ترجمة وتحرير نون بوست

يبدو أن الأزمة الأوكرانية الواقعة في أوربا، وتصاعد التوتر بين روسيا والغرب، سيشكّل تحديًا جديدًا للسياسة الخارجية الهندية، والتي اتسمت بعلاقات قوية مع روسيا منذ الحرب الباردة إلى اليوم، نظرًا للعلاقات القريبة لكل من الولايات المتحدة والصين مع باكستان (أهمية باكستان لأمريكا هي موازنة إيران ودعم جهود الناتو في أفغانستان، وللصين هي موازنة الهند والحد من دورها في آسيا الوسطى).

تستعد روسيا لمواجهة الأزمة مع الغرب بالتوجه صوب الصين، كما تشي لنا صفقة الغاز التاريخية التي وقعتها بعد إقرار العقوبات الغربية ضدها منذ أشهر، وهو ما يعني أن خيارات دلهي ستصبح أصعب في آسيا، خاصة في آسيا الوسطى، حيث كان البلدان في السابق يتشاركان الحذر تجاه الصين نظرًا لحدودها الطويلة معهما، وخوضهما لعدة حروب محدودة معها، وقلقهما من نواياها التوسعية (خصوصًا روسيا شاسعة المساحة، التي يتركز سكانها في الغرب الأوربي، تاركين الشرق السيبيري الغني بالغاز متاخم لمليار ونصف صيني). ورُغم أن كلٌ من الهند وروسيا قد شرع في تحسين وتطبيع العلاقات مع الصين في الثمانينيات، إلا أنهما ظلا على حذرهما من بكين وتطلعاتها الاستراتيجية في آسيا، خصوصًا وأن صعود الصين الصاروخي في العقدين الماضيين قد أقنع دلهي وموسكو أنهما يحتاجان إلى بعضهما أكثر من أي وقت لتحقيق التوازن في آسيا.

تحالف غير واقعي؟
لذا، يمثل التوسّع الروسي المفاجئ في العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع الصين، وتغليب كفة الاعتبارات الدولية بشكل عام على الاعتبارات الآسيوية، مشكلة للهند، وذلك لأن الشراكة الروسية الصينية تزداد قوة يومًا بعد يوم عن نظيرتها الروسية الهندية. حتى في المجال العسكري، الذي تتمتع فيه الهند بموقع مميز على خارطة روسيا، ستصبح فيه الصين مع الوقت الشريك الأساسي لموسكو بتسارع شراكتهما.

ليس مفاجئًا إذن، أن موقع دلهي في مثلث الشرق الاستراتيجي بكين-دلهي-موسكو أصبح صغيرًا نوعًا ما.

“نحن شركاء طبيعيون، وحلفاء طبيعيون، وجيران”، هكذا قالها بوتين أثناء لقائه برئيس الوزراء الصيني، لي كَتشيانغ، في موسكو منذ أسابيع، وهي كلمات قد تثير حيرة أنصار المدرسة الواقعية والبراجماتية في السياسية، والذين تقول قواعدهم النظرية بأنه يصعب على جارين كبيرين كروسيا والصين أن يتحالفا، وسيوافقهم الرأي العالمون بخبايا تاريخ العلاقات الصينية الروسية.

لنتذكر التحالف العسكري الذي أعلنه القائدان ستالين وماو عام 1950، والذي انهار في أواخر الخمسينيات رُغم عدائهما المشترك للغرب، والأيدولوجية الشيوعية التي جمعتهما، وكان هذا التصدع في العلاقات متزامنًا مع اشتعال الصراع بين الصين والهند، الأمر الذي شكّل طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين موسكو ودلهي، ولعقود.

إذا كانت النظريات الواقعية تضع حدًا للشراكة الصينية الروسية،  فإن الغرب يبدو عازمًا على دفع موسكو أكثر تجاه بكين. فهناك مرارة في موسكو تجاه فشل الولايات المتحدة في صياغة منظومة سلام عقب الحرب الباردة تحفظ الاعتبار لموسكو، وهو ما دفع بوتين نحو توطيد العلاقات مع الصين منذ توليه السلطة عام 2000، كجزء من محاولة إعادة التوازن للمنظومة الدولية لتكون متعددة الأقطاب، وتعزيز موقف روسيا في مواجهة الولايات المتحدة.

الآن، وبعد عقد ونصف، يبدو أن ما بدأته روسيا باعتباره مناورة قد أصبح خيارًا استراتيجيًا في وجه المحاولات الغربية المتكررة لعزلها ومعاقبتها لما فعلته في أوكرانيا.

خيارات الهند
لا تعني الهند كثيرًا الحسابات بين روسيا والغرب وأسباب العداء المتصاعد بينهما منذ الحرب الباردة. جل ما يهم الهند هو النتائج السلبية المتعددة التي يعنيها هذا التحول في موازين القوى.

لقد كانت الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة تحد بالفعل من خيارات السياسة الخارجية الهندية، وتمكّنت الهند بعد الانفراجة في العلاقات إثر سقوط الاتحاد السوفيتي من تحسين علاقاتها بكليهما على مدار السنوات الخمس والعشرين الماضية.

إذا عادت أمريكا وروسيا إلى نقطة الصفر مرة آخرى وبهذه السرعة، سيدفع الطرفان الهند إلى اتخاذ قرارات سياسية كانت الهند تتفادها طوال ذلك الوقت، على سبيل المثال، فيما يخص أوكرانيا، لم تنتقد دلهي، أو تؤيد وتتبنى، استحواذ روسيا على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا.

باقتراب الصين وروسيا من بعضهما البعض، من المتوقع أن يضغط كلٌ منهما على الهند لدعم مواقفهما في شتى المحافل الدولية، مثل تجمّع بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) والأمم المتحدة، هذا وتعلم دلهي أن بكين الآن هي الشريك الأهم لموسكو، وأن التحالف مع روسيا سيُعطي الصين في النهاية قدرة أكبر على المناورة والتفاوض مع الولايات المتحدة.

لا تستطيع الهند أن تعادي موسكو بالانحياز الكامل لواشنطن، ولا يمكنها الانضمام كعضو صغير هامشي في التحالف الصيني الروسي، لذلك، سيكون السبيل الوحيد أمامها هو توطيد علاقاتها مع الجميع؛ روسيا وأوربا والولايات المتحدة، كلٌ طبقًا لوزنه ودوره، والتحرّك لفترة من الزمن كقطب دولي منفرد نسبيًا عن أي تحالفات كُبرى.

المصدر: إنديان إكسبرس