في 19 من نوفمبر/تشرين الثاني 2015 وقعت مصر مع روسيا اتفاقًا لإنشاء المحطة النووية الأولى بالضبعة (شرق)، حينها احتفى الإعلام المصري بشتى أنواعه بهذه الخطوة التي اعتبرها المصريون مقدمة لتحقيق حلمهم في الدخول للنادي النووي بعد عقود من المحاولات غير المجدية.

الخطوة جاءت بعد قرابة عشرين يومًا فقط على حادثة انفجار طائرة الركاب الروسية بالقرب من مطار شرم الشيخ، في 31 من أكتوبر/تشرين الأول، التي راح ضحيتها 224 شخصًا في كارثة جوية هي الأكبر في تاريخ الاتحاد السوفيتي وروسيا، وكان لها صداها الكبير في احتمالية تصدع العلاقات بين القاهرة وموسكو.

البعض حينها قرأ هذا الاتفاق على أنه عربون صداقة للعلاقات بين البلدين، في محاولة لتجنب أي توتير جراء تلك الحادثة، لا سيما أن النظام المصري كان يسعى في ذلك الوقت للحصول على الدعم السياسي من روسيا في ظل التشكيك في شرعية حكمه بعد الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع - آنذاك - عبد الفتاح السيسي (الرئيس الحاليّ) على الرئيس المنتخب محمد مرسي في الـ3 من يوليو/تموز 2013.

قدم المصريون للروس خلال تلك الفترة العديد من الإغراءات المادية التي اتخذت أشكالًا عدة، منها صفقات سلاح وقمح واستثمارات بالجملة، وهو ما أغرى الرئيس فلاديمير بوتين، وشجعه على حضور مراسم توقيع الاتفاق النووي في القاهرة في مشهد استعراضي كبير، في الـ11 من ديسمبر/كانون الأول 2017.

الإسراع في إبرام هذا الاتفاق تحقيقًا لحزمة من الأهداف السياسية المؤقتة غض الطرف عن العديد من التفاصيل المهمة التي كان لها تأثيرها في إبقائه داخل ثلاجة التجميد طيلة السنوات الستة الماضية، ليعاد الملف للأضواء مرة أخرى خلال الأيام الماضية لكن بقراءة مغايرة، فالتفاصيل التي تم تجاهلها سابقًا تحولت اليوم إلى عقبة تهدد بنسف الاتفاق من جذوره.. فهل يتبخر الحلم النووي المصري مرة أخرى بعدما بات على بعد أمتار قليلة من التحقيق؟

تحريك المياه الراكدة

الصمت الذي خيم على المشروع طيلة السنوات الماضية، أثار الكثير من التساؤلات عن احتمالية توقف العمل به، وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام للتلميح إلى وجود عراقيل تحول دون ترجمة الاتفاق الموقع في 2015 إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع.

وأمام تلك الضبابية خرج وزير الكهرباء والطاقة المصري محمد شاكر، بتصريحات في الـ15 من يوليو/تموز الماضي لطمأنة الشارع المصري الذي بدأ يتساءل عن هذا التعتيم بشأن المشروع الذي صاحبه ضجة إعلامية كبيرة ثم سرعان ما خفت عن الأضواء بصورة غير مفهومة.

الوزير أشار إلى اصطحابه فريق من قيادات الوزارة وهيئات المحطات النووية مع مدير شركة "روسا توم" للطاقة النووية لزيارة مقر المحطة المقترحة في الضبعة المصرية، وخرجت الصحف المصرية تثمن تلك الزيارة التي اعتبرها البعض أولى الخطوات الملموسة ميدانيًا نحو تحقيق الحلم.

 

لم يكن تغيير روسيا لشروط الإقراض ولا التراجع عن تعهداتها القديمة إلا رد فعل للأزمات التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، في ظل الحصار المفروض عليها من دول الغرب هذا بخلاف التداعيات الاقتصادية الكبيرة لجائحة كورونا

وفي اليوم التالي لتلك الزيارة أشارت الصحف القومية المصرية إلى أن الوزير المصري سيسافر إلى روسيا لمشاهدة الاحتفال ببدء صنع قلب المفاعل النووي، وبالفعل بثت الإذاعات الروسية خبرًا في الـ30 من يوليو/تموز تفيد بزيارة رئيس هيئة المحطات النووية المصرية إلى مصانع الشركة الروسية، وصفتها بالناجحة.

وبعد ساعات قليلة من بث هذا الخبر احتفت الصحف المصرية، القومية والمستقلة، بهذه الخطوة الإيجابية فيما عنونت الكثير من المواقع بأن الحلم المصري في الدخول للنادي النووي دخل حيز التنفيذ فعليًا، لتحرك المياه الراكدة في هذا الملف بعد 7 سنوات من التجميد.

التمويل.. المعضلة الكبرى

حين وقعت مصر الاتفاق الأولي عام 2015 واستتبعته بحفل التدشين الرسمي عام 2017 كانت ميزانية المشروع الفعلية بحسب التقديرات الروسية، قرابة 25 مليار دولار، رغم أن المشروع الإماراتي الكوري وهو النسخة الأقرب للمشروع المصري قدرت كلفته بنحو 16 مليار دولار.. وكانت هنا المعضلة الأولى.

الاتفاق المبدئي كان يشير إلى إلزام الحكومة الروسية بتقديم تكلفة المشروع في صورة قرض حكومي للجانب المصري بفائدة لا تزيد على 3% على مدار 7 سنوات، هي مدة تنفيذ المحطة النووية، لكن سرعان ما تغير الوضع الآن، فقد طلبت موسكو من القاهرة الاقتراض من بنك الصادرات الروسي لتمويل المشروع بفائدة كبيرة سترفع من قيمة الكلفة الإجمالية للمفاعل إلى 42 مليار دولار.. كما أشار الكاتب الصحفي عادل صبري رئيس تحرير موقع "مصر العربية".. وهنا المعضلة الثانية.

لم يكن تغيير روسيا لشروط الإقراض ولا التراجع عن تعهداتها القديمة إلا رد فعل للأزمات التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، في ظل الحصار المفروض عليها من دول الغرب بعد توتير الأجواء بينهما مؤخرًا لا سيما بعد احتلال جزيرة القرم والتدخل في أوكرانيا، هذا بخلاف التداعيات الاقتصادية الكبيرة لجائحة كورونا التي دفعت البلاد إلى إعادة النظر في أي منح أو مرونة في التعاملات المالية مع الدول الأخرى.

 

يعد تدشين محطة نووية حلمًا طالما داعب المصريين منذ إنشاء جهاز الطاقة النووية برئاسة جمال عبد الناصر عام 1955، ورغم انطلاق العديد من التجارب لتحقيق هذا الحلم، فإن جميعها باءت بالفشل

هل يتبخر الحلم؟

حين فكرت مصر في بناء محطة الضبعة قبل 7 سنوات كانت تعاني البلاد من أزمات طاحنة في الطاقة والكهرباء، وعليه وفي ظل هرولة النظام لتقديم قرابين الولاء للشعب المصري للحصول على الشرعية الشعبية، هرول لعلاج الأزمات التي تم النفخ فيها سابقًا للتهييج ضد نظام الراحل محمد مرسي، هذا بخلاف مساعي الحصول على الدعم السياسي الروسي ولو عبر مشروعات تكبل المصريين مستقبلًا.

اليوم الوضع تغير بصورة كبيرة، إذ أصبح لدى مصر فائض في توليد الكهرباء، ووصل الأمر إلى التفكير في التصدير، هذا بخلاف اكتشافات الغاز الطبيعي الذي يمهد الطريق نحو تعزيز حضور المحطات الغازية والحرارية الأرخص بلا شك مقارنة بالمحطات النووية باهظة التكالف.

ومن ناحية أخرى فإن الكلفة الجديدة لبناء المحطة حسب التقديرات الروسية لا شك أنها ستمثل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني الذي يعاني من أزمات طاحنة، ومن ثم ليس بمقدوره تحمل 42 مليار دولار ديون جديدة خاصة بعدما وصل حجم الدين إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في التاريخ المصري.

وتشير الإحصاءات إلى ارتفاع الدين الخارجي للبلاد خلال الربع الأول من العام الحاليّ، ليصل إلى 134.8 مليار دولار بنهاية مارس/آذار 2021، بالمقارنة مع 129.1 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2020، بزيادة قدرها 5.64 مليار دولار، أي بنسبة 4.37%، حسب بيانات البنك المركزي.

ورغم الزيادة التي شهدها الدين الخارجي لمصر منذ انطلاق ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، فإن الوتيرة تصاعدت بشدة مع وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم، إذ زاد حجم الدين من يونيو/حزيران 2014 وحتى اليوم أكثر من 3 أضعاف.

ورقة سياسية

يبدو أن التوتر الذي ساد العلاقات بين القاهرة وموسكو خلال الآونة الأخيرة، الذي كان أبرز مؤشراته إرجاء الجانب الروسي لعودة حركة السياحة لمصر منذ سقوط الطائرة في 2015 وحتى قبل أيام قليلة، دفع الجانب المصري لإعادة النظر في مشروع الضبعة بصيغته الحاليّة.

التصريحات العنترية التي يصدرها إعلام الجانبين بين الحين والآخر مع كل زيارة تبادلية لمسؤولي الطاقة هنا وهناك، لا تخرج عن إطار التوظيف السياسي لهذا المشروع لتحقيق أهداف أخرى، أبعد من فكرة الاستثمار في تلك البقعة وفي هذا المجال الذي رغم أهميته للمصريين بات مكلفًا جدًا.

ووفق العديد من المؤشرات فإن المشروع أصبح خارج حسابات المصريين، على الأقل خلال الفترة الحاليّة، وهو ما تترجمه الأرقام التي تضمنتها الموازنة العامة للعام 2021/2022 التي تراجعت فيها ميزانية المحطات النووية بصورة ملحوظة، لتصل إلى 3.4 مليار جنيه (217 مليون دولار) توجه معظمها لتمويل الرواتب واحتياجات التشغيل التي تتطلبها الكيانات النووية في مصر، فيما خلت الموازنة من أي ذكر لقروض أو تمويلات للمشروع المذكور.

ويعد تدشين محطة نووية حلمًا لطالما داعب المصريين منذ إنشاء جهاز الطاقة النووية برئاسة جمال عبد الناصر عام 1955، ورغم انطلاق العديد من التجارب لتحقيق هذا الحلم، فإن جميعها باءت بالفشل، إما لأسباب إدارية وفنية ومالية وإما لعوامل خارجية.

البداية كانت في السبعينيات حين أجهضت واشنطن حلم المصريين بامتلاك مشروع نووي عام 1976، وما إن استعاده المصريون في التسعينيات حتى تم وأده مرة أخرى عام 1986 بعد انفجار المفاعل النووي الروسي في مدينة تشرنوبيل التابعة للاتحاد السوفيتي في حينه.

سعت العديد من الدول، الغربية والشرقية، على حد سواء، لتقديم المنح والمساعدات للدولة المصرية، عوضًا عن هذا الحلم، الذي لم يراود مخيلتها يومًا ما، ومع الثورة المصرية في 2011 بدأ الحلم يفرض نفسه مجددًا، وفي 2013 تلقت القاهرة العديد من العروض لتدشين محطة نووية في منطقة الضبعة، ورغم دخول الصين وكوريا وأمريكا ضمن قائمة العروض المقدمة، فإن الجانب المصري اختار العرض الروسي الذي كان يتعلق بتولي بناء المحطة من الألف إلى الياء دون تدخل من الجانب المصري طيلة فترة عمل المشروع.

وتبقى الأشهر المقبلة فترة اختبار حقيقي لتنفيذ المشروع من عدمه، فالتحريك الحاليّ للمياه الراكدة ربما يسفر عن جديد حال تخلي موسكو عن شروطها المجحفة بشأن سياسة الاقتراض والفوائد الباهظة عليه، فيما يمكن للجانب المصري توظيفه سياسيًا من خلال استخدامه كورقة ضغط كلما تطلب الأمر.. وبين هذا وذاك يبقى الشعب المصري في انتظار حلم يبتعد كلما تم الاقتراب منه.