في تقريرٍ سابق لـ"نون بوست" نُشر بعد يومين من اندلاع الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي، ذكرنا أن قرار رئيس الوزراء الإثيوبي إعلان الحرب على جبهة تحرير تيغراي سيكون أخطر قرار اتخذه في حياته.

ذلك أن قرار إعلان الحرب سهلٌ لكن المهم كيف ستنتهي وكيف ستكون آثارها وتكاليفها البشرية والمادية وما تخلفه من آلامٍ وجراحٍ وأحقاد وكراهية يستغرق الشفاء منها سنوات طويلة.

بطبيعة الحال، جبهة تحرير تيغراي ليست ملاكًا بريئًا، وقد لعبت دورًا في وصول الأوضاع إلى ما هي عليه الآن، إلا أن آبي أحمد يتحمل الوِزر الأكبر بالتأكيد، لأنه خطط واستعد لهذه الحرب بالتنسيق مع رئيس النظام الإريتري أسياس أفورقي، إذ جمع بينهما العداء الشديد لقيادات جبهة تحرير تيغراي والرغبة المشتركة في الإطاحة بالجبهة ورموزها.

الآن، بعد 9 أشهر من اندلاع الحرب التي أطلق عليها آبي أحمد يومها "عملية إنفاذ القانون"، تشوهت صورة رئيس الوزراء الحائز على جائزة نوبل للسلام، بفعل الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قواته ضد المدنيين، وإنكاره لعدة أشهر وجود قوات إريترية تقاتل إلى جانب جيشه، قبل أن يعترف بوجودها تحت وطأة الانتقادات الدولية، كما توترت علاقات بلاده مع السودان الذي يستضيف آلاف اللاجئين الفارين من جحيم الحرب.

كذلك توترت علاقات إثيوبيا بالولايات المتحدة ودول الغرب عمومًا، بعد أن كانت أديس أبابا الحليف المدلل والمقرب من الغرب، إذ تحصل على تمويل سنوي كبير من الولايات المتحدة يصل إلى مليار دولار عبارة عن مساعدات تنموية، إلى جانب المساعدات الأمنية (غير محددة الحجم)، بينما يقدم الاتحاد الأوروبي دعمًا سنويًا لإثيوبيا لا يقل عن الدعم الأمريكي، وربما أكثر إذا وضعنا في الاعتبار المساعدات التي تقدمها دول الاتحاد بشكل منفرد، إلى جانب المساعدات التي يمنحها الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة لأديس أبابا.

تناقلت وسائل إعلام سودانية خبرًا مفاده أن رئيس الوزراء حمدوك أعاد طرح مبادرته للتفاوض بين طرفي الصراع الأهلي الإثيوبي

معظم هذه المساعدات توقفت بعد اندلاع الحرب بسبب الانتقادات التي وجهتها الحكومات الغربية للانتهاكات الواسعة التي ارتكبها الجيش الإثيوبي ضد شعب تيغراي، إذ تم توثيق عدد من هذه الجرائم بواسطة الجناة أنفسهم، ما يدل على أنهم واثقون من إفلاتهم من العقاب.

وساطة السودان تصطدم برفضٍ إثيوبي

فور اندلاع الحرب في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بادر رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك ـ الذي تترأس بلاده منظمة إيغاد حاليًّا ـ بالتحرك لجمع طرفي الصراع على طاولة الحوار، لكن رئيس الوزراء الإثيوبي رفض مبادرة حمدوك ورفض كل محاولات تقريب وجهات النظر، إذ أصر على الحل العسكري، ويرى عدد من المراقبين أن قرار وقف الحرب والدخول في عملية تفاوضية مع جبهة تحرير تيغراي "TPLF" ليس في يد آبي أحمد وحده، بل في يد نخبة قومية الأمهرة والرئيس الإريتري، ذلك أن هذين الطرفين هما من لعبا دورًا كبيرًا في دعم آبي وتحقيق انتصارات في بداية الحرب تُوجت بدخول الجيش الإثيوبي "مقلي" عاصمة إقليم تيغراي في الـ28 من نوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي، قبل أن تتمكن قوات دفاع تيغراي من شن عملية عسكرية معاكسة في يونيو/حزران الماضي، تمكنت خلالها من استعادة العاصمة مقلي وأجزاء واسعة من الإقليم.

دعم أمريكي فرنسي لمبادرة حمدوك

في الأيام الماضية تناقلت وسائل إعلام سودانية خبرًا مفاده أن رئيس الوزراء حمدوك أعاد طرح مبادرته للتفاوض بين طرفي الصراع الأهلي الإثيوبي، الحكومة من جانب وجبهة تحرير تيغراي من الجانب الآخر.

رجح صحة هذا الخبر، الاتصالات التي تلقاها حمدوك من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الأمريكي بلينكن، إذ أوضح بيان لوزارة الخارجية الأمريكية أن الوزير أنتوني بلينكن تحدث مع رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك، الأربعاء الماضي، عن الصراع في إقليم تيغراي الإثيوبي واتفقا على دفع الأطراف صوب مفاوضات تقود إلى وقف إطلاق النار هناك. 

وأضاف المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، أن المسؤولَين ناقشا "اتساع نطاق المواجهة المسلحة في إقليمي أمهرة وعفر الإثيوبيين، والوضع الإنساني المتدهور في إقليم تيغراي، وما يتردد عن دخول القوات الإريترية مجددًا إلى إثيوبيا، ما يؤثر على الاستقرار في المنطقة".

تصريحات إثيوبية تغضب الخرطوم

لم يتأخر رد فعل الجانب الإثيوبي، فقد أعلنت بليني سيوم السكرتيرة الصحفية لرئيس الوزراء الإثيوبي رفض الحكومة الإثيوبية، لعب السودان دور الوساطة في أزمتها مع "جبهة تحرير تيغراي"، واصفة الخرطوم بأنها "ليست طرفًا ذا مصداقية".

ومضت المتحدثة الرسمية قائلة: "العلاقة مع السودان في هذه المرحلة صعبة بعض الشيء لأن مستوى الثقة مع بعض القادة قد تآكل بالفعل خاصة بعد دخول قوات الجيش السوداني لأراضٍ إثيوبية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي"، بحسب زعمها.

العبارة الأخيرة في تصريح المتحدثة الرسمية باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي أغضبت الخرطوم، ما دعا وزارة الخارجية السودانية إلى إصدار بيان تعلن فيه استدعاء سفيرها من أديس للتشاور وتحديد خيارات السودان بشأن الصراع في تيغراي.

لا تمتلك إثيوبيا أي أدلة تثبت ملكيتها لهذه الأراضي، وهذه المسألة عقدت العلاقة بين البلدين

البيان السوداني فند تصريحات المتحدثة الإثيوبية بأن الايحاء بلعب السودان دور في النزاع الإثيوبي، وادعاء "احتلاله أراضٍ إثيوبية"، هو استمرار لما درجت عليه إثيوبيا من تجاوز الحقائق في علاقتها بالسودان، وترويج مزاعم لا تملك لها سندًا، ولا تقوم إلا على أطماع دوائر في الحكومة الإثيوبية لا تتورع عن الفعل الضار لتحقيقها، بحسب بيان وزارة الخارجية السودانية.

بطبيعة الحال كانت المتحدثة الرسمية باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي تقصد "أراضي الفشقة"، عندما كررت المزاعم الإثيوبية بأن السودان "احتل أراضٍ إثيوبية"، وهي أراضٍ حدودية بين السودان وإثيوبيا، تجزم الخرطوم بأنها سودانية 100% وفقًا لكل الخرائط الدولية المعروفة. 

ويشير بيان الخارجية السودانية أعلاه، ضمنًا إلى مطامع نخبة قومية الأمهرة ـ المقربين من رئيس الوزراء آبي أحمد ـ في أراضي الفشقة، إذ لا تمتلك إثيوبيا أي أدلة تثبت ملكيتها لهذه الأراضي، وهذه المسألة عقدت العلاقة بين البلدين، إذ تقول أديس أبابا إن السودان استغل الصراع الداخلي في إثيوبيا، و"احتل" هذه الأراضي، بينما يؤكد السودان أنه لم يتجاوز حدوده الدولية إلى إثيوبيا ولا بشبر واحد.

خيارات السودان بعد استدعاء السفير 

ورد في الفترة الأخيرة من بيان وزارة الخارجية السودانية: "إن التحلى بالمسؤولية واستبشاع المعاناة الإنسانية الكبيرة في إقليم تيغراي يسوغان للسودان ولكل قادرعلى الفعل الإيجابي أن يبذل ما في الوسع من مساعدة، ناهيك عن رئاسة السودان للإيقاد وواجباته المستحقة، وعن كونه جارًا يتعدى إليه الكثير من آثار النزاع سيما اللاجئين، وستحسن إثيوبيا موقفًا إن هي نظرت فيما يمكن أن يقوم به السودان على أساس من قدرته على توفير الحل المطلوب، عِوض أن ترفض جملة أي سعي منه، خاصة أن الأطراف الإقليمية والدولية جميعها مهتمة بطي النزاع في إقليم تيغراي. ومن أجل تحديد خياراته في هذا الشأن، فقد استدعى السودان سفيره لدى اثيوبيا للتشاور".

يلاحظ القارئ للبيان السوداني خاصة الفقرة الأخيرة، اللهجة الغاضبة التي تضمنها، وكيف أن السودان تضرر من استمرار الصراع وتدفق اللاجئين في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعيشها البلاد، كما يوضح البيان أن الأطراف الدولية والإقليمية جميعها مهتمة بطي النزاع في تيغراي، وفي هذا توبيخ مبطن لإثيوبيا التي تلمح إلى تدخل السودان.

في تقديرنا أن السطر الأخير في البيان السوداني هو أهم ما تضمنه، إذ جاء فيه: من أجل تحديد خياراته في هذا الشأن "صراع تيغراي"، فقد استدعى السودان سفيره لدى اثيوبيا للتشاور".

فما المقصود بتحديد خيارات السودان في ظل تطاول الصراع وإصرار أديس أبابا على الحل العسكري رغم تقدم قوات تيغراي وتوغلها في إقليمين مجاورين؟

الخيارات المطروحة أمام صانع القرار السوداني للتعامل مع الحكومة الإثيوبية لن تكون سهلة

من الأهمية بمكان، الإشارة إلى حياد السودان في الصراع كمعظم دول الجوار، باستثناء إريتريا التي هي طرف أصيل، والصومال الذي يعد حليفًا لآبي أحمد، وإلى حدٍ ما جيبوتي التي ترتبط بعلاقات اقتصادية قوية مع أديس أبابا.

بخلاف هذه الدول الثلاثة، لم تبد أي دولة أخرى تأييدًا لمغامرة آبي أحمد العسكرية، وفي هذا الصدد حاول كل من السودان وكينيا وأوغندا الوساطة بين الفرقاء الإثيوبيين الذي كانوا شركاءً حتى وقت قريب، لكن مبادرات الوساطة قوبلت برفض من آبي أحمد.

مع استمرار الصراع على حدود السودان وفي ظل رفض إثيوبيا لمبادرات الحوار والتفاوض من الداخل والخارج، فإن السودان قد يجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ موقف حازم من الصراع، ولا نستبعد أن تكون هذه الخيارات على طاولة المشاورات مع سفير الخرطوم لدى إثيوبيا جمال الشيخ بعد استدعائه من أديس أبابا:

1- أن يدعم السودان جبهة تحرير تيغراي عسكريًا كما فعل في ثمانينيات القرن الماضي عندما دعم الجبهة ضد نظام الديكتاتور منغستو هيلا مريام بعد تورط الأخير في دعم متمردي جنوب السودان، وقد أسفر الدعم السوداني عن نجاح جبهة تيغراي والقوات المتحالفة معها في الإطاحة بالديكتاتور منغستو، وإذا قرر السودان مجددًا تقديم العون إلى جبهة تحرير تيغراي فإن ذلك سيشكل تحولًا بارزًا في الصراع قد يعجل بسقوط نظام آبي أحمد الذي تكاثرت عليه الصراعات في عدة أقاليم، إضافة إلى توتر علاقاته مع الشركاء الغربيين.

2- ربما يدرس السودان خفض علاقاته الدبلوماسية مع إثيوبيا كنوع من الضغط السياسي.

3- أن يقدم السودان دعمًا غير مباشر إلى جبهة تحرير تيغراي، يتمثل في تبادل المعلومات وتحركات القوات، إلى جانب إجراء اتصالات مع عدد من القوى السياسية المعارضة لأديس أبابا.

4- اتخاذ الخرطوم خيارات أخرى مثل إغلاق معبر القلابات الحدودي مع إثيوبيا، ووقف أو تقليل التبادل التجاري.

يبدو أن الخيارات المطروحة أمام صانع القرار السوداني للتعامل مع الحكومة الإثيوبية لن تكون سهلة، لكن آبي أحمد الذي كان في يوم من الأيام صديقًا مفضلًا للسودان والسودانيين، أصبح اليوم يشكل تهديدًا ليس لأمن السودان فقط بل لأمن المنطقة ككل، إثر تعنته ورفضه للحوار والتفاوض، وإصراره على الحرب كحل وحيد للخلافات رغم الخسائر التي مُني بها.

ربما يكون الخيار الأقرب للسودان خاصة للجنرالات الذين يتمتعون بنفوذ كبير في السلطة، هو دعم جبهة تحرير تيغراي، ذلك أن بعضهم يتمتع بعلاقة جيدة مع قيادات الجبهة، لكن هذا الخيار يحتاج إلى توافق داخل الحكومة الانتقالية التي تتكون من عدة أجسام وكيانات، كما سيحتاج أيضًا إلى موافقة من القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة التي يتردد أنها محبطة من تصرفات الحكومة الإثيوبية، وتشير التوقعات إلى أن واشنطن تقترب من فرض المزيد من العقوبات على إثيوبيا للضغط عليها من أجل وضع حدٍ للصراع الدامي.