، وعلى رأسهم قوات الفرقة الرابعة التي تُعتبَر حليفة إيران.

 

 

مفاوضات

في الـ 23 من الشهر الجاري، عقدت لجنة الأهالي في درعا، والمخوَّلة بالتفاوض، جولة مفاوضات مع قوات النظام، وكان طرح النظام حينها فكّ الحصار مقابل تسليم عشرات المطلوبين والسماح للقوات بإقامة نقاط عسكرية داخل درعا البلد، وفشلت الجولة بسبب خلافات على عدة نقاط، حيث وافقت اللجنة أن تتواجد نقطتان للنظام يكون فيها عناصر محلية ممن أجروا اتفاق تسوية، مع رفض تسليم المطلوبين وطالبت بتسوية أوضاعهم.

توصّل الطرفان لاحقًا إلى اتفاق مبدئي، ينصّ على تسوية أوضاع العشرات من المطلوبين، والسماح للنظام السوري بتأسيس نقاط عسكرية داخل أحياء المدينة، بالإضافة إلى تهدئة الخطاب الإعلامي، ونتيجة للاتفاق بدأت قوات النظام بالدخول لوضع الحواجز والنقاط المتّفق عليها، ولكن تفاجأ سكان المدينة بدخول مئات العناصر مدعّمين بعشرات الدبابات والمدرّعات والمجنزرات، لتقع بعض الاشتباكات الخفيفة، الأمر الذي دفع قوات النظام لوقف تقدُّمها والتراجُع.

وبدأ النظام وقواته المنتشرة على حدود درعا البلد بقصف المدينة، حيث شهدت المنطقة قصفًا بقذائف الهاون والرشاشات الثقيلة وإطلاق نار بشكل عشوائي، أدى لمقتل مدني وإصابة طفلَين على الأقل.

جاء ذلك بالتزامن مع استقدام قوات النظام لتعزيزات عسكرية إلى محيط درعا البلد وحي طريق السد، بعد ذلك جرى اجتماع بين لجنة أهالي درعا وقوات النظام، وفي هذا الاجتماع رفع ضبّاط النظام سقف مطالبهم لتصبح "تهجير قسري لأشخاص محددين من أبناء المنطقة، وإنشاء حوالي 9 نقاط عسكرية ومفارز أمنية في المنطقة".

مطالبات بتهجير كامل

إلى ذلك طالب وجهاء العشائر في مدينة درعا نظام الأسد بالسماح لهم بالمرور إلى مكان آمن، وذلك بعد انتهاء جولة جديدة من المفاوضات بين اللِّجان المركزية وضبّاط النظام في الملعب البلدي، دون التوصّل لأي اتفاق بين الطرفَين.

وقال أحد وجهاء العشائر في البيان: "نحن أهالي درعا كبارًا وصغارًا كنا وما زلنا دعاة سلم، ولا نرغب بالحرب أبدًا، لذلك أبرمنا خلال الأيام الماضية اتفاقًا مع النظام السوري لحقن الدماء ويؤمن الناس ويحفظ كرامتهم".

وأضاف: "تفاجأنا صبيحة اليوم بنقض بنود الاتفاق، وباغتَنا النظام باقتحام واسع لمحيط درعا البلد، سقط خلالها شهيدان مدنيّان وعدة جرحى، ونظرًا إلى أننا نرفض القتل لغيرنا والموت لأنفسنا ولأننا التزمنا بتنفيذ بنود الاتفاق، فإننا نحن أهالي مدينة درعا نطالب بترحيلنا إلى مكان آمن لتجنُّب الحرب التي ستكون ويلًا علينا".

وجددت قوات النظام قصف الأحياء السكنية في درعا البلد وحي البحار وطريق السد، باستخدام قذائف الهاون والمضادات الأرضية، بعد فشل جولة المفاوضات مباشرةً، وسط حركة نزوح تشهدُها الأحياء المستهدفة.

ووفقًا لـ"تلفزيون سوريا"، فإن وفدًا روسيًّا اجتمع مع قيادة "اللواء الثامن" التابع لـ"الفيلق الخامس" في قلعة بصرى الشام الأثرية، وطالبت قيادة اللواء التدخُّل في حي درعا البلد لكونهم من أبناء محافظة درعا.

وأضافت أن الاجتماع جاء بناءً على طلب من قيادة "اللواء الثامن" الذي طلب منهم ذلك بعد اجتماعه بـ"اللجنة المركزية بريف درعا الشرقي"، وقد انسحبت قوات النظام من النقاط العسكرية الجديدة التي نشرتها اليوم، بعد قصف "الفرقة الرابعة" منطقة البحار جنوب درعا، واندلاع اشتباكات مع أهالي المنطقة تمهيدًا لاقتحامها.

نزوح

في السياق، يقول الناشط السوري عمر الحريري لـ"نون بوست": "الأمور اليوم هادئة والقصف متوقف منذ الصباح، مع وجود جولة مفاوضات أخيرة بين اللجنة وقوات النظام، ويوجد حديث أن روسيا طلبت من النظام إيقاف القصف لحين انتهاء المفاوضات".

ويضيف الحريري أن "التحشيدات العسكرية مستمرة على أطراف ومداخل كل البلد ونسبة نزوح كبيرة حدثت بالأمس، حيث فرض النظام تهجير مجموعة من المطلوبين، وأهل درعا البلد أخذوا قرارًا بأن التهجير إما أن يكون للجميع وإما لا أحد يتم تهجيره".

كما يشير الحريري إلى أن الوضع معقّد في درعا، وذلك لأن "النظام يريد إذلال أهل درعا، إضافةً إلى أن نجاحه بالسيطرة على درعا البلد سيكسر شوكة بقية مناطق درعا، ويسهِّل عليه المفاوضات معهم لاحقًا".

يتزامن مع التصعيد العسكري في مدينة درعا، خروج عشرات العائلات من أحياء درعا البلد وطريق السد والمخيم نحو مركز المدينة، تخوفاً من عملية عسكرية وشيكة يهدِّد بها النظام.

وتمكّنت العائلات من النزوح عن المنطقة باتجاه أحياء درعا المحيطة مشيًا على الأقدام، بعد منع حاجز السرايا العسكري عبور السيارات إلى مركز المدينة، ويتخوّف السكان من اقتحام قوات النظام لأحياء المدينة المحاصرة، بعد استقدام دبابات وآليات عسكرية ثقيلة إلى تخومها.

 

 

أصدر الدفاع المدني السوري بيانًا تحذيريًّا بشأن ما يحصل في درعا، ويقول البيان "إن عشرات آلاف المدنيين في مدينة درعا جنوبي سوريا مقبلون على كارثة إنسانية، بعد محاصرتهم من قبل قوات النظام وروسيا، التي بدأت تقصف عشوائيًّا الأحياء السكنية في المدينة".

مضيفًا أنه "لا يمكن ترك هؤلاء المدنيين ليواجهوا القتل والاعتقال والتهجير من قبل قوات النظام وروسيا، التي تقوم الآن بحملة عسكرية في ظل صمت دولي وأممي".

أعلن الناشطون السوريون تضامنهم مع درعا وأهلها في حملة تضامنية على وسائط التواصل الاجتماعي، داعين إلى التحرك من أجل المدينة التي بدأت ثورتهم منها، ويقول الصحفي السوري غسان ياسين: "50 ألف مدني من أهلنا في درعا محاصرين الآن من قبل قطعان الأسد ويتعرضون لقصف مستمر، وهم مهددون بتنفيذ مجزرة كبرى في حال تم الاقتحام، أهلنا هناك يطلبون التهجير الجماعي حفاظًا على أرواحهم.. يا رب درعا لا تتركهم".

 

من جهته يقول محمد أديب في تغريدة له: "درعا أولى صرخات الحرية وأجمل محطات العمر وأعظم ما في تاريخنا، درعا التى أعطتنا الحياة والحرية في آذار 2011 ستنتصر اليوم، فهي أول الحاضرين وهي الدرع الذي ما خذلنا يومًا، اللهمَّ احفظ درعا التى لا تكتمل حريتنا إلا بها وأدم شموخ أهلها رمز شموخ ثورتنا وربيع عمرنا".

ختامًا؛ يكمن أحد وجوه الكارثة بخصوص درعا في أن تهجيرها سيزيد من المأساة السورية أضعافًا مضاعفة، فمحافظة إدلب مكتظة عن آخر متر فيها، بالمهجرين والنازحين، ولا مكان آمن يلجأ إليه نازحوا درعا بعد تهجير كل المناطق المعارضة. ومن الواضح أن مسألة درعا لا تتعلق ببضعة بنادق فردية بيد شبابها، فوراء الأكمة روسيا ومساعيها لإعادة تعويم الأسد من البوابة الأردنية، الجارة التي تقع درعا على حدودها.